الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

مبادرة إطعام واستنطاق الضمائر الحية

يفتخر البشر عادة بالمركز الأول، ويتباشرون بالحصول عليه، إلا أن بلوغنا المركز الأول في هدر الطعام يدعو حقيقة للخجل من أنفسنا، وإعادة النظر في طريقة تعاملنا مع الطعام، واستعادة وعينا الغائب تجاه موارد الحياة ونعمة الطعام.
نعم بلادنا مع الأسف تتصدر قائمة الدول في هدر الطعام، ومن عجيب المفارقات أن أغلب هذا الهدر يحصل في مواسم الطاعات خلال شهر رمضان وشهر الحج، وهذا يتعارض بدهيا مع الغرض من الطاعتين. فشهر رمضان مثلا هو شهر تغذية الروح، شهر التعرض لنفحات رحمة الله، وطلب المغفرة منه، والصيام عن المباحات من طلوع الفجر إلى المغرب، ويفترض أن تتماشى تصرفاتنا مع هذا الهدف، لكننا للأسف حولناه لشهر المبالغة في كل شيء، ودفنّا روحانيته في عاداتنا الاستهلاكية حتى صار عبئا ماديا واجتماعيا على العديد من الأسر، وما يحدث في الأسر يمتد أثره ويصنع صورة غير مرضية في المجتمع كله. ما يحدث في موسم الحج من الهدر أيضا لا يختلف كثيرا عما يحدث في رمضان، فتخرج طاعاتنا مشوبة بما يخالف مقاصدها الشرعية، وهذا والله يدعو للتأمل والمراجعة وتغيير عاداتنا سريعا.
من الأحداث التي قد يصحو بها ضميرنا حدث تاريخي مرت به بلادنا قبل مائة عام تقريبا واضطر فيه أهل ذاك الزمان لأكل أي شيء، لشدة ما قاسوا من ذلك الحول سموا عامهم (سنة الجوع). مأساة بشرية لا تبعد عنا زمنا كثيرا جاهد فيها البشر ليجدوا ما يبقيهم على قيد الحياة، ومات فيها الكثير منهم لأنهم لم يجدوا ما يسدّ رمقهم.
تقوم مبادرة إطعام مشكورة بإحياء ذكرى سنة الجوع هذا العام في محاولة رائعة لتوعية المجتمع حول خطورة موضوع هدر الطعام الشرعية والبيئية والاجتماعية. هذا الملتقى الذي يرعاه نائب أمير منطقة الرياض الأمير محمد بن عبدالرحمن في مركز الحوار الوطني في الرياض في السابع من شعبان بعنوان (100 عام من الجوع إلى الهدر)، سيسلط الضوء على بعض الأحداث والقصص الحقيقية ممن عاصروا أشخاصا عايشوا أحداث سنة الجوع بغية استنطاق الضمائر الحية، وتمرير رسالة هادفة مفادها (لا تسرف ولا تبدد الطعام)، مستشهدا بأرقام صادمة لحقيقة الهدر في بلادنا.
لعله من حسن الطالع أن يتزامن هذا الملتقى مع اقتراب حلول شهر رمضان الكريم، بلغنا الله وإياكم، فعسى أن يتعظ المسرف وينتهي عن إسرافه، ويراجع كل منا أفعاله المقصودة وغير المقصودة حيال نعمة المأكل والمشرب. يحتاج الأمر كذلك للتعاون مع هذه المبادرة والتطوع في إيصال أهدافها وتحقيق رسالتها.. ابدؤوا بمحيطكم وتواصوا فيما بينكم حول هدر الطعام والإسراف المرفوض شرعا وعرفا، فرب مبلغ أوعى بكثير من السامع. بلغنا الله وإياكم شهر الصيام والقيام، وتقبل منا ومنكم، وكل عام وأنتم لله وللطاعات أقرب.

نادية الشهراني        2018-04-17 12:07 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات           |   0 عدد التعليقات :

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال