الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

دروس من تاريخنا القضائي الحاضر

الله سبحانه وتعالى لا يُضيع أجر المصلحين، فمن استعان بالله من الولاة على أداء أمانته، وصدق في قصده، وحرص على اتخاذ أسباب ذلك، فهو حريٌ بكل خير وتوفيق

في كل مرة يعلن فيها عن تعيين مسؤولٍ أو استبداله ينقسم الناس بين مؤيّدٍ ومعارضٍ ومتوقف، والمعارض في العادة شخصٌ تغلب عليه طيبة القلب وكرم النفس وصدق الولاء، ولكنه يفتقد بعد النظر وقوة الحسم والتجرّد التام للمصالح العظمى، وحديثنا اليوم موجّهٌ له وللمتوقف الحائر.
إن في التاريخ الإسلامي شواهد وأحداثا كثيرة؛ لو ترك للعواطف أن تتحكّم فيها لما قامت، ولما ظهر للناس الحكم العظام من تلك التصرفات المصلحيّة في التعيين والعزل.
ولعل أهم حادثتين وقف عندهما التاريخ وقفة تأمّلٍ وترقّب هما: حادثة تقليد أسامة بن زيد قيادة جيش رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غزو الروم وهو ابن ثمانية عشر عاما، وفي الجيش عمر بن الخطاب وغيره من كبار المجاهدين من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وحادثة عزل أمير المؤمنين الفاروق لخالد بن الوليد رضي الله عنهما من إمارة قنسرين شمالي بلاد الشام ومن قيادة الجيش في فتوح الشام، وخالدٌ هو من قال فيه عليه الصلاة والسلام (اللّهمّ هو سيفٌ من سيوفك، فانصره!).
لقد استنكر الأنصار تولية أسامة، وطلبوا أن يستبدل به من هو أقدم سنا منه، فلم يستجب لهم الصديق رضي الله عنه، كما واجه الفاروق معارضة على عزله سيف الله المسلول، فلم يلتفت لمن عارضه، وكانت الحكمة متجلية في الحادثتين، ولم تتبين للمعارضين إلا بعد حصولها.
وفي تاريخنا القضائي المعاصر يحدث بين الحين والحين تغييراتٌ في القيادات القضائية، نحار في بعضها، ونستبطئ بعضها الآخر، غير أن من يمعن النظر في تلك القرارات يعجب لحكمة الله أولا في تقديرها، ثم في توفيق الله لولي الأمر في العزم على اتخاذها والحزم في الإقدام عليها، وهي مما يختلف عليها الخاصة قبل العامة.
سنركز في هذا المقال على انتقاش الدروس والعبر من تلك الأحداث، فنقول:
أولا/ لا بد للمسلم من تقديم النظر إلى المصلحة العظمى قبل تسليط الضوء على أفراد تلك الأحداث؛ فإن قدوم شخصٍ ورحيل آخر لا يعنيان في ميزان الأمم شيئا، فكلا الأمرين لا يعدو أن يكون مسرّعا أو مبطّئا لعجلة التقدم، أما مصير الأمة فهو محسوم بغير مقدم هذا ولا رحيل ذاك.
ثانيا/ إن على المنصف أن يعلم أن الراحل - إن كان ذا نفعٍ متجددٍ - فسيجد مجالا جديدا يظهر فيه نفعه؛ متى توافرت الهمة وصدقت النية، فالفشل عند العظماء درجةٌ من درجات تصحيح المسار، وحجر صعودٍ إلى النجاح.
ثالثا/ إن الله لم يجعل مصالح عباده معلقة بأعيان الأشخاص، وإلا لما قضى بالموت على خيرة خلقه من الأنبياء والرسل، ومن هذا المنطلق: فإنّ من مات أو عزل أو استبدل بغيره: فإن الله سيجعل في خلفه خيرا لعباده إن استحقوا المنّة عليهم بمن هو خير؛ قال جل ثناؤه: {وإن تتولّوا يستبدل قوما غيركم ثمّ لا يكونوا أمثالكم}.
رابعا/ إن الله حين يبتلي عباده بخلفٍ هو شرٌ ممن سبقه: فما ذلك إلا بذنبٍ استحقوا أن يبتلوا عليه؛ ليتذكروا ويصلحوا أمرهم، فتعود الكرة لهم؛ قال تعالى {فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأسٍ شديدٍ فجاسوا خلال الدّيار وكان وعدا مفعولا (5) ثمّ رددنا لكم الكرّة عليهم وأمددناكم بأموالٍ وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا}.
خامسا/ إن الله يهدي عباده طريقي الخير والشر، ثم ينظر كيف يعملون؛ إمعانا في الابتلاء لهم ولمن ابتلي بهم، ثم إن ما يصدر منهم بعد ذلك من خيرٍ وصلاحٍ، أو مما يرونه شرا في الظاهر: كله خيرٌ لجميعهم؛ إما لرفع درجاتهم، أو محو سيئاتهم، أو لدفع البلايا العظام عنهم؛ متى شكروا في سرائهم، وصبروا في ضرائهم.
سادسا/ إن الله حين يؤتي عباده الصالحين من الولايات ما يمكّنهم بها أن يرفعوا من درجاتهم في الدنيا والآخرة بما ينفعون به العباد والبلاد: فإنه لا يوحي إليهم بكل ما يفعلون وما يدعون، بل إنه تبارك وتعالى يترك أمر الإقدام على الأفعال والإحجام عنها لهم ولمن يستنصحون برأيه ومن يستعينون به.
سابعا/ إن توفيق الله لمن تقلد الولاية لا يبلغ تمامه إلا إذا أحسن اختياره لأعوانه؛ قال عليه الصلاة والسلام (من ولي منكم عملا، فأراد اللّه به خيرا: جعل له وزيرا صالحا؛ إن نسي ذكّره، وإن ذكر أعانه).
ثامناً/ إن عزل صاحب المنصب ليس شرا محضا، بل هو تذكيرٌ له بخطئه، وتمكينٌ له بتعجيل توبته، قال عليه الصلاة والسلام (إذا أراد اللّه بعبده الخير عجّل له العقوبة في الدّنيا، وإذا أراد اللّه بعبده الشّرّ أمسك عنه بذنبه حتّى يوافي به يوم القيامة).
تاسعا/ لو أنّ متقلدي المناصب تذكروا سير من سبقوهم لقللوا من فرص فشلهم، ولزادوا من إمكانات نجاحهم، ولتمكّنوا من أن ينفعوا غيرهم كما أريد منهم.
عاشرا/ إن من بهر المنصب لبّه وخلب عقله وغفل عما لحق بمن قبله: سيلقى من المصير الماحق أسوأ مما نزل بأسلافه؛ لعدم اعتباره بما حلّ بهم؛ قال عز وجل {أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوبٌ يعقلون بها أو آذانٌ يسمعون بها}.
حادي عشر/ إن على من ابتلي بمثل هؤلاء المسيئين لمناصبهم - من عامة الناس وخاصتهم - أن يتيقنوا أنّ الله يعلم المفسد من المصلح، وأن الله لهم جميعا بالمرصاد، وأن الله يملي للظالم منهم حتى إذا أخذه لم يفلته.
ثاني عشر/ إن الله سبحانه وتعالى لا يضيع أجر المصلحين، فمن استعان بالله من الولاة على أداء أمانته، وصدق في قصده، وحرص على اتخاذ أسباب ذلك: فهو حريٌ بكل خير وتوفيق، وكذلك المولّى عليهم إذا صلحوا؛ قال جلت عظمته {وما كان ربّك ليهلك القرى بظلمٍ وأهلها مصلحون}.

ناصر الداوود        2012-03-25 12:13 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 7 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • المقال لولا عنوانه لما فهم قصد كاتبه والمقصود استهدف اثناء عمله من عدة كتاب ولكن ما الغرض من استهدافه بعد طلبه الاعفاء ام هي غيرة من تميزة حتى في الترك عجيب امر توفيق الله لمن صدقت نيته حتى فيما يظهر للناس انه خسارة يجعله الله له عزا ورفعة ومكسبا ووالله انها لخسارة ان يستعفي الشيخ خسارة للكل ماعدا الشيخ خالد عفيف
  • مللنا هذه المقالات والتي شغل بها البعض وقته وجهده للتقليل من جهد وانجازات الناجحين ولو انهم صرفوا هذا الجهد في خدمة نجاحات انفسهم لوجدوا من اللذة اضعاف مايجدونه من مرارة الغيض من الناجحين  محمد العقيل
  • المقال غير واضح المعالم يدل على اضطراب ما ..، ثم ما علاقة العنوان بالمقال، وهل قصد الكاتب أن الدولة لاتحسن اختيار مسؤوليها؟، وهل لفصلك من القضاء علاقة بالأمر؟ ثم كيف يكون عزل وهو طلبُ إعفاء، ثم اذا كان عزل في نظرك كيف يقرب ليكون مستشارا ليس في الشان القضائي فقط بل في أمور الدولة كلها!!، ختاما أقول: رأى لجة ظنها موجة فلما تمكن منها غرق!! أصلح الله سرائرنا قلى
  • يا استاذ ناصر بالنسبه للمقاله الطويله العريضه اللي انت كتبتها .. بتتكلم عن ما يجب ان يكون عليه القاضي او عن قضائنا نحن في المملكه ؟ او هي نصائح لمن اراد ان يكون قاضيا ؟ في نهايه الموضوع احب اذكرك انه عندي قضيه لها الان تسع سنوات ولم اخذ حقوفي .. يوم القاضي في اجازه و يوم في انتداب وطبعا ما احد يحل محله والموعيد بين كل موعد والاخر ثلاث شهور وهذا اذا حضروا جميع الاطراف والا تم التاجيل .طبعا جائتني معلومه بان القاضي سوف يتقاعد قريبا والله يستر وتعال حلني اذا راحت لقاضي ثاني. ابوتوفيق
  • اقول لك لقد نجحتم في حملتكم وتوجتموها الان بهذا المقال الذيي اقل ما يقال عنة انة شخصنة لحالة ادارية عادية تتم في اي مؤسسة وهي حالة طلب اعفاء من منصب لظروف لا يعرفها غير صاحبها ولكن من تعني هو من رجالات الدولة الذي ترفع ويترفع دائما عن المهاترات الصحفية وغيرها وهنا يبرز معدن الكبار اما الصغار فهم من يصارع وينصب الافخاخ والمكائد للبقاء في منصبة مستعينا تارة باقلام وتارة بويشايات وتارة..... غالب حسين
  • مقال غير موضوعي فية تشفي على رجال دولة خدموا دينهم ووطنهم وفية محاولة مبطنة لتلميع اخرين لم يقدموا ما يشفع لهم مقارنة بمن اثر السلامة من اللسنة حداد وتيار متربص رغم الانجازات الواضحة وضوح الشمس التي حققت في وقت قياسي ولكن نقول واللة المستعان على ما يصفون!!!!!!! عزيز خالد
  • ليست المشكلة في اختيار الاعوان المشكلة فيمن يعين الاعوان فالمسئول لايحتار بل يجبر ولهذا يضطر لتقديم استقالته ابن صالح

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال