الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

الاحتساب على الأفكار

الاحتساب على القلوب والأفكار لم يكن حصرا على ديانة دون غيرها، فجميع المتشددين والمتنطعين في كل ديانة شوّهوا تلك الصورة الجميلة للاحتساب

الاحتساب في التاريخ الإسلامي منهج جميل بدأ مع عهد الرسالة، وكان يهدف إلى الحفاظ على مصالح الناس، وحمايتهم من الضرر والفساد.
وكان المصطفى -صلى الله عليه وسلم- أول المشرّعين لهذا المنهج الجميل، عندما كان يمر في الأسواق فوضع يده في كيس من الحبوب فوجد بللا في أسفله، فقال لصاحبه: ما هذا؟، فقال أصابته السماء يا رسول الله!، فقال له: أفلا وضعته في الأعلى ليراه الناس، من غشنا فليس منا.
ظل الاحتساب مقتصرا على حماية المصلحة العامة، وتوجيه المجتمع توجيها صحيحا، ويختلف المؤرخون متى تحول الاحتساب من دور المراقب على شؤون العباد إلى المعاقب على النوايا والأفكار، وعدم قبول الرأي المخالف؟
ويعتقد البعض أن ترك الدور الاجتماعي للاحتساب، كالنصح والإرشاد والتوعية، وتحولهم إلى حاكم على سلوك الأفراد، وإقامة الأحكام على الأفكار والآراء، قد بدأ في عهد الخوارج.
إن الاحتساب على القلوب والأفئدة والأفكار لم يكن حصرا على ديانة دون غيرها، فجميع المتشددين والمتنطعين
في كل ديانة شوّهوا تلك الصورة الجميلة للاحتساب في تلك الديانات.
«هيباتيا» عالمة الإسكندرية في العهد الروماني، برزت في علم الرياضيات، انشغلت بعلومها ونظرياتها فكانت
حجة زمانها، ولكن هذا أثار حفيظة الكنيسة، فكل علم أو اكتشاف جديد هو اعتداء على تعاليم الكنيسة! يخافون من استخدام العقل والمنطق، فهذا يكشفهم ويصادر سلطتهم، وليس أسهل من استخدام كلمة «هرطقة أو زندقة أو لبرلة أو تفرنج أو حداثة» لكل من يطالب بالتغيير والإصلاح والانفتاح، فيقتنع البسطاء بمثل هذه الأحكام.
لقد واجهت «هيباتيا» أبشع نهاية يمكن أن تكون لعالِم أو مفكر أو أديب أو صاحب مشروع تغيير، إذ تتبعها المحتسبون من الكنيسة إلى بيتها، وجَرُّوها من شعرها في الطرق حتى تسلّخ جلدها، فلما وجدوها ما تزال تتنفس علّقوها وسلخوها حية بأصداف البحر، ثم أحرقوها ونثروا رمادها في البحر.
كذلك ما حدث للعالم جاليليو الذي قال بدوران الأرض حول الشمس، فتصدت له الكنيسة وقالت له، إن ما يقوله جاليليو يتعارض مع تعاليم الإنجيل، مع العلم أن جميع الكتب السماوية تدعو إلى التدبر والتفكر والتعلم.
وأمام هذه الأفكار، خضع جاليليو للإقامة الجبرية، وتمت مصادرة أفكاره ومنعها من التداول، وأحرقوا مذكراته ولم يمنعه من القتل إلا كونه كان مقرّبا من كبير الأساقفة.
ولم يتم رد اعتبار جاليليو إلا في عام 2008 من الكنيسة التي قدّمت اعتذارها له، وأن أفكاره كانت سببا في تقدم البشرية وازدهارها.
يقول الأديب محمد الماغوط، لم تكن مشكلة البشر يوما مع الله سبحانه وتعالى، فهو يغفر ويسامح، ولكن المشكلة مع الذين وضعوا أنفسهم مكان الله.
إن الاحتساب الحقيقي، هو إصلاح المجتمع وحمايته من الفساد والتشدد، ومواكبة الحضارة واللحاق بركب الأمم المتقدمة.

عواجي النعمي        2017-12-06 11:42 PM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 7 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • التطرف الديني في الماضي قتل عالمة الرياضيات هيباتيا عام 415م وحاكم العالم الفيزيائي جاليلو عام 1611م أما التطرف الديني في الوقت الحاضر فإنه أشد عنفا وصلفا فقد طارد الشباب، ذكورا وإناثا، وقتلهم وسحل المرأة وأهان كرامتها وتجسس على الآخر وفبرك له التهم الظالمة وشهد عليها أمام المحاكم وتطاول على ثقافة المجتمع وقيمه وألف الكتب مرة عن طريق سرق جهد الآخرين ومرة عن طريق إيهام البسطاء من الناس أنه أكتشف السعادة. رموز التطرف في الوقت الحاضر تدثروا بعباءة الدين وأخفوا تحتها ما الله به عليم. مسبار
  • حمد:رغم أن -التاريخ الماضى- لقوم ما، به أفكار متخلّفه، الا أن به جوانب إيجابية@فالح:المشكلة أن النبش والفرز للتاريخ الموغل في القدم سيفتح أبواب ونقاشات لا تنتهى..وما يسمى ب(الصحوة) لدليل على فشل ترقيع الماضي .. احمد سليمان
  • عجيب هذا (الغرب) سرعظمته انه يعترف بالأخطاء التي وقعت من الكنيسة بكل تجرّد وشفافية، وهذا نتيجة إعمال وتقديس العقل والعلم. احمد سليمان
  • (جاليلو ) هذا العالم الفذ الذي غير أفكار متخلّفة،و تأثيره فى كل الأرض،عارض المزمور104-القائل (أن الارض ثابتة على قواعدها لا تتزعزع ابد الدهر...)..كانت نظريته منذ 500سنه مضت أن الأرض تدور ،وصدق لأنها ما زالت تدور.. احمد سليمان
  • الفيلسوفه الاستاذة(هيباتيا) 370م-415م لاقت التعنّت المتخلّف من الكنيسة في ذلك الزمان السحيق... كم هى أمرأة عظيمة مستنيرة ... احمد سليمان
  • جال بنا الأستاذ الكريم فى جولة تاريخية رائعة، تبين تحديات الأفكار المستندة على العلم وبين دعاة التحجر والجمود،ولكن كانت النهاية الفاصلة هو انتصار العلم على أفكار الجهل .. احمد سليمان
  • الإحتساب ممارسة اجتماعية نبيلة جددها لنا نبينا عندما ذكَّر من حوله: من غشنا فليس منا.ما أحوجنا للإحتساب بعد أن تعقدت المعاملات والمصالح.الإحتساب حاضر في المجتمعات المتقدمة ويأخذ الوانا منها لجان المساءلة في المجالس, إلا أن أبرزها الصحافة الحرة, غير المقيدة. saleh

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال