الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

هوس العنف في ثقافة الإسلام الراديكالي

لم أر في حياتي جماعات مهووسة بربط كل صغيرة وكبيرة بالدين، مثلما تفعل جماعات الإسلام الراديكالي، والإسلام السياسي، التي تسعى جاهدة إلى أسلمة كل شيء وطمس هوية كل شيء في تاريخ الإنسانية، وطمس تراثه العالمي، وهو ما تذهب إليه المعتقدات الأصيلة داخل هذه التيارات المتلبسة بالإسلام.
وترى تلك الجماعات المؤدلجة أن ذلك هو المشروع المضاد الناجح لإيقاف عجلة تأثير مد التغيير العالمي للفكر والاقتصاد والسياسة على المجتمعات العربية، وهو تفكير قد يكون سليما فيما لو كانوا يمتلكون منتجا صناعيا واقتصاديا وسياسيا وفكريا موازيا، يستطيعون معه النزول إلى الميدان المشترك ذاته.
لكن ما تملكه في الواقع لا يعبر عن منجزات ملموسة لها القدرة على مواجهة مد الثقافة الغربية من جهة وثقافة الشرق الأدنى من جهة أخرى، فما نملكه ليس سوى منجزات الناقلين لا المبدعين، المترجمين لا أصحاب المنجز.
والثقافات الأخيرة (اليابانية – الصينية – الكورية – الهندية - المنغولية) لا تحظى بحجم الكراهية والخوف معا على الجانب الديني، بنفس ما تحظى به تلك التي تقع إلى الغرب من المتوسط، لأنها لم ترتبط بحروب تاريخية وحكايات في الضمير العربي والإسلامي، كما أننا كمسلمين، توقفنا عند حدود مقنعة ربما، أو قد تمت إذابتنا داخلها واستوعبتنا على نحو ما.
لقد ركزت غالبية الجماعات الإسلامية الراديكالية في الواقع، على التحذير الإنشائي المستمر من خلال رفع عقيرتها بالصوت العالي، والمواجهة المعتمدة على إكراه المجتمعات بتطبيق رؤيتها وأفكارها المحصورة في اتجاه أحادي، ولا يفكرون في كيفية استطاعة مجاراة الآخر بطريقة تعبر عن فهم للمعركة وميدانها الجديد، إذ يغلب على تلك الأطروحات جانب التشنج وبث الرعب والكراهية والعداء والعنصرية، والتخويف -داعش مثالا-.
وهذا في الحقيقة تعبير عن مدى العجز والضعف الذي تشعر به في قرارة نفسها، فقد اختصرت تلك الجماعات الدين ومفاهيمه في الخطب والإنشائيات والمنابر ورفع العقائر، وأولت النصوص كما تراه مناسبا لمكاسبها السياسية والفكرية وتوجهاتها، وكان مفهوم الجهاد أكثر المفاهيم التي تم الاستيلاء عليها بقوة، وهو المصطلح الذي أولوه وحصروه في القتال والعنف وميادينهما، وهي إسقاطات ومتناقضات كلفت مجتمعاتنا العربية والإسلامية غاليا ولا تزال.
وهذه التحذيرات والدعوات المستمرة التي تطلقها الجماعات الإسلامية الراديكالية وبعض المتعاطفين مع الإسلام الراديكالي على الدوام في هذا الاتجاه، أضفت ارتباكا على مفهوم المواجهة وطرقها في الذهنية العربية والإسلامية، فلجأت طبيعياً إلى تربية البيئة العربية الجافة وثقافاتها التي لا ترى أسلوبا ناجعا للمواجهة في غير المواجهة العنيفة التي تعتمد على زرع أفكار الحرب والقتال كإستراتيجية ردع.
وقد اعتمد الإسلاميون الراديكاليون على مدى قرون، على مبدأ كبح جماح المتغير والجديد بالتحريم والتحذير والتخويف عبر الخطب الإنشائية، التي تعد من صميم وصلب الثقافة العربية المنبرية، ولم تتغير سياسته على مدى تلك القرون حتى وصل إلينا.
والتفكير في مواجهة المتغيرات الصناعية والفكرية والاقتصادية يفترض في الواقع أن يكون موازيا لا أن يكون مجرد ردة فعل مشوَّهة ومشوِّهة في الوقت نفسه للوعي العربي، فالأمر برمته يعتبر منظومة من المتلازمات، ينبغي التفكير في كيفية تراتبية حدوثها وتطورها.
والمتابع لمسيرة التاريخ سيرى قفز المنجز الإنساني والبشري في الـ200 عام الأخيرة من تاريخ البشرية، التي تعتبر بحق، قفزات خرافية بالفعل على مستوى العلوم والتكنولوجيا والفكر والاقتصاد والمعرفة والخبرات والاكتشافات والمخترعات، وبات من الصعب التعامل مع هذه المتغيرات والقفزات بأسلوب التعامل مع الخرافة وأطروحاتها، والمنقولات التي لا تعتمد البراهين المنطقية، لأننا هنا أمام متغير من نوع آخر يعتمد على البرهان المادي التجريبي، ولن تنجح محاولات التحذير الخطابية الإنشائية التي يعتمدها الإسلام الراديكالي ومجموعاته.
لذا فمن المهم أن يعي العرب والمسلمون أن كل محاولات استحضار الماضي لمواجهة متغيرات الحاضر والمستقبل، ما هي إلا محض دوران في المكان، وتعطيل للقدرات الفكرية ومقوماتها المتينة في الثقافة العربية والإسلامية، وأن المنجزات الحقيقية تكمن في إعادة التعرف على قيمة وكمية ما نملكه، وليس التخطيط لإسقاط وتحريب ما يملكه الآخر.
وأن علينا الخروج من قبضة الماضي، وهوس إسقاطه على كل صغيرة كبيرة تتعلق أو لا تتعلق بالحياة أو أي شكل من أشكالها.

صالح الديواني        2016-07-28 12:44 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 8 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • اللهم اعطنا خير المعلقين تحت أسماء وهمية ويتظاهرون بنصرة الإسلام - وهم أول من يدلس على الناس وكل واحد يتظلل بعباءة الدين - وقد يكونون ممّن يحسبون أنهم يحسنون صنعا, أو قد يكونون (والعلم عند الله) إما بقايا ما كان يسمى بالصحويين , أو من ذوي المنهج الخفي, أو إخوانيين, أو مجيشين .. يا رب تكفينا شرهم . غرم الله قليل
  • أبو المثنى..لئلّم تثبت اتهامك فقد أسأت لأخيك..لا تحكم على نوايا الناس فتكون كمن يدعي الغيب أو العصمة-لاتزكي نفسك -هداك الله..ثم لماذا لا تكتب باسمك الصريح؟ لأن أبا المثنى قد يكون نوعا من التدليس .هل تخاف أن يعرف الناس وولي الأمر اسمك الصريح كالمسميّ نفسيهما:نبض المجتمع والحق الأبلج ,وتخشى أن يقال عنك فلان المبرمج على درجة التشدد ليس إلا؟تذكر(مالكم كيف تحكمون)وتذكر(وعند الله تجتمع الخصوم) وتذكر(الظلم ظلمات)-المسلم الحق لا يحكم على نوايا الناس- التكفيريون وأصحاب المنهج الخفي يفعلون.. غرم الله قليل الغامدي
  • متابع القاضي..الحربي نبض المجتمع شيخ فالزم حدودك,ولا تنس أنه يخشى على سمعته من الناس أولا بدليل دخوله باسمٍ مستعار,مثلما يدخل الشيخ المسمي نفسه باسم الله (الذي جعل من نفسه للحق-سبحانه وتعالى-سميا-الحق الأبلج ..بل ميّز نفسه عن الخالق-جل في علاه-بعدة درجات فسمى نفسه ليس بالحق فقط,وإنما بالأبلج الناصع الوضوح أيضا,وليس بالحق فقط الذي لم يكن أبلجاً-من وجهة نظره..استغفرالله-استغفر الله-استغفر الله..لا تأخذوا من المتخفين بأسماء مستعارة لأنهم يخافون على سمعتهم وانكشاف تشددهم غرم الله قليل
  • متابع القاضي .. سلام .. لا تلوم الشيخ نبض المجتمع , لم التشدد .. غرم الله قليل
  • لا تنس أن التشدد يعتبر الحاضنة الأولى للتجييش .. فعندما يتعلم النشء التشدد فقط, وحيث لا وجود للوسطية والتسامح والرفق والأخذ بالمبدأ الذي نُسب للشافعي (كلامي صواب يمكن أن يكون خاطئا - وكلامك خطأ يمكن أن يكون صوابا) فتأكد أن المتلقي لن يرضى بغير التشدد بديلا وسينقض كالأسد المتوحش على الغزال المسالم في صحراء لا بها رفق ولا حنان وستكون شريعة الغاب هي السائد ولنتذكر قول أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم:(ما خُيرت بين أمرين إلاواخترت أيسرهما) + (الراحمون يرحمهم الرحمن) + (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) الاية غرم الله قليل الغامدي
  • الكاتب ليبرالي تنضح كتاباته بالحقد على الثوابت ويحاول من خلال مقالاته التحذلق وإثبات عبقريته السقيمة وهي كما يقال: (شنشنة نعرفها من أخزم) شلت يمين كل كاتب يطعن في ثوابت أمته من أجل ريالات يأكلها سحتا. أبو المثنى
  • يبدو لي الوسط الشعبي لا يشاهد ما يحدث في العالم. الحربي نبض المجتمع يلخص ويتهرب من مواجهة التاريخ العربي والإسلامي كعادة كل عربي متابع القاضي
  • أولا/ مقالتك فيها جحد تأثير المسلمين من العرب وغيرهم على الحضارة والثقافة العالمية ، ومشاركتهم في تطويرها بحسب التاريخ وهذا الجحد مالايفعله إلا أشد المستشرقين كرها للاسلام والعرب والمسلمين . ثانيا/ من يقرأ لك يظن بأن علماءنا أو عامة طلبة العلم يسكنون بيوتا طينية ويركبون الخيل والحمير في تنقلاتهم ويحملون السيوف بل ويحرمون على الناس ماسواها . أخيرا أتمنى أن تكون منصفا حتى مع من تعاديه أو تختلف معه ولايجرمنك اجرام داعش أو حالش الشيعية عن قول الحقيقة أو التعميم لأنهما غباء أوظلم من فاعله.. الحربي نبض المجتمع

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال