الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

عندما يحكي الثبيتي ولعنة التفرد

يقول الصينيون عن الشخص الذي يتوفى في خضم أحداث عظيمة فلا يلفت موته أحدا بأنه "مات يوم القيامة"، ويفسرون بهذا مرور ميتته الصامتة مرور الكرام.
ولكن ذلك لم يحدث على هذا النحو لمحمد الثبيتي، الشاعر الذي ولد وعاش وهو مقيم تحت سقف العاصفة.
"عندما يحكي الثبيتي" كتاب صادر عن النادي الأدبي بجدة، للناقدة منى المالكي، وهو دراسة نقدية للسردية الشعرية السعودية في الثمانينات، ومن خلال منطلقين رئيسين: الأول عن الشاعر، والثاني عن الشعر، تأخذ الناقدة منى المالكي -وبتفرد بحثي- المتلقي والمهتم لتدخله إلى عوالم الشاعر الثبيتي، وكأنما لسان حال الداخلين إلى عالمه قوله:
"مُشرع كالسيفِ
وجهٌ بدوي
من رياح الليل مولود"
وفي الوقت الذي فعليا لم ينصف الشاعر الثبيتي باعتباره رمزا لمرحلة مهمة من مراحل الحداثة الشعرية، فإن الدراسة النقدية "عندما يحكي الثبيتي" من المؤكد أنها من أهم الدراسات النقدية التي تناولت الشاعر ومرحلة السردية الشعرية في مرحلة الثمانينات، ومما لا شك فيه أن الشاعر الثبيتي كان وسيظل يمثل ظاهرة حداثية متميزة في خارطة الشعر، ولحظة فارقة في تاريخ الشعر السعودي الحديث والمعاصر.
تناولت الدراسة بكثير من العمق الجانب الفني والجمالي والحركي الذي حظي به الشاعر على مستوى الشعر والحياة معا، فعلى مستوى الدراسات البحثية التي تنصف الثبيتي لم يكن هناك إلا القليل منها مقالات وبعض الأوراق النقدية التي ألقيت في ملتقيات أدبية ليس أكثر من هذا.
وعلى الجانب الآخر، قدرت الدراسة هنا حجم الضرر الذي طال الشاعر كشخص، تمثلت في حروب شرسة تعرض لها من القوى التقليدية.
وتحت فصل "مخاضات الحيرة والارتباك" تقدم الدراسة صورة دقيقة عن مرحلة التشرنق الشعري من مدخل الظروف السياسية والاجتماعية والثقافية التي أحاطت بمسيرة حياة الشاعر، والتحولات الكبيرة التي واكبتها مسيرته، والتحديات التي كان على الشاعر مواجهتها.
طالت لعنة التفرد "سيد البيد" ولم يأبه بما يخوض فيه التقليديون من حرب شرسة على الحداثة آنذاك. فأصدر ديوانه الأول "عاشقة الزمن الوردي" عام 1982 وديوان "تهجيت حلما.. تهجيت وهما" عام 1984 وديوان "التضاريس" عام 1986. والذي احتفى به النقاد بشكل يليق به، ونُصب الثبيتي سيدا للشعر الحديث في المملكة.
"عندما يحكي الثبيتي" لمنى المالكي، ليس مجرد دراسة بحثية، بل هو خوض كبير في منطقة عميقة من شاعرية الثبيتي والسياقات الأدبية والمرحلية التي دارت في تلك المرحلة الهامة، ومن منتصف الدراسة ألقت بتلك التلويحة في أحد الفصول تحت عنوان "من ذا يعيد قراءة جرحه"، وهذا ما يجب أن يلتفت إليه دارسو الشعر في المملكة، وأن يعيدوا قراءة الثبيتي وشعره.
رحل الثبيتي وترك لنا متكأ لنطل منه على فضاءات من الشعر والإبداع المتفرد. هكذا هو الشاعر الذي جاء في قلب القيامة، ورحل ليترك لنا الحرف والاحتمالات
"جئت عرافاً لهذا الرمل
استقصي احتمالات السواد
جئت أبتاع أساطير
ووقتاً ورماد". 

سالمة الموشي        2016-09-03 12:21 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات           |   0 عدد التعليقات :

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال