الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

توضيحان خفيفان عن المقاومة والعدل

كثير من الناس عندما تصل آذانهم كلمة (المقاومة)، تنصرف أذهانهم مباشرة إلى أن المقصود هو مقاومة الاحتلال الأجنبي، وربما تذهب بهم ذهنيتهم إلى معان أخرى من جنس تمجيد البطولات ونحو ذلك من عسكرة واصطفافات، أما التجليات الإنسانية الجميلة للمقاومة فغالبا، وبكل أسف، لا تأتي على البال..
الدفاع عن كل شأن نبيل وجميل، في الأصل هو مقاومة، ففي الزمن الذي تنتشر فيه الكراهية، وتفوح رائحة التعصب، تكون المحبة مقاومة، وعندما يشيع الكذب في المجتمعات، وبين الأفراد تكون المقاومة بالصدق، وخدمة الحقيقة مع الذات قبل الآخر ومعه، وعندما يحاول الناس أن يعمموا البؤس على من حولهم، تكون المقاومة بتعليم الناس صناعة المسرات والحياة الجميلة، وكذلك الأمر مع مقاومة أي فتنة، من مثل النفخ في غرائز الهويات الفرعية، كالطائفية والمذهبية والإثنية..
الجسم يحتاج إلى مقاومة، والتحديات الطبيعية تحتاج إليها، وكل شيء تقريبا في دنيانا يحتاج إلى مقاومة، لأن المقاومة -وببساطة- ضرورة حياتية لاستمرار الحياة، ولأجل أن ينعم الإنسان بالاستقرار والسلام، والأهم من هذا كله هو أن نعرف أن (فلسفة المقاومة)، وبعيدا عن أي اتجاهات فلسفية أو سياسية، لا بد أن تعتمد على العقل الإنساني، ولا بد من تفعيله على كل الأصعدة..
العقل ضروري أن يخطط لمن يريد أن يقوم بأي مقاومة، جليلة كانت أو بسيطة، بدءا من الاحتلال وصولا إلى الخرافات، مرورا بالفساد، والفقر، والجهل، والمرض، والتخلف، وبدون التفكر والتعقل لن نستطيع أن ننكر منكرا، ولا يمكن أن نرد عدوانا، وبدون أن نقاوم الموجودات البغيضة، والإغراءات المختلفة داخل نفوسنا، قبل نفوس من حولنا، لن نقاوم شيئا أبدا..
ثقافة المقاومة وتنميتها ثقافة تحتاج إلى تطوير، ولعل البداية الصائبة لذلك تكون من خلال الوعي الموضوعي بما نواجهه من تحديات، وبناء اتفاقات ومشتركات شاملة، على ضوء مراجعات عامة شفافة، توقظ الحس الوطني والإنساني، وتنبذ الخوف والإحباط، وتعلي من ثقافة العقل، واعتبار «المصالح جلبا، والمفاسد درءا»، وتسهم بفعالية في مكافحة تحديات فقدان المناعة الوطنية، وإشكالات التعاطي مع القضايا الحياتية، ومخاطر ضعف الشعور بالانتماء، والوصول إلى الأنموذج المثالي ليس صعبا، وإذا كان في تصور البعض بعيد المنال، فلا أقل من السعي إلى الاقتراب من الآمال، ومساعدة من بعدنا في الوصول إلى تحقيق ما لم يحققه من قبلهم، من علم، وتعمق، وتسامح، واعتدال، وتماسك، ونهوض، وتقدم.

• توضيح:
في مقال الأسبوع الماضي أشكل على أخ كريم ذكر أن إمام العدل، صلى الله عليه وسلم، «كان يقضي معظم الليل والنهار» عند السيدة مارية القبطية، زوجه، وأم ولده سيدنا إبراهيم، رضي الله عنهما، وطلب مني التوضيح، ووجدت طلبه في محله.. لم يسعني المقال -فعلا- أن أذكر أن بيئة السيدة مارية كانت لها الدور المهم في الأفعال التي قد يظنها أحد أنها غير عادلة، فقد جاءت -رضي الله عنها- من بلاد النيل، وتحديدا، كما يتواتره مؤرخو اليوم من محافظة «المنيا»، ولذلك ابتنى لها دويرة مستقلة في «العوالي» التي يصفها ابن سعد في طبقاته بأنها «مكان ذو نبت وماء»، كما يذكر المؤرخون أن السيدة مارية عندما وصلت طلبت أن تغتسل من وعثاء السفر، وأرادت قضاء حاجتها، وأشاروا لها إلى «الخلاء» كما اعتادوا، فاستشعرت بالوحشة، وسألت عن «الحمام» المعروف عند الفراعنة، وشرحت لهم أنه مكان ملحق بالمنزل، وفيه ماء ساخن، وأدوات للزينة والتجميل، وهذه المعاناة وحدها، كفيلة بمضاعفة التسرية عنها.
 

عبدالله فدعق        2018-01-13 9:28 PM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 2 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • المقاومة الإيجابية رائعة إبراهيم عبده الربعي
  • يعجبني قول الكاتب لنا جميعا (ثقافة المقاومة... تسهم بفعالية في مكافحة تحديات فقدان المناعة الوطنية،...). ما أحوجنا لها لمقاومة (.. أي فتنة، من مثل النفخ في غرائز الهويات الفرعية، كالطائفية والمذهبية والإثنية..). saleh

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال