الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

اليمن الذي لا يكترث له أحد..

اليمن يضعنا على محك اختبار، ولا تزال هناك فرصة لإنقاذ ذلك البلد من الانزلاق لهوة أزمة إنسانية فادحة تعيد تكرار أزمة الصومال التي شهدنا فداحتها لعقدين من الزمان

أغلب تقارير المنظمات الدولية حول اليمن مؤخرا مزعجة للغاية وتضع إنسانيتنا على محك الاختبار. اليمن، جارنا الجنوبي، يعاني أزمة إنسانية حقيقية ويحتضر، أزمة إنسانية وصفتها المنظمات الدولية بأنها أسوأ من أزمة الصومال. الأرقام التي تتضمنها التقارير الدولية حول الأزمة الإنسانية في اليمن تتحدث عن نفسها. اليوم، ما يقارب من مليون طفل يمني معرضون للموت بسبب الجوع، وعدد الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في اليمن أكبر بثلاث مرات من الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في الصومال، ونسبة الوفيات بين الأطفال أقل من ٥ سنوات هي واحدة من أعلى المعدلات في العالم في حين يأتي اليمن الثاني عالميا كأعلى معدل لسوء التغذية بين الأطفال أقل من ٥ سنوات.
جيرت كابيليري ممثل اليونيسيف في اليمن قال: "بلا مبالغة، إذا لم تتم معالجة مشكلة سوء التغذية لدى الأطفال فإن مستقبل اليمن كله في خطر"، سوء التغذية للأطفال لا يعني الجوع فقط وإنما أيضا تفشي الأمراض كما حدث في انتشار الحصبة في مارس الماضي أو شلل الأطفال وكذلك عدد من الأمراض الأخرى، ويزيد الخطورة قلة الدواء والتطعيمات. سوء التغذية تتسبب على المدى البعيد في معوقات عقلية وجسدية لأطفال اليمن، وما يعنيه هذا اقتصاديا هو نشوء أجيال غير قادرة على العمل أو مؤهلة عقليا وجسديا لتنمية الدولة، طبقا للبنك الدولي فسوء التغذية يكلف اليمن ٢ـ٣٪ من ناتجها المحلي.
برنامج الغذاء العالمي في تقرير له أشار إلى أن أكثر من١٠ ملايين يمني يواجهون انعدام الأمن الغذائي، ما يقارب من ٤٤٪ من عدد سكان اليمن، نصف هؤلاء يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد (يقارب المجاعة) وبعض المحافظات كالبيضاء في اليمن وصل مستوى الجوع فيها إلى ٦٠٪ تقريبا من عدد سكانها. هذه أرقام تمت طبقا لإحصائيات في ديسمبر ٢٠١١ ومن المتوقع الآن أن تكون كل هذه الأرقام قد ارتفعت نتيجة استمرار كل مقومات الأزمة.
عدد الجياع في اليمن ارتفع الضعف في عام واحد من ٢.٥ مليون إلى ٥ ملايين شخص. اليوم ١ من كل ٣ يمنيين يقترض فقط ليطعم عائلته في حين تصل نسبة البطالة لحوالي ٣٥٪. نحن هنا نتحدث عن أشخاص لا يجدون قوت يومهم أو بالكاد يجدون وجبة واحدة، جزء من مفهوم الجوع هو أن تبيت وأنت لا تعلم إذا كنت ستجد ما تأكله في اليوم التالي أم لا. في اليمن بدأت تظهر صور الأطفال الذين اضمحلت أجسادهم وبرزت عظامهم من الجوع.
اليمن يعد أفقر البلاد العربية حاليا حيث أكثر من ٤٠٪ من سكانه تحت خط الفقر، وأزمته لا تتوقف عند حدود انعدام الغذاء، فاليمن رغم سمعته كبلد زراعي يعاني من مشكلة حقيقية في شح المياه، وهي مشكلة ناقشتها عدة تقارير دولية منذ سنوات، واضعة اليمن كمثال للدولة التي تعاني من تهديد حقيقي بسبب المياه، في الوقت الذي ارتفعت فيه مؤخرا أسعار السلع الغذائية في اليمن بين ٤٠ـ٦٠٪، وارتفعت مياه الشرب بنسبة ٢٠٠٪. هذا الارتفاع يعود في جزء رئيسي منه للوضع السياسي المعطل هناك، حيث تسبب الصراع الدائر في اليمن إلى نقص إمدادات الطاقة، فارتفعت كلفة النقل إلى حوالي ٦٠٪، و إذا أخذنا في الاعتبار أن ثلثي سكان اليمن تقريبا يعيشون في ١٣٥ ألف قرية كثير منها نائية وجبلية يتضح حجم الصورة وتأثير أي ارتفاع لقيمة النقل على حياة الناس هناك، وكذلك تتضح حقيقة المعاناة على صعيد إيصال الغذاء أو المساعدات.
الأزمة الإنسانية في اليمن معقدة وتزداد سوءا نتيجة تطور الوضع هناك. حالة العنف نتيجة الصراع مع القاعدة أو نتيجة الصراع بين القوى السياسية تسببت في تعطيل عودة ما يقارب من ٢٨٠ ألف طفل لمقاعد الدراسة بحسب "اليونيسيف"، فمدارس الأطفال إما محتلة من قبل الجنود أو من قبل النازحين من مناطق الصراع الأخرى. خلال الأربعة أشهر الماضية نزح ما يقارب من ١٠٠ ألف شخص من مناطق الصراع وخاصة في محافظتي أبين والحجة نتيجة الصراع مع القاعدة أو الحوثيين، ويبلغ مجموع النازحين داخل اليمن أكثر من ٤٥٠ ألف شخص. ومع ازدياد الحملات العسكرية في اليمن والصراع بين القوى السياسية تزداد وتيرة الأزمة الإنسانية هناك في ظل التركيز الدولي الرئيسي على القضية الأمنية وإهمال الجانب الإنساني نسبيا.
اليمن يضعنا على محك اختبار، ولا تزال هناك فرصة لإنقاذ ذلك البلد من الانزلاق لهوة أزمة إنسانية فادحة تعيد تكرار أزمة الصومال التي شهدنا فداحتها لعقدين من الزمان. وبعيدا عن واقع الأزمة الإنسانية فحتى على الصعيد السياسي الأمني البحت يمثل اليمن بالنسبة لنا عمقا استراتيجيا، وأي انزلاق له في أزمة إنسانية سينعكس علينا في المملكة بصورة رئيسية وسيمثل مصدر خطر وتهديد. فمن أي الطرق يتم النظر للحالة اليمنية الراهنة لا يمكن المجادلة بأنها لا تمثل الضرورة القصوى لنا والملف الرئيس الذي يحتاج لمعالجة فورية وبعزيمة أكبر بكثير من الجهود المقدمة اليوم.
مساعدة اليمن لا تحتاج لأموال وتبرعات فقط، تحتاج لتواجد المنظمات والعاملين على الأرض أيضا، وخاصة في ظل الوضع الأمني المتردي الذي يعطل عمل منظمات الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة الدولية. اليمن بحاجة لأصوات أولئك الذين يدعون مع كل أزمة سياسية للتبرع بالأموال من أجل السلاح، عدا أنه بحاجة هذه المرة لدعوة التبرع بالمال لشراء الغذاء والدواء، وإذا كان بين شبابنا من يرغب في الجهاد ومن لم يتهيب الذهاب لأماكن خطرة كأفغانستان والعراق أو حتى سورية، فإن اليمن اليوم بحاجة للمجاهدين، ولكنه جهاد من نوع آخر، علاج طفل أو حفر بئر أو إيصال الغذاء والدواء لعائلة في قرية نائية تبيت ليلتها وهي لا تعلم إذا كانت ستجد كسرة خبز تأكلها في اليوم التالي أم لا.

سعود كابلي        2012-06-17 1:07 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 7 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • بارك الله فيك اخي الكريم على مشاعرك الأصيلة اشهد انك اصيل إبن اصيل هكذا النخوة , نسأل الله ان يهدي الجميع البريكي
  • شكرا لك اخي سعود في هناك مثل يقول لا تعطيني السمكه بل علمني كيف اصطاد او اعطني الصناره.لن يحتاج اليمن الى مساعدات الا حاجه بسيطه في بناء الدوله الحديثه فقط ابو عمر اليافعي
  • بارك الله فيك أخ سعود على هذه اللفتة الكريمة ولكن أعتقد اننا بحاجة الى صرخات وصرخات فالشعب اليمني شعب عفيف ومساعدتنا لاتتم بتزويد هذا الشعب بالأكل والدواء والشرب وغيرها حذاري سيتكل هذا الشعب ويظل ينتظر أامل أن تفتح دول الخليج ابوابها للعمالة اليمنية محمد عمر المعلمي
  • شكراً اخ سعود على لفت انظار العالم الاسلامي والعربي ونحتاج الي حملة اغاثة حكومية واكيد الاخوة اليمنيين المغتربين سوف يقومون بدورهم على ان تقوم لجنة خارجية بتوزيع المساعدات اعجبني الجهاد من نوع اخر فالجهاد ليس بالسلاح فقط عمر صالح
  • لاحول ولاقوه الا بالله ..شكرا أخ سعود ابو محمد
  • الله المستعان محب الصالحين
  • بارك الله فيك ايه الكاتب المتميز سعود كابلي على ماتفضلت به وطرحته حول ماتعانيه بلادي اليمن واتمنى من دول الخليج وعلى راسها المملكة العربية السعوديه ان تقف مع الشعب اليمني الذي يتضور جوعا واطفاله مهددين بالموت انها مسئولية دينية واخلاقيه فقد من الله سبحانه وتعالى على دول الخليج بالامن والاستقرار وسعة من العيش وهم يستحقوا وشعوبهم خير من يشكر النعم لذا فان الالتفات الى حال اخوانهم في اليمن من شانه ان يتم نعم الله عليه ويزيدهم امن ورخاء فالشعب اليمني باطفاله ونساءه يشكي ويبكي ولسان حاله يقول ---- ا المنصوري

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

حالة الطقس جوال الوطن Facebook Twitter الوطن ديجيتال