الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

مجلس التعاون الخليجي يتجه شرقا

خلال 20 عاما تراجعت حصة أميركا من تجارة دول الخليج من 15% إلى 8%، والاتحاد الأوروبي من 24% إلى 13%، في حين ارتفعت حصة الصين من 2% إلى 10%، والهند من 3% إلى 11%، ولكن استمرار النمو في تجارة دول الخليج مع آسيا، مرهون بتخلي الدول الآسيوية عن السياسات الحمائية

في حين تظل الولايات المتحدة الأميركية الشريك الاستراتيجي الرئيسي لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، فإن المجلس يتجه شرقاً في المجال الاقتصادي، بشكل حثيث، فأصبحت معظم تجارة المجلس اليوم مع آسيا لا الغرب، واستطاعت الهند والصين، على وجه الخصوص، أن يكسبا على حساب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
ففي عام 1992 - أي منذ عشرين عاماً- شكّلت تجارة دول المجلس مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي – الشريكين التجاريين التقليديين لدول المجلس نحو 40% من الحجم الإجمالي لتجارة دول المجلس، أما اليوم فلا تشكل سوى 20% منها. ولا يتعدى حجم التجارة مع الدول الغربية عامة نسبة 25% من إجمالي حجم التجارة الإجمالي لدول المجلس.
وخلال الفترة نفسها، ارتفع حجم التجارة مع الصين من أقل من 2% في عام 1992، إلى أكثر من 10% في عام 2011، ومع الهند من 3% في عام 1992 إلى 11% في عام 2011. ويبلغ حجم التجارة مع الدول الآسيوية بشكل عام نحو 60% من إجمالي حجم تجارة دول المجلس.
وحتى وقت قريب، كانت الولايات المتحدة الشريك التجاري الثاني لدول المجلس بعد الاتحاد الأوروبي، ولكنها اليوم الشريك السادس بعد الاتحاد الأوروبي واليابان والهند والصين وكوريا الجنوبية.
ومقارنة الصين والولايات المتحدة توضح الصورة بشكل جلي، ففي عام 1992، كانت حصة الولايات المتحدة 15% من إجمالي تجارة دول المجلس مع العالم الخارجي، في حين كانت حصة الصين أقل من 2%. وفي عام 2002، انخفضت حصة الولايات المتحدة إلى 11%، وتضاعفت حصة الصين إلى 4%. واستمر ذلك إلى الوقت الحاضر، حيث انخفضت حصة الولايات المتحدة مرة أخرى إلى 8% في عام 2011، في حين تضاعفت حصة الصين مرة أخرى إلى 10%.
وفي حين ظل الاتحاد الأووربي الشريك التجاري الأول لدول المجلس، فإن حصته انخفضت من 24% من إجمالي تجارة دول المجلس في عام 1992 إلى 13% في عام 2011. وإذا استمرت معدلات التغير الحالية، فإن من المتوقع أن تتجاوز حصة الصين حصة الاتحاد الأوروبي من تلك التجارة قبل عام 2020.
وبلا شك فإن القُرب الجغرافي هو أحد عوامل تزايد التجارة مع القارة الآسيوية على حساب الشركاء الغربيين التقليديين، فهذا القرب يخفض تكاليف الشحن ويجعل السلع الآسيوية وسلع دول المجلس أقل تكلفة، ولكن هذا ليس كل شيء، ولا يفسّر التغيرات السريعة في هيكل تجارة دول المجلس مع تلك الدول.
ومن الصعب تحديد جميع العوامل التي تؤثر في هذه التغيرات التاريخية في توجهات تجارة دول الخليج، إلا أنه يمكن القول إن ثمة تكاملاً متنامياً بين الاقتصادين الخليجي والآسيوي أكثر مما هو موجود مع الاقتصادات الغربية، وأن التنافس أصبح سمة أكبر للعلاقات الاقتصادية مع الغرب، وارتفعت نبرة الحماية في أوروبا وأميركا للحد من استيراد السلع الخليجية، إذ تحاول السلطات المختصة في أوروبا وأميركا باستمرار فرض رسوم إضافية على السلع الخليجية بدعوى مكافحة الإغراق، وذلك استجابة لضغوطات تتلقاها من المنتجين الأوروبيين والأميركيين لحمايتهم من منافسة السلع الخليجية، وقرر الاتحاد الأوروبي مؤخراً إلغاء المعاملة التفضيلية التي تستفيد منها الصادرات الخليجية بحكم كونها منتجات من دول نامية.
ولكن شبح الحماية الجمركية يمكن أن يهدد نمو التجارة مع الصين والهند أيضاً، فهما معروفتان بسياساتهما التقليدية التي تعتمد على الحماية الجمركية. وقد جعلت تلك السياسات من الصعب في السابق إبرام اتفاقيات للتجارة الحرة معهما، ولكن في حال نجحتا في تجاوز تلك السياسات الحمائية، فإن فرص نمو التبادل التجاري ستتعزز.
وكمؤشر إيجابي، تبنت الحكومة الهندية في سبتمبر 2012 عدة تعديلات لتشجيع الاستثمار الأجنبي، ولكن الحوار الذي دار وقتها في البرلمان الهندي كان مؤشراً لمدى قوة المقاومة للمنافسة الأجنبية، بعد عقود من السياسات الاقتصادية الحمائية التي أدمنتها الصناعات الهندية، وفي نهاية المطاف حصلت التعديلات التي طلبتها الحكومة على موافقة البرلمان، ولكن بأغلبية ضئيلة (253 صوتاً مقابل 218)، وتزعم الحزب الوطني المتشدد (بهاراتيا جاناتا) جبهة الرفض، وباعتبار الطبيعة المتقلبة للسياسة، فليس من المستبعد أن تتمكن القوى المتشددة من النجاح مستقبلاً في وضع العقبات أمام الصادرات الخليجية إلى الهند، كما حدث في الماضي، وبالتالي الحد من نمو التبادل التجاري.
وفي الصين أيضاَ، ما زالت ثمة نزعات حمائية، على الرغم من أنها – كأحد أكبر الدول المصدرة في العالم – كثيراً ما تنتقد السياسات الحمائية للدول الأخرى. ففي الشهر الماضي، حذر وزير التجارة الصيني – أمام مؤتمر الحزب الشيوعي الصيني المنعقد في بكين في 10 نوفمبر - من تحديات تواجه نمو الصادرات الصينية، مثل انحسار الطلب العالمي، وارتفاع تكاليف الإنتاج في الصين، وتنامي النزعات الحمائية في الدول الأخرى.
ففي حين تشتكي الصين من الحماية في الدول الأخرى، فإن بعض سياساتها الاقتصادية ما زالت تحد من المنافسة الأجنبية في أسواقها، ومن ذلك على سبيل المثال الرسوم المرتفعة التي تفرضها على وارداتها من البتروكيماويات الخليجية وما زالت تمانع بشدة في تخفيضها.
وإذا كان لتجارة دول الخليج مع آسيا أن تستمر في نموها غير المسبوق، وأن تتعمق الشراكة الاقتصادية بين الخليج وآسيا، فإن هذه السياسات الحمائية التي تجاوزها الزمن يجب أن تتغير.

عبدالعزيز العويشق        2012-12-11 1:17 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 5 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • طرح موفق للموضوع بارك الله فيك فيصل العنزي
  • وإذا كان لتجارة دول الخليج مع آسيا أن تستمر في نموها غير المسبوق، وأن تتعمق الشراكة الاقتصادية بين الخليج وآسيا، فإن هذه السياسات الحمائية التي تجاوزها الزمن يجب أن تتغير. .....مقال رائع سعد عسيري
  • وإذا كان لتجارة دول الخليج مع آسيا أن تستمر في نموها غير المسبوق، وأن تتعمق الشراكة الاقتصادية بين الخليج وآسيا، فإن هذه السياسات الحمائية التي تجاوزها الزمن يجب أن تتغير. .....مقال رائع سعد عسيري
  • ان تتنوع مصالحنا الاقتصاديه فمرحا هلا ,ولكن ان ننظر لتبعية امتنا للامم الاخرى فلا والف لا ... مشبب بن راسم
  • كاتبنا الفاضل مع كل الحقائق التي ذكرتها عن أتجاه م.التعاون الخليجي شرقا للصين لم تستطع هذه الدول تغيير موقف الحكومة الصينية تجاه الوضع في سوريا وبورما. والصين من داعمي هذين النظامين. فما فائدة التوجه شرقا أذن؟؟؟ مشببب الغامدي

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال