الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

أرواح تفترسها غرائزها

قبل أقل من عام أطلق وكيل وزارة الثقافة والإعلام الدكتور ناصر الحجيلان، تصريحا ناريا جاء فيه ـ حسب ما نسب إليه ـ ما معناه أن المثقفين مرضى نفسيا

قبل أقل من عام أطلق وكيل وزارة الثقافة والإعلام الدكتور ناصر الحجيلان، تصريحا ناريا جاء فيه ـ حسب ما نسب إليه ـ ما معناه أن المثقفين مرضى نفسيا، ما ولد غضبة مضرية لدى عدد ليس من المثقفين، عبروا عن رد فعل عنيف تجاه الرأي المنسوب للحجيلان، الذي أرى – بالمناسبة ـ أنه لا يجيد كثيرا، أو على وجه الدقة لا يبالي كثيرا بالتعاطي الصحفي مع وكالته، ولست أدري ما إذا كان هذا الموقف إيجابيا أم لا.
بعيدا عن مدى صوابية رؤية الحجيلان، وعن الاختلاف حول كون المثقف ما هو إلا فرد عادي يجري عليه ما يجري على أفراد المجتمع كافة، مما يجعل إصابته بأي مرض سواء نفسي أو سواه أمرا طبيعيا جدا، لا يستحق جدالا لا يفضي لمعرفة، استوقفني الدكتور محمد مندور في مقدمة ترجمته كتاب (دفاع عن الأدب) لجورج ديهامل، أحد كبار كتاب فرنسا في القرن التاسع عشر، جمع بين الطب والأدب، وعمل طبيبا خلال الحربين الكونيتين، وهو يقرر أن ديهامل تطورت عبقريته بعد الحرب سنة 1923 تطورا كان فيه مجده الحقيقي، فقد انصرف عن الملاحظة الإنسانية العامة إلى دراسة الحالات الخاصة، فاستطاع أن يخلق في رواياته نماذج بشرية خالدة، وهو يحلل تلك الشخصيات ببصيرة حادة، ويختارها إما من المهملين، حيث يعرض سلسلة من ثماني حالات لشخصيات تتحطم تحت ضغط الهيئة الاجتماعية، أو من بين أولئك الذين تفترسهم غرائزهم الفطرية فيعجزون عن أن يسيطروا على اضطراب نفوسهم، وقد تملكتهم نزعات ثقافية متناقضة، تسوقهم حركات نفسية دفينة، فيسيرون دون أن يفهموا شيئا، وهو يصورهم في عطف ورحمة مؤثرين، ويرى في تخبطهم بؤسا يحنو عليه. مندور ينبهني كقارئ إلى أن "موضع الإعجاز في منحاه النفسي هو أنه لا يظهر هذا العطف في شعور دافق واضح مبتذل، بل بسخرية حفيفة، سخرية المشفق عن إحساس قلبي". ثم يتطرق لما اعتبره أخلد نموذج لذلك وهو (سلفان) الذي أصبح اسمه على كل الألسن حتى لكأنه لفظ من ألفاظ اللغة الفرنسية، وهنا نتذكر نماذج خالدة في الرواية العربية كأنموذج (سي السيد) الذي قدمه نجيب محفوظ من الواقع رمزا للتسلط الذكوري الشرقي، أما سلفان فهو موظف كتابي صغير تتبع ديهامل خطواته في خمس روايات تبدأ بـ(اعترافات سلفان) وتنتهي إلى "يومياته"، فنرى السخرية من إيمان السذج والدفاع عن ذلك الإيمان، نرى مزيجا عجيبا من حماقات البشر وإشراقهم، عبر أحداث حياة يومية تافهة، لكنها تلون الروح المسكينة بما يشبه الفيض.
يا ترى كم التقى الحجيلان من أرواح كانت خارج الألوان والتلوين؟

محمود تراوري        2012-07-30 1:35 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 3 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • كان رأيي في ذلك التصريح أنه صحيح لما يرى المثقفون من هذا الغثاء وهذه الأزمات التي تحيط بهم وهم أقدر الناس على الرؤية الفاحصة ..لذا على المسؤولين المنصفين معالجة السبب ليعود المثقف صحيحا مصححا.. فاطمة عبدالله فاطمة عبدالله
  • الله يسامحك يا محمود...اللي جاب لجاب وين سعادة الوكيل ووين مندور! الفايز
  • وقال أيضا في وصية لرؤساء الأندية الأدبية ( لا تعطوا رؤوسكم للصحفيين) ...الله يستر عبدالله

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال