الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

بين ضوضاء الأضواء ومشاكل الأبناء

مع بداية عملي مسؤولا في إحدى المدارس الخاصة بجدة، أردت التعرف على جميع منسوبي المدرسة بدءا بالمالك إلى عامل النظافة وحارس المدرسة. فجدولت لقاءات ودية مع قرابة 200 موظف في المدرسة للتعرف عليهم على الصعيد الشخصي، تعريفهم بنفسي، والاستماع إلى تجاربهم خلال فترة عملهم. عممت أسئلتي على الجانبين الشخصي والاجتماعي من عدد أفراد الأسرة، تواجدهم في المملكة أم في بلادهم، هواياتهم بعد الدوام، الأكلة المفضلة، حياتهم الاجتماعية، علاقتهم بزملاء العمل، وأسئلة عامة من هذا القبيل. أردت التعرف على الإنسان قبل الموظف، وأستمع إلى احتياجاتهم خارج المدرسة. وأدى ذلك إلى تسابق أجوبتهم لإلقاء ما في جعبتهم من قضايا حول المدرسة وعملهم.
قبل هذا بعام، وخلال فترة دراستي للماجستير في قيادة التعليم، كنت والزملاء في درس حول استراتيجيات التحول التعليمي وآليات تطبيقه، وقالت البروفيسورة إلين ميلر جملة أثارت اهتمامي بأنه «عندما تتجه مشاكل المعلم من شخصه إلى طالبه، فاعلم أن قائد المدرسة يسير في الاتجاه الصحيح». وفي رأيها، أن المعلمين والمعلمات مثلهم مثل غيرهم من البشر، لديهم مشاكلهم وهمومهم النفسية والاجتماعية والأسرية والمالية وغيرها، وتأتي هذه المشاكل أولوية وهاجسا تَحُول بينهم وبين أدائهم واهتمامهم بطلابهم. فتقول، لن يخلو شخص من المشاكل والمتطلبات، ولكن تعتقد أن قائد المدرسة يسير في الاتجاه الصحيح إن تحولت مشاكل المعلم من اجتماعية وشخصية إلى مشاكل محورها الطالب، من عدم توافر وسائل تعليمية، أولا يوجد ميزانية لرحلات ميدانية، أو نصابي العالي يمنعني من الاهتمام بكل طالب، أو درجات طلابي متدنية، أو لدى طلابي مشاكل أسرية، تنمر، صحية، تعليمية وغيرها.
ولهذا السبب، في لقاءاتي مع المعلمين، أردت الاستماع إلى مشاكلهم النفسية والاجتماعية أولا، حتى تكون مشاكلهم مسؤوليتي فيضعوا طلابهم أولا. أزعم أن اللقاء غرس أثرا في نفوسهم وراحة بوجود مسؤول بادر بالاستماع لهم ولاحتياجاتهم. ولكن ظلوا مترقبين ومتوجسين. فالاستماع وحده لا يكفي، ولكنه خطوة في الاتجاه الصحيح قد تنعكس سلبا على القائد إن لم يترجم القول والاستماع أفعالا.
خلال اللقاءات كتبت جميع الملاحظات، ورتبت الأولويات حسب الأكثر تكرارا منها، ثم وضعت خطة عملية لتفعيل مبادرات لحل مشاكلهم بناء على آرائهم. تجاوزت المبادرات توقعاتهم، والتزمنا بها، وأشركناهم وفريق العمل في تصميمها وتنفيذها، فازدادت الراحة النفسية والقبول العام. فصوت المعلم كان رؤوس أقلام المبادرات، ومشاركته كانت تفصيلا لها، وكنا جميعا نعمل لتحقيقها، كل حسب مسؤولياته.
إن ما يحدث هذه الفترة، من مشادة في الحوار بين المسؤول وكاتب إعلامي، ومن اختلاف جمع من المعلمين مع قرارات المسؤول، ومن تدني مستوى الرضا العام حول مهنة التعليم، لهي ظواهر بوجود فجوة بين المسؤول والميدان، فتصبح مشاكل المعلم الشخصية والمهنية أولوية على مشاكله مع طلابه. متى ما عالجنا هموم المعلم خارج الصف، سيعطي كل ما يستطيع داخله. أهم مشاكل التعليم هي مشاكل المعلم والطالب، فالتعليم هو ببساطة معلم ومتعلم.
أعزائي قادة التعليم، ابدأ العام الدراسي بالاستماع لزملائك، وبادر في معالجة مشاكلهم بما تستطيع، ولن يخذلك زملاؤك عندما يرون فيك روح المبادرة والمحاولة، ثم انتظر النتائج في تعليم يعمل بروح الفريق الواحد لتضع نجاح الطالب رغم التحديات نصب أعينهم.
طريقنا واضح، طلابنا ثروتنا البشرية، والمعلمون هم المؤثر الرئيسي لنجاحهم. وأفضل آلية للوصول لذلك بتمكين المعلم في كافة المجالات. وهكذا نحتفل بيوم المعلم، تمكينه. 

البراء طيبة        2017-10-07 12:01 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات           |   0 عدد التعليقات :

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال