الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

صراع الخطابات الفكرية في المجتمعات العربية

المجتمعات العربية تعيش أزمة هوية حادة نتيجة لصراع الخطابات الفكرية المختلفة، لأنها ليست مشاركة حقيقية في كيان المتغيرات المحلية أو العالمية، وبقاؤها على الهامش أضر بها كثيرا

يذهب بعض المتفائلين بالحركات الناشئة هنا وهناك إلى الزعم بوجود تيار فلسفي مؤثر في الوطن العربي، يصنع فارقا في تكوين خطابات الفكر الاجتماعي والثقافي والسياسي، لكنني أكاد أجزم أنه لا وجود في الأصل لأي تيار من هذا النوع في الوقت الراهن، فكل ما هنالك لا يعدو كونه محاولات متمردة هنا وهناك من قبل البعض المتحمس للهم الفلسفي، وهي من وجهة نظري مجرد محاولات صغيرة (مشاكسة) تتلمس عبر يومياتها كسر المألوف من خلال تدوين ملاحظاتها ليوم ما قادم. وحتى أكون منطقيا في حديثي هذا يجب أن يكون هناك موجود لأتحدث عنه،
إلا أنه في الواقع لا يوجد سوى إرهاصات مُتخيلة لا أكثر وإن منحها البعض مرتبة الوجود كحقيقة.
فحين نذهب إلى ناحية الفكر الاجتماعي وتحولاته وأثر الفلسفة فيه، أجدني أشعر بتفاؤل جيد في حوارات المستقبل البعيد، على الرغم من دخول هذه المجتمعات مرحلة خلط الأوراق، وقوة المغريات (الشعاراتية) التي تحاول كل جهة أو تيار طرحها على الطاولة عبر منصات التواصل المختلفة للعب على أوتار قديمة عميقة في المجتمعات العربية، كالفقر والأمية والبطالة والعدالة والمساواة، للفوز بالشريحة الأكبر من الشارع والاستحواذ عليه، وهي المحاور التي لا تستطيع الفلسفة تحقيقها عبر نصوص مرفوعة هنا وهناك على أية حال، فتلك المغريات تبدو خطيرة بخطورة استخدامها كأدوات هدفها براجماتي صرف يميل إلى ناحية المصالح الخاصة -لدى البعض أكثر من كونها تحركات إصلاحية حقيقية- تسعى إلى صناعة فكر عام يحمل هم تنمية الإنسان، والأمثلة في ذلك كثيرة، وهذا ما يجعلها خارج اهتمام وعي الإنسان العربي واستيعابه لخلفياتها ومنطلقاتها، وقد ينقلب عليها وعلى مستخدميها لاحقاً بالاتجاه السلبي، ومن الواضح جدا أن ذلك الحوار محل اهتمام سياسي كبير أيضا، فقضايا الفكر وأطروحاته لا يمكن المجازفة بها وترك حبالها على الغارب هكذا، ذلك لأنها مؤثرة وتعلق في بنية المجتمعات لفترات طويلة جدا قد تصل إلى عدة أجيال متلاحقة، وتحتاج إلى جهد أكبر لإحلال بدائل أخرى غيرها لاحقا، مما يعني مجهودا أكثر وصراعا طويلا.
لنأخذ مثلا الخطاب الديني كنموذج يخاصم الفلسفة ويضعها في منطقة المحرمات، وهو ما يجعله بعيدا عن التحولات الفكرية في العالم، لكن هذا الخطاب يمكنه أن يكون حاضرا ببهاء أكثر متى استطاع التخلص من عجرفة متبنيه لديباجة إرثه القديمة الممتدة إلى قرون، ولغة التعالي والإقصائية التي يقدمونه من خلالها، إذ عليهم أن يقدروا أهمية الزمن ومتغيراته، والواقع ومتطلباته، وإلا فإنهم سيكونون مضطرين لمواجهة جماهيرية غير مسبوقة، وهو ما رأيناه يحدث في مجتمعات عربية وإسلامية عديدة، وتواجده الدائم كأحد أطراف المعادلة في تفاصيل الشارع، لا يعود لقوته الفكرية أو الفلسفية أو الإقناعية، بل لأن المجتمعات العربية في أصلها ذات صبغة دينية، فالمفردة الدينية دائمة الحضور بين ثنايا كلماتها المتداولة (السلام عليكم، ما شاء الله تبارك الله، بالله عليك يا فلان، حفظك الله يا صديقي، صلوا على النبي... إلخ)، وهذا الحضور في الواقع هو ما يكسب الخطاب الديني تفوقه على غيره فقط. ولكنه قطعا بحاجة ماسة إلى تطوير لغته وأدوات تقديمه، لأنه اليوم يقف أمام جيل متعدد الخيارات باطلاعه على طيف واسع من المذاهب الفكرية والثقافات الأممية في العالم.
وعلى جانب آخر تظهر الخطابات (النهضوية) -مع تحفظي على التسمية- في الشوارع العربية كخطابات شعبوية رنانة تستحضر القومية العربية التي صنعت لنفسها مساحة جيدة في وجدان الإنسان العربي ذات مرحلة، مطعمة بمصطلحات جديدة تبناها الانفتاح العالمي على بعضه وما يعرف بالعولمة، سواء كانت تلك الحسابات سياسية أم اقتصادية، تخضع أيديولوجياً لثقافة المسيرين واللاعبين الأساسيين، ويكفي أن تلقي نظرة على التحولات السياسية في المنطقة لتدرك أن الفكرة الإبداعية غائبة أو لنقل مغيبة، وهو ما يجعل المجتمعات العربية تعيش أزمة هوية حادة نتيجة لصراع الخطابات الفكرية المختلفة، لأنها ليست مشاركة حقيقية في كيان المتغيرات المحلية أو العالمية، وبقاؤها على الهامش لقرون طويلة أضر بها كثيرا بكل أسف، وعليها السعي حثيثا لكسر حالة الجمود التي تصبغها، والانخراط في تشكيل البنية الثقافية العالمية بوعي أكثر لتوجد لها موطئ قدم يتناسب مع تاريخها الطويل، وإلا فإنها ستجد نفسها على قارعة المنجز الإنساني.

صالح الديواني        2017-10-12 11:34 PM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات           |   0 عدد التعليقات :

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال