الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

فشّلتنا جايب 98%

في تعليمنا، ندفع طلابنا للحصول على 100% في اختباراتهم. نعلّمهم وَهْم الكمال العلمي، ونحرمهم من التعلم بالخطأ في بيئة آمنة، فيمارسونها في بيئة عملية تؤثر على مستقبلهم

يحكي لي والدي عن قصة مرّ بها قبل الاختبار في إحدى المواد، خلال دراسته في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن.
ذهب إلى أستاذه وقال إنه لم يفهم موضوعا معينا، فأجابه الأستاذ: لا تخش، فهذا السؤال غير موجود في الاختبار، فرد عليه والدي بأنه لم يسأل للاختبار، إنما سأل كي يفهم الموضوع، فاهتم الأستاذ جدا وأجلسه وشرح له الموضوع مرة أخرى.
وفي المقابل، أتذكر أنّي حفظت منهج الأحياء في الصف الثالث الثانوي، وعند المراجعة كتبت كامل الكتاب في دفتر آخر، وحصلت على الدرجة الكاملة. واليوم، لا يربطني بمنهج الأحياء إلا هذه الذاكرة!.
التذكر واحدة من المهارات التي يتدرب عليها العقل، ولكن ليست المهارة الأساسية التي نريد من أجيالنا القادمة إتقانها. التعلم يأتي بالتطبيق، ونظلم طلابنا بمحاسبتهم كليا باختبارهم في مهارة جزئية، وفي معظم الأحيان ليست الأهم.
يقول ديفيد كولب، صاحب نظرية طرق التعلم، إن «التعلم الفعّال يحدث بعد تقدم الطالب في مستويات التعلم الأربعة، ابتداء بالتجربة، ثم المناقشة، ثم التحليل، وأخيرا التطبيق»، ولهذه الخطوات الأربع تفاصيل كثيرة.
فهل هدفنا من تعليمنا أن نخرّج حفظة باستطاعتهم تذكر ما حفظوه الليلة السابقة؟ أم أن نخرّج مفكرين قادرين على تطبيق ما تعلموه؟
القدرة على التطبيق مهارة رئيسية للنجاح، ولكن الاختبارات التقليدية لا تدفع إلى ذلك.
بل إن المدرسة أقرب إلى أن تكون مجردة من التطبيق العملي.
نظامنا يثبت أن مخرجات التعليم غير مؤهلة لما بعده، فالسنة التأهيلية دليل على فشل قدرة التعليم العام على إخراج طلاب مؤهلين للبدء مباشرة في الدراسة الجامعية.
العلم يتقدم، فكيف يستطيع التعليم العام أن يتحدى التعليم العالي من مخرجاته؟، وكيف يستطيع التعليم العالي أن يسابق سوق العمل من مخرجاته؟
الاختبارات التقليدية أداة لقياس الحفظ، وهي مطلوبة في مراحل ومواد محددة، ولكن ليست في كل شيء!
هنالك عشرات من الطرق الأخرى التي تقيس التفكير الناقد: حل المشاكل، والمهارات التحليلية، وحجم وعمق المعلومات، والفهم والقدرة على التطبيق، والتصميم والابتكار، والتواصل، وغيرها من المهارات الضرورية التي ترسخ المعلومة في عقل الطالب وتمكّنه من ربط المعلومات، للخروج بعلوم جديدة توسع دائرة المعرفة لديهم،
ومن ذلك: كتابة مقالة حول الموضوع، والمشاركة في المنتديات، والتعبير والكتابة، والتلخيص، والحوار، والبحث، واستقبال الملاحظات، والتغذية الراجعة، وغيرها.
إضافة إلى ذلك، يمكن تقديم عرض مرئي، ومن هنا يتعلم استخدام تطبيقات الشرائح، والإلقاء، ومنطقية وتسلسل الأفكار، والبحث، والتصميم، وقد يريد بعض الطلاب رفعها في فيديو فيضيف إلى التعلّم أبعادا كثيرة.
وأيضا، يمكن تطوير ملف إنجاز عبر مجموعة من الواجبات المنزلية الصغيرة التي تثبت التعلم، وجمعها في ملف يحتفظ به الطالب طوال حياته.
وأخيرا، يمكن القيام بتطبيق عملي ميداني أو مدرسي.
تصحيح هذه الأنواع من المقاييس يتطلب جهدا أكبر، ولكنه أكثر فاعلية. الاختبارات تساعد المعلمين للتعرف على أدائهم في التدريس، وتُقدم تغذية راجعة للمعلم والمدرسة وأولياء الأمور. وبالتأكيد لتطبيق ذلك، نحتاج إلى إستراتيجية للتحول من تطبيق الاختبارات التقليدية إلى تطبيق مقاييس التعلم، وستستغرق وقتا من تدريب المعلمين، وتطوير الأدوات، وتفعيل منصات القياس.
اِخطأْ لتتعلم، هكذا قال لي كل مدير عملت معه في حياتي المهنية. ولكن في تعليمنا ندفع طلابنا إلى الحصول على 100% في اختباراتهم. نسبة مستحيلة في الحياة العملية. نعلّمهم وَهْم الكمال العلمي بنسبة مرتفعة، ونحرمهم من التعلم بالخطأ في بيئة آمنة، فيمارسونها في بيئة عملية تؤثر على مستقبلهم. فلا نسلبهم متعة التعلم وتطوير الذات بالتجربة والخطأ.

البراء طيبة        2018-01-12 11:39 PM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 1 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • اقتباس ( نظامنا يثبت أن مخرجات التعليم غير مؤهلة لما بعده...) انتهى الاقتباس ! غرم الله قليل

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال