الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

الاحتلال الإسرائيلي على المدرسة الفلسطينية

أهم ما يقوم به المحتل عادة هو تغيير النظم والمحتوى المنهجي في المدرسة حتى يضمن سيادته على المدى الطويل، فالتعليم يخدم أغراضا تشمل أجندات سياسية تغرس في عقول الأطفال

لم يكتف الاستعمار عبر التاريخ بالاستيلاء على الأراضي وما عليها من خيرات، لكنه يقوم أيضا بسن نظم وقوانين تشكل هوية الأجيال القادمة؛ حتى تنشأ معتقدة أن الاحتلال هو الوضع الطبيعي لحياتها اليومية.
من أهم ما يقوم به المحتل عادة تغيير النظم والمحتوى المنهجي في المدرسة حتى يضمن سيادته على المدى الطويل. فقد يعتقد الكثيرون أن التعليم عبارة عن وسيلة أكاديمية لتعليم الطلاب المهارات المختلفة مثل الرياضيات والقراءة والكتابة، لكن الأغراض التي يخدمها الصف المدرسي تتجاوز الحروف الهجائية لتشمل أجندات سياسية تغرس في عقول الأطفال. تلعب هذه الأجندات السياسية المدرسية دورا هاما في تشكيل هوية الطلاب ومعتقداتهم حيال الكثير من القضايا، مثل ما يصح ولا يصح فعله حيال "القوي" و"الضعيف" في المجتمع الدولي والمحلي. للأسف، هذا بالضبط ما تفعله إسرائيل في تعليمها للطلاب الإسرائيليين من يهود وعرب، حيث يكرس المنهج الرسمي والخفي وكافة طرق التدريس المستخدمة لتهميش الهوية العربية والفلسطينية وتمجيد اليهودية والعبرية.
في كتابها الشهير: "سياسة اللغة: الأجندة الخفية والتوجهات الجديدة"، تتحدث الكاتبة الإسرائيلية إلانا شوهامي عن دور الحرب بين اللغة العربية والعبرية في نظام التعليم الإسرائيلي لدعم السياسات العنصرية ضد المقيمين الفلسطينيين. من أهم ما تتحدث عنه شوهامي أن وسائل الاحتلال التعليمي تشتمل على تسخير اللغة المعتمدة في التدريس اليومي لغرس قناعات سياسية لدى الطلاب تمس هويتهم ونظرتهم لمن هم أقوى وأضعف. ما يقوم به الإسرائيليون هو اعتماد نظام تعليمي يضمن سيادتهم حاليا ومستقبلا عن طريق فرض اللغة العبرية كلغة رسمية وتجاهل العربية بالرغم من أنها تعد من اللغات الرسمية في إسرائيل.
يوجد نوعان من المدارس في إسرائيل، الأولى هي المدارس اليهودية التي تستخدم اللغة العبرية وتعلم اللغة الإنجليزية كلغة ثانية، وتقوم أيضا بتدريس العربية كلغة اختيارية في المرحلة الثانوية. النوع الثاني من المدارس هي العربية، والتي تستخدم اللغة العربية كلغة أساسية وتعلم العبرية كلغة ثانية والإنجليزية كلغة ثالثة. وبالطبع فإن أغلب من يرتاد المدارس الأولى هم اليهود، ومن يرتاد المدارس الثانية هم العرب والمسلمون. وكل هؤلاء الطلاب، بغض النظر عن ديانتهم وخلفيتهم، لا يوجد لديهم خيار لإكمال تعليمهم العالي إلا في الجامعات الإسرائيلية التي تتحدث العبرية فقط. بالتالي، يفشل عدد من الفلسطينيين في إحراز نتائج تنافس اليهود أو إكمال تعليمهم لضعف لغتهم العبرية وضعف إعدادهم أكاديميا في المدرسة. حتى المعلمون العرب خريجو الجامعات الإسرائيلية يفتقدون المؤهلات اللازمة للتدريس باللغة العربية في المدارس العربية، ولهذا ينتهي بهم المطاف بإلقاء الدروس بالعبرية أو الخلط بين اللغتين بشكل ركيك. كما تم رفض عدد من المحاولات لإنشاء جامعة عربية في إسرائيل لتستقبل الطلاب الفلسطينيين، وذلك لأسباب سياسية واضحة.
لم يكتف الإسرائيليون بذلك لتهميش الثقافة العربية عن طريق فرض لغتهم، بل قاموا أيضا بتهميش المحتوى المنهجي المختص بالدراسات الإسلامية والعربية. فحتى ينجح الطالب العربي في اختبارات التعليم العالي، يجب عليه دراسة التوراة والأدب العبري، أما الطالب اليهودي فلا يدرس بالمقابل إلا القليل جدا من المعلومات العامة عن المسلمين. يريد اليهود بذلك إرسال رسالة واضحة وصريحة للطلاب العرب أن اليهودي أفضل من العربي، وأن الثقافة العبرية أهم من العربية، وحتى يترسخ ذلك في هويتهم ومعتقداتهم الشخصية. تدل كل هذه الإجراءات العنصرية على أن التصريحات الرسمية التي تستخدمها إسرائيل فيما يخص اللغات الرسمية والتعليم تستخدم كواجهة لتغطية ما يتم فعليا من ممارسات تضمن فشل العرب وإحباط أي تحركات مقاومة من الأوساط الشبابية من عرب إسرائيل.
لا ينحصر نطاق استخدام سلاح اللغة في المدرسة فقط، بل يخرج ليشمل الشوارع والمحلات. فاستبدلت أسماء الشوارع العربية بأسماء عبرية حتى في المناطق التي تسكنها الأقليات العربية، حتى المحلات التجارية تعتمد بشكل كبير على العبرية أو كتابة اسم المحل بالعبرية بشكل كبير والاكتفاء بترجمة عربية صغيرة. كل ذلك لإثبات هيمنة وسيطرة إسرائيل على الأراضي المحتلة.
تتجه غالبية العرب في حديثها عن فلسطين إلى أهمية علاج القضايا التي تمس الحياة أو الموت. فالحديث دائما يكون إما عن استرداد الأرض أو الشهداء واللاجئين أو جرائم إسرائيل ضد الإنسانية، لكن تلك الجرائم التي تعمل بصمت لضمان السيادة اليهودية على المدى الطويل والتي تمس اعتزاز العرب بعروبتهم وهز ثقتهم بأنفسهم قد لا تنال نفس المستوى من اهتمام وسائل الإعلام، بالرغم من أن هذا النوع من القتل يغتال الهوية ويضعف اعتزاز الفلسطينيين المقيمين في الأراضي المحتلة بعروبتهم وإسلامهم.
قد يستغرب البعض وجود سيناريو مشابه لذلك الذي يمثل النزاع اللغوي بين العربية والعبرية في إسرائيل. فهذه الحرب اللغوية مألوفة بالنسبة للمهتمين بقضايا التعليم فيما يخص النزاع المستمر بين الحفاظ على أصالة اللغة العربية والضغط العالمي للتبكير في تعليم اللغة الإنجليزية. فقد ارتبطت جودة التعليم لدينا في السعودية بشكل لافت مؤخرا باستبدال اللغة العربية بالإنجليزية في المدارس الخاصة والعالمية لتعتمد كلغة رسمية لشرح الدروس، بينما تدرس اللغة العربية كلغة ثانية مرتين أو ثلاث مرات في الأسبوع. حتى اللافتات وأسماء المحلات الأجنبية التي يختارها التجار المحليون تحكي الكثير عن هوية وانتماء الشعب ومعتقدات كافة طبقاته الاجتماعية بمن هم أهم وأفضل محليا ودوليا.
تلعب اللغة المستخدمة داخل الفصل الدراسي دورا هاما يتخطى شرح المحتوى المنهجي، فاستخدام اللغة والتعليم لخدمة أغراض سياسية والعبث بانتماء أجيال المستقبل بأراضيهم وسيلة قديمة في تاريخ الاستعمار والاحتلال، ولهذا يجب أن نتنبه إلى أن إنقاذ الأراضي الفلسطينية قد يبدأ من المدرسة لتشكيل هوية الأجيال القادمة، وألا نقوم، بكامل إرادتنا، باستخدام سلاح اللغة بما يهدم ولا يخدم مصالحنا في بلادنا.

سارة زيني        2012-07-30 1:39 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 1 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • من بداية المقال وانا انتظر الاشارة الي الحرب المستمرة علي اللغة العربية التي باتت ظاهرة في التعليم في السعودية. قد لا يفطن الكثير ان الحديث بالعربية لا يعني البتة بالضرورة فهم اغوار هذه اللغة العظيمة. اللغة هي الهوية، هي التاريخ والحضارة بل هي معجزة خاتم الأنبياء عليه الصلاة والسلام. علينا ان نفقه لما يحدث. فإذا كانت اسرائيل تريد تمجيد العبرية فماذا يحدث في مدارسنا اليوم وماذا نريد نحن. " مسلسل عمر: فتاة تخرجت من الثانوية قالت لوالدها : اردت متابعة مسلسل عمر ولكني وجدت صعوبة في فهم مايقال فتوق مني الحداد

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال