الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

شبه جاهل وشبه مثقف

يؤدي تزايد غوغاء أشباه المثقفين إلى إبعاد الصفوة عن الساحة، وبذلك يضيع المتلقي بين زحمة الأشباه وندرة المستنيرين، فبحسب قانون جريشام في الاقتصاد: «العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة»

قرأ كتابا، أصبح مثقفا.
تتلمذ على يد شيخ، أصبح مفتيا.
تخرج من قسم علمي، أصبح عالما.
الجميع أصبح مثقفا فجأة، وخرج فجأة قوم يطلقون على أنفسهم رجال دين بسماحة مفتين، وفجأة تقلد الجميع مناصب العلماء. هذه معضلة حقيقة اسمها (أشباه المثقفين وأشباه الجهلاء)، فلا هم مثقفون ليعوّل عليهم، ولا هم جهلة فيعتنى بهم. وهذا الصنف الأشد خطرا، فبدلا من أن يسعى ليثقف نفسه ويتدارك أمره، يقوم بمواراة جهله بالتمنطق باسم الدين تارة، أو الحرية والمدنية المغلوطة تارة أخرى.
ليس كل من يقرأ الكتب إنسانا مثقفا، وليس من يحمل شهادة دكتوراه أو ماجستير إنسانا مثقفا، وليس من يستطيع أن يحاور ويجادل إنسانا مثقفا، وليس من لا يبرح المسجد إنسانا مثقفا، المثقف هو الذي إذا تعلم شيئا ما استوثق منه قبل نشره، وهو الذي يقف بشجاعة أمام أخطائه ليعالجها، وهو الذي إن لم يفقه شيئا ما من حوله بحث فيه ليصل إلى كنهه، لا أن يتكهن منطلقا من عماه، أو مكفرا كل من لا يسير على هواه، أو متجاهلا كل جديد بحكم أنه على حق وكفى.
لأشباه المثقفين أنواع عدة، ولعلني أستميل إلى الحديث عن «الببغائيين منهم». وهم أشخاص يمتلكون معلومات غزيرة في موضوعات عديدة مختلفة، لكنهم لا يمتلكون رؤية ثقافية من أي نوع، يقال عنهم بالعامية «حافظين مش فاهمين»، وهذا النوع يظهر كثيرا في كل المناسبات: الوطنية، والدينية، والسياسية، والاجتماعية، ويستعملون ثقافتهم في المديح والثناء أو في الذم والقدح حسبما تقتضي المناسبة، يلقبون أنفسهم عادة «بالخبراء». يبدون منهكين من فرط الثقافة ليشعروا الآخرين أنهم يبذلون قصارى جهدهم لكى ينقلوا للعالم النظريات العلمية المعقدة التي يرددونها في كل محفل كالببغاء، تجدهم بعد كل أربع أو خمس جمل باللغة العربية، ينطقون لفظة إنجليزية ليشعروا من ينصت إليهم أن الكلمات الإنجليزية تفلت منهم لا إراديا بسبب ثقافتهم الموسوعية... حقا أهنئ أشباه المثقفين على ثقتهم، خاصة الببغائيين منهم، باعتبار أنفسهم رموزا للثقافة.
في كل مرة أواجه موضوعا جديدا ليس لدي أدنى فكرة عنه، سواء كان معلومة عابرة، كتابا في مجال أحببته أقرؤه فلا أفهم تفاصيله، سؤالا ثقافيا يتطلب سرعة بديهة في الإجابة عنه، حوارا مع أحدهم فيبدأ وبشكل عشوائي بتدعيم حديثه بأدلة وأقوال لكبار الأدباء، وكأنه قرأ جميع أعمالهم وفهمها عن ظهر قلب... ينتابني ذاك الشعور المحبط (الإحساس بالجهل). فعلى السبيل الشخصي، أعتقد أنه مهما ارتفعت حصيلتي الثقافية ومهما حاولت أن أسابق الزمن فسيظل هناك علوم جمة لا أعرفها، وسيظل ذاك الشعور المحبط يلاحقني وإن بلغت عنان السماء.
أحترم تلك الفئة من الناس التي حين تُسأل عن موضوع ليست على دراية كافية به، تعتذر عن الإجابة ولا تدخل في النقاش من أصله. لا تفتي من رأسها أو تضيع الوقت في فلسفة يطول شرحها مستندة على معلومات ناقصة أو مشكوكة. وباعتذارها قد أجابت، فمن قال لا أعلم فقد أفتى.
للأسف أشباه المثقفين أكثر انتشارا في المجتمعات المتخلفة من المثقفين المستنيرين، ويؤدي تزايد غوغائهم إلى إبعاد الصفوة عن الساحة، وبذلك يضيع المتلقي بين زحمة الأشباه وندرة المستنيرين، فبحسب قانون جريشام في الاقتصاد: «العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة»، والبركة في فهم الجميع.

سارة العكاش        2018-01-12 12:58 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 4 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • مثال حي قريب: عندما تولى -مرسى-الاخوان مصر بين ليلة وضحاها انقلبت الأمور وخرج الاخوان بعيونهم التي تقطر الشر وتتعطش الى الدماء،واصبح القتله منهم وزراء ورؤساء للمحافظات... احمد سليمان
  • كل هذه التشوهات المقيته في المجتمع كا وراءها (الصحوة) وسائسيها ومبرمجيها من الدعاة الذين وجدوا فى استغلال الدين مصدرا للشهرة والمال والسيطرة.... احمد سليمان
  • .. ومع مر السنين أطبقت الصحوة على التعليم والاعلام حتى الصحة لم تسلم منهم واصبح لدينا (صحة صحوية)!! ومن كان من المتنورين ان يعترض او يناقش؟... احمد سليمان
  • الصحوة وروادها ،كانت وراء هذا التخلف العقلى لدى القوم ، حيث ساد الرأي المسيطر الواحد، وانبرى الاتباع واشباه المثقفين في طريق القطيع ...قطيع الصحوة وأمسكوا بكل مفاصل المجتمع وأصبح من يعارضهم خارجا عن الملّه ،هكذا سارت الأمور فى السابق.. احمد سليمان

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.