الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

رئاسة المجلس ومبدأ الاستقلال

لا تزال الأوامر الملكية المعممة تؤكد على جميع الجهات الحكومية عدم التدخل في القضاء، وأن القضايا من حين دخولها مكتب القاضي وحتى صدور الحكم من اختصاص القاضي وحده، وكل ذلك يعزز مبدأ الاستقلال المقرر

كان أول تشكيل للسلطة القضائية في المملكة عام 1343، بأمر من المؤسس الملك عبدالعزيز غفر الله له، باستحداث إدارة للقضاء في مكة المكرمة ثم إلحاقها بأخرى في مدينة الرياض، وبعد ست وثلاثين سنة قام الملك سعود يرحمه الله بتوحيد القيادة القضائية تحت مسمى (رئاسة القضاة) عام 1379هـ، واختار لها رئيساً فذاً هو الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله، فقامت الرئاسة بواجبها على نحو ما تقوم به وزارة العدل نحو القضاء اليوم، وما يقوم به المجلس الأعلى للقضاء نحو القضاة في هذه الأيام، مع فارق الإمكانات والكوادر والقدرات الفنية والإدارية، ثم تلا ذلك سبع مراحل منظمة لشؤون القضاء والقضاة على النحو التالي:-
المرحلة الأولى/ ابتدأ الملك فيصل غفر الله له تحديث رئاسة القضاة عام 1390هـ، بأن قسم ـ رحمه الله ـ اختصاص الرئاسة إلى شقين؛ القضائي منهما: أسماه (الهيئة القضائية العليا)، وجعل رئاستها إلى الشيخ محمد بن جبير يرحمه الله، والإداري منهما: أسماه (مجلس القضاء الأعلى)، وأسند رئاسته إلى أول وزير للعدل في المملكة الشيخ محمد الحركان غفر الله له، فترأس معاليه المجلس تعييناً لا تكليفاً.
المرحلة الثانية/ في أواخر عام 1395هـ وبعد صدور نظام القضاء السابق وتعديلاته عين الملك خالد يرحمه الله الشيخ عبد الله بن حميد أول رئيسٍ متفرغٍ للمجلس، بعد ضم الهيئة القضائية العليا إليه، واستبدال مسماها بالهيئة الدائمة؛ لتكون نواةً للمحكمة العليا المستحدثة في نظام القضاء الحالي.
المرحلة الثالثة/ قبل منتصف عام 1402هـ أصدر الملك خالد أمره بتكليف وزير العدل الثاني الشيخ إبراهيم بن محمد آل الشيخ برئاسة المجلس؛ فكان أول وزيرٍ للعدل (يكلف) بالرئاسة بعد وفاة سلفه يرحمهما الله.
المرحلة الرابعة/ عام 1407هـ أصدر الملك فهد غفر الله له تكليفه وزير العدل الثالث الشيخ محمد بن جبير برئاسة المجلس، ليكون ثاني وزيرٍ للعدل (يكلف) برئاسته.
المرحلة الخامسة/ عام 1413هـ عين الملك فهد يرحمه الله الشيخ صالح اللحيدان ثاني رئيسٍ متفرغٍ للمجلس بشقيه القضائي والإداري.
المرحلة السادسة/ عام 1430هـ عين الملك عبد الله وفقه الله الشيخ صالح بن حميد ثالث رئيسٍ متفرغٍ للمجلس، بعد فصل الشق القضائي عنه وتسميته (المحكمة العليا).
المرحلة السابعة/ في أول هذا الشهر كلف الملك عبد الله أيده الله وزير العدل الخامس د. محمد العيسى برئاسة المجلس؛ فصار ثالث وزيرٍ للعدل يرأس المجلس تكليفاً بعد استقلال الشق القضائي عن الإداري.
وإذا تأملنا الفوارق بين وزراء العدل الخمسة في مراحل رئاسة المجلس السبع ندرك الآتي:-
أ/ الوزير الأوحد الذي لم يتول رئاسة المجلس هو الوزير الرابع د. عبد الله بن محمد آل الشيخ.
ب/ الوزير الأوحد الذي تولى رئاسة المجلس وهو من غير القضاة هو الوزير الثاني (إبراهيم آل الشيخ).
ج/ وزراء العدل الثلاثة؛ الأول(الحركان) والثالث (الجبير) والخامس (العيسى) كلهم من القضاة الشرعيين.
د/ الوزير الأول (الحركان) قاضٍ عدليٌ بحت.
هـ/ الوزيران الثالث (الجبير) والخامس (العيسى) نشآ في القضاء العدلي، وترعرعا في القضاء الإداري، ثم عادا إلى القضاء العدلي بعد أن بلغا أشدهما.
و/ الوزيران الثاني (إبراهيم آل الشيخ) والثالث (الجبير) كلفا برئاسة المجلس قبل الفصل بين شقيه القضائي والإداري، ومع ذلك لم يكن لهما سلطان على الشق القضائي (الهيئة الدائمة)؛ لأنها كانت مستقلةً عن رئاسة المجلس برئيسٍ خاص؛ هم على التوالي (العقيل، اللحيدان).
ز/ الوزيران الأول (الحركان) والخامس (العيسى) كلفا برئاسة الشق الإداري للمجلس فقط؛ لأن الشق القضائي لم يكن مضموماً إلى المجلس إبان رئاسة الأول، ولأن تكليف الخامس جاء بعد استقلال المحكمة العليا عن المجلس.
من كل ما تقدم نعلم يقيناً: أن الدولة أعزها الله لم تنتهك مبدأ استقلال القضاء في تكليفها أياً من وزراء العدل الأربعة برئاسة المجلس، خصوصاً: أن أمانة المجلس بيد القضاة بناءً على المادة (8) من نظام القضاء، وأن أغلبية أعضاء المجلس اليوم من القضاة، وقرارات المجلس تصدر بالأغلبية بحسب المادة (7) من النظام دون تمييزٍ لجانب الرئيس، بل إن حرص الدولة على سلامة ودعم مبدأ استقلال القضاء تمثل في مواضع عدة، منها:-
1/ النص على استقلال سلطة القضاء في المادة (46) من (النظام الأساس للحكم)؛ ونصها [القضاء سلطة مستقلة، ولا سلطان على القضاة في قضائهم لغير سلطان الشريعة الإسلامية].
2/ التأكيد على استقلال القضاة في المادة الأولى من نظام القضاء؛ ونصها [القضاة مستقلون، لا سلطان عليهم في قضائهم لغير أحكام الشريعة الإسلامية والأنظمة المرعية، وليس لأحد التدخل في القضاء].
3/ النص على أن التدخل الشخصي في شؤون القضاء من الجرائم التي يعاقَب عليها كبار رجالات الدولة؛ كما في المادة (5) من نظام محاكمة الوزراء، وفيها: النص على توقيع عقوبة السجن لمدة لا تقل عن ثلاث سنوات ولا تزيد على عشر سنوات على أي وزير في الدولة يرتكب هذه الجريمة.
4/ لا تزال الأوامر الملكية المعممة تؤكد على جميع الجهات الحكومية عدم التدخل في القضاء، وأن القضايا من حين دخولها مكتب القاضي وحتى صدور الحكم من اختصاص القاضي وحده، وأن على القاضي عدم الاستجابة لطلبات سحب المعاملات من المحاكم قبل الحكم فيها من أي مسؤولٍ، وكل ذلك يعزز مبدأ الاستقلال المقرر.
أما ما يلتبس على الكثير حول سلامة تطبيق هذا المبدأ من كون تعيين القضاة لا يكون إلا بأمر ملكي: فلاشك أن ذلك من باب إعلاء شأن القضاء؛ حتى لا يدخل حماه من لا يستحقه، بل إن النظام أوجب في المقابل أن لا يكون عزل القاضي إلا بأمر مماثل؛ حتى لا يساء استخدام الحق من نواب ولي الأمر على القضاء، ولولا هذا التحوط لكان التعيين في القضاء مغنماً والعزل عنه مغرماً ممن لا خلاق لهم، وما دام أن القاضي ليس له أن يولي نفسه، ولا يوليه من لا ولاية له؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه، فقد وجب أن تكون توليته من ذي ولاية عامة.
أما ما يثار حول اشتراط إذن الإمام في نظر بعض أنواع القضايا: فذلك من التنظيم الذي لا يمكن إهدار سببه، وإلا صار الأمر هملاً، ومآله إلى الفوضى، وذلك ما تنأى عنه الحكومات المنظمة على مر العصور.
أما ما يشكل على البعض بشأن الميزانية الخاصة للمجلس: فهو - لو يعلمون - خير للمجلس ولرئاسته ولاستقلال القضاء من الميزانية المستقلة المماثلة لأي دائرة أخرى؛ لأن المجلس سيخضع بسببها للتدقيق والمحاسبة من ديوان المراقبة العامة، وذلك عامل انتهاك لمبدأ استقلالية القضاء.

ناصر الداوود        2012-04-08 2:13 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 21 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • أوجز استاذ القانون الدستوري بجامعة طيبة الرأي بوجود تضارب وعدم استقلالية بين منصب وزير العدل ومنصب رئيس المجلس الاعلى للقضاء، وهو رأي يخالف رأي الكاتب محام متمرس
  • هل سينقذ الوزير لائحة الشؤون الوظيفية للقضاة فأحوالهم المادية لاتسر وهم تعرض بين أيديهم ملايين الريالات وراتب أغلبهم من ١٢ الى ١٥ الف هل يعقل هذا راتب الضابط اعلى من راتبه وعددهم قليل فهل يستطيع الوزير أن يفعل مالم يفعله المجلس السابق وينقذ القضاة من الدين والقرض ويحسن أوضاعهم قاضي المحكمة العامة
  • شكرا للكاتب القدير. و إشارة إلى المادة (46) المتعلقة باستقلال القضاء و المذكورة في المقال اعتقد أنها كان ينبغي أن تشير تلك المادة إلى أن ولي الأمر (الذي تمت بيعته على سنة الله و رسوله) هو المرجع القضائي النهائي فيما يخص الهيكل العام. أي أن و لي الأمر هو رأس الهرم القضائي. المهندس محمد بن أحمد الشنقيطي
  • كان وزير العدل قبل توليه منصب الوزارة وأثناء مشاركته في مشروع نظام القضاء يقول لم نجعل لوزير العدل أي اختصاص بشأن القضاة!! لأن هذا انتهاك لسيادة القضاء لماذا تبدل الكلام الآن؟ فماذا سيقول الآن بعد توليه عبدالرحمن اليوسف
  • لافض فوك يادكتور صالح!!! نعم التكليف يجب أن يكون مؤقتا وإلا لنص الأمر الملكي على تعيين الوزير رئيسا للمجلس لمدة أربع سنوات محمد الغانمي/ طالب قانون
  • التعليق خالف قواعد النشر الاستقلال أولا
  • لا احد يتدخل في حكم القضاه ولكن هل طول اجراء التقاضي وصرف المواعيد من المسئول عنه (هل عدد القضاه قليل فستكون الدوله مسئوله عن هذا التأخر ام ان القاضي هو من يؤخر (المشكله عندما تقع في حيره (البيضه ام الدجاجه اولا ) ابوعريضه
  • ما ذا تقول عن القاضي بعد اعطاء الموعد الأول للجلسة لعدة شهور ثم الجلسة الثانية وموعد كذلك عدة شهور وتفجاء ان يقول لك هذاة الحالة ليست من اختصاصةفتقول لماذا لم تخبرني من البداية فيرد ويقول تعليمات جديدة حصلت تنيح
  • الوزير نص الأمر الملكي على أنه تكليف ولم يقل تعيين يعني أنه مؤقت لفترة محدودة بسبب ظروف معينة صم يعود الأمر على الأصل وهو الفصل بين رئيس المجلس والوزير حماية لمشروع الملك عبدالله لإصلاح وتطوير القضاء ونتمنى من الكاتب أن يكتب عن شؤون القضاة الوظيفية وأحوالهم البائسة قاضي المظالم
  • الجمع بين منصبين وزارة العدل والمجلس في شخص واحد مناف للاستقلال القضائي ورجعنا سنينا للوراء ولم نتقدم ومقال الكاتب يؤكد ذلك المحامي أحمد العبدالعزيز المتحمي
  • يا إخوان وزير العدل لم يطور عمل المحاكم وهو لديه الوزارة فقط فكيف الآن اجتمع لديه الوزارة والمجلس منصبان مثقلان مهمان لن يستطيع أداء مهامهما مهما كانت عبقريته كمن يجمع وزارتين خاصة والقضاء مقبل على عمل تطويري يحتاج لوزير عدل مفرغ من أي مهام أخرى محمد بن سعود الحربي
  • لابد أن يفهم القارئ أن معنى خرق الاستقلال في تكليف وزير العدل برئاسة المجلس يتمثل في أنه رجل من السلطة التنفيذية التابعة لرئاسة مجلس الوزراء يتولى على القضاة في شؤونهم نقلا وتعيينا وندبا وإعارة وترقية بمعنى أنه يستطيع الضغط على القضاة وهو رجل تنفيذي هذا باختصار لماذا نقول هناك بوجوب أن يكون رئيس المجلس شخصا آخر غير وزير العدل أو أن يعين وزير آخر للعدل بحيث يتحقق الاستقلال أستاذ في القانون الدستوري بجامعة طيبة
  • لقد كان أبرز ملمح لنظام القضاء الجديد الذي توج مشروع الملك عبدالله الإصلاحي الكبير لتطوير مرفق القضاء هو (الاستقلال القضائي) والذي تمثل في أكثر من مادة من أهمها فصل المجلس الأعلى عن وزارة العدل في الاختصاصات وجعل وزير العدل مختص بالشؤون الإدارية والمالية ورئيس المجلس الأعلى بشؤون القضاة وهذا الفصل تطور تاريخي يحسب للملك عبدالله إلا أننا تفاجأنا بتكليف وزير العدل برئاسة المجلس وهذا مخالف للنظام والمؤمل أن يكون طارئ أستاذ القانون الدستوري بجامعة طيبة
  • كان وزير العدل قبل توليه منصب الوزارة وأثناء مشاركته في مشروع نظام القضاء يقول لم نجعل لوزير العدل أي اختصاص بشأن القضاة!! لأن هذا انتهاك لسيادة القضاء لماذا تبدل الكلام الآن؟ قاضي بوزارة العدل
  • أما ما يشكل على البعض بشأن الميزانية الخاصة للمجلس: الكاتب تناقض تناقضا صارخاً في آخر المقال فجعل عدم مراقبة ميزانية المجلس تعزيز لاستقلال القضاء وأن جعل مراقبتها بيد ديوان المراقبة انتهاك صارخ لاستقلال القضاء!!! مادخل مراقبة ميزانية تتعلق بشؤون موظفي المجلس باستقلال القضاء!! وأنت تقول أن المجلس هيئة إدارية مثل كلام الوزير ثم أيهما أولى بمعنى الاستقلال تكليف الوزير برئاسة المجلس أم استقلال ميزانية المجلس!! وللعلم رواتب القضاة من ميزانية وزارة العدل التي تخضع للرقابة فهل هذا انتهاك؟؟ عذراَ مقا خالد المريشد
  • الأمر الملكي بإسناد المجلس لوزير العدل أمر مؤقت وذلك لأنه تكليف وليس تعيين، وفرق كبير بينهما، والتكليف من شأنه أن يكون مؤقتاً، وهذا دليل واضح أن القيادة ولله الحمد تعلم أن دمج المجلس والوزارة برئاسة شخص واحد معيب، ويخالف مبدأ استقلال القضاء حيث سيتحكم رجل تنفيذي في شؤون القضاة الوظيفية وهذا مؤسف د. صالح بن زبن الروقي
  • أوافقك تماماً إلا في آخر سطر عندما قلت : " وذلك عامل انتهاك استقلالية القضاء " . نظراً لكون المجلس الأعلى للقضاء ليس جهة قضائية باتفاق كافة الدستوريين . هو سلطة إدارية للشؤون الوظيفية لأعضاء السلك القضائي كما في تكييف القراءات الدستورية عامة ، وكون شؤون القضاة الوظيفية لهذه السلطة الإدارية وليس للسلطة القضائية نفسها من أجل إعطاء حياد فلو كانت السلطة القضائية لديها مثلاً التفتيش القضائي لكان هناك تكتل مهني يدافع عن نفسه ، ولو كان لديها التعيين لكانت تعين نفسها في القضاء . الدكتور أسعد الحريري ـ محامي ـ
  • هذا صحيح ، والمجلس القضائي ليس سلطة قضائية مطلقاً ، فالسلطة القضائية في المحاكم ورقابتها والإشراف عليها لدى محكمة التمييز ـ أو المحكمة العليا ـ أو محكمة النقض ـ حسب صياغة كل دولة ،،،،. سالم الحارب
  • كلام رائع ومقنع ، وهذه مسائل قانونية عويصة تحتاج متخصصاً ، والمدهش حقاً أن السلطة التنفيذية في أمريكا هو التي ترشح القضاة الفدراليين ، وأن السلطة التشريعية ـ مجلس الشورى عندنا تقريباً ـ هي التي تعزل القضاة عند وجود خلل في مسلكهم . الأحمدي عمر
  • القضاء والقضاة امران مختلفان صورة القضاة مشوهه بسبب عدم انتظام اقضاة في دوامهم بحجة الاستقلال وتجاوزاتهم الغير مبرره فهم يعتقدون ان لا حدود لصلاحياتهم ويفعلون ما يريدون متابع
  • احسنت الا في السطرين الاخرين.. ثم ان الاهم استغلال الضعفاء من القضاة لهذا الاستقلال. لم تشر اليه فضيلة القاضي ابهاوي مع وقف التنفيذ

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.