الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

شذرات حول الدين والإنسانية والليبرالية..

العلاقة الإنسانية، ومشاعر الرحمة والحب والتسامح هي جوهر الإنسان، والتي لا يمكن للإنسان أن يكون إنساناً بدونها. والإنسانية صنو الدين، فحقيقة الدين تكمن في إنسانيته

أن تكون ليبرالياً يعني أن تكون إنساناً بكل ما في الكلمة من معنى.. أن تحب الإنسان وتدافع عن الإنسان لكونه إنساناً بغض النظر عن لونه وجنسه ودينه. أن لا تدافع عن شمال السودان لمجرد كونه عربياً مسلماً إذا تبين لك أن إنسان الجنوب مسلوب الإرادة والحقوق، فالإنسان هو المهم في كل مكان وزمان، ولا يضيره أن يكون مسيحياً أو بوذياً أو وثنياً، فالإنسان هو المحور ولا محور سواه. وحين تتبرع لعمل خيري إنساني، فأنت تتبرع للإنسان، وليس لكونه مسلماً أو مسيحياً أو يهودياً أو بوذياً..الإنسان هو الإنسان، ولكن أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يؤسلمانه.. نعم يؤسلمانه، ففي أيامنا هذه لم يعد الإسلام دين الفطرة، وهو الذي جاء بالفطرة السليمة ثائراً على كل تلك التشويهات التي لحقت بالأديان من قبله، بل تحول إلى ما يقوله البعض عنه، وكيف يفسره البعض وفق رؤى ليست بالضرورة من الفطرة التي ما جاء الإسلام إلا لينقذها، حتى إنه أصبح ما يُنتقد في اليهودية أو المسيحية يُنتقد في الإسلام اليوم، لا لعيب في ذات الإسلام، ولكن العيب كامن فيمن يحتكره وينفيه عن الآخرين بالضرورة. إسلام محمد، عليه أفضل الصلاة والتسليم، أصبح غريباً بالفعل، وهو الإسلام الذي يُعلمنا أن امرأة دخلت النار بسبب قطة حبستها، فلا هي أطعمتها، ولا هي التي تركتها تطلب رزقها، ودخلت بغي الجنة بسبب كلب سقته بحذائها، فإذا هو اليوم، وعلى يد أفراد احتكروه يقتل على مجرد الظن. إسلام محمد الذي يقول إنه في كل كبد رطبة أجر، نجده اليوم يذبح الإنسان من الوريد إلى الوريد لمجرد اختلاف في هوية أو اختلاف في رأي. إسلام محمد (ص) الذي يُحذر من إزعاج الرهبان في كنائسهم، نجده اليوم يفجر الكنائس في بغداد والإسكندرية، ومن يعلم أين غداً.
فخالق الخلق منح الحرية لبني الإنسان حين منحهم العقل، وهنالك من يحاول أن يمسح العقول ويغير الفطرة، ويقضي على جوهر الدين، وهذه كهنوتية مرفوضة في كل الأديان، وخاصة الإسلام الذي جاء نافياً لكل كهنوت ولكل احتكارٍ للدين من هذه الفئة أو تلك، ولكن الكهنوت أصبح واقعاً لا يمكن إنكاره. وكل ذلك للأسف باسم دين لا علاقة له بدين، بل هي أسماء سميتموها أنتم وأباؤكم ولم يُنزل الله بها من سلطان.
حين تنتفي مشاعر الحب ومشاعر التسامح من القلوب، فإن الإنسانية لا تعود هي بوصلة الاتجاه، والتي هي في النهاية جوهر الدين الخالص الذي جاءت به الأديان، ويصبح كل شيء ممكنا، وكل شيء جائزا، وكل شيء مبررا، حتى باسم ذات الحب وباسم ذات التسامح والإنسانية. جرائم كثيرة وكبيرة على مر العصور ارتكبت باسم أجمل المبادئ وأجل القيم، وهي بريئة كل البراءة من تلك الجرائم. فلا يمكن أن تكون الجريمة مبررة تحت أي مسمى جميل، أو من أجل تحقيق غاية نبيلة، حتى وإن قيل ذلك، فالجريمة تبقى جريمة تحت أي مسمى، وبأي لون اتصفت. أما الجرائم الأبشع في تاريخ الإنسانية، فقد مورست تحت راية الدين وباسم رحمن رحيم، والرحمن الرحيم من كل ذلك براء، فلا يمكن أن يكون الدين مناقضاً للقيم الجميلة في الحياة، وليس سوطاً من عذاب مسلطاً على من خلقت يده من طين، حتى وإن أراد البعض أن يصوروه كذلك. فجوهر الدين هو الحب والرحمة وتلك العلاقة المنسية من التسامح بين الإنسان وأخيه الإنسان، وليس بين مؤمن معين ومن وافقه من المؤمنين. وكما أن الحب والرحمة والتسامح هي جوهر الإنسانية، بمثل ما أن الإنسانية هي مزيج كل ذلك، فإن ذلك كله يمثل جوهر الدين حين يكون نابعاً من القلوب، كما بشر به الأنبياء والرسل، وكما فهمه عظماء الإنسانية وأنقياء القلوب من الناس. هذا الجوهر في الدين هو الذي يُنسى على مر التاريخ، ولا يبقي البعض من الدين إلا رجالاً فقدوا مكامن الإنسان في ذواتهم، أو مؤسسات فقدت بوصلة الاتجاه، وهنا تكمن كارثة الإنسان في كل مكان.
في سابق عصر وأوان، استخدم الرومان الدين واجهة ومبرراً لقتل المسيحيين دون رحمة، وهم، أي المسيحيون، من كان ينادي بالمحبة والتسامح ودين الإنسان. ولم يلبث الرومان، ومن بعدهم الأوروبيون، أن استخدموا ذات المسيحية المضطهدة، دين المحبة والرحمة والتسامح المطلق، واجهة لنزع الرحمة من القلوب، وسفك الدم الحرام على مذبح الرب، والرب من كل ذلك براء. وكان الفريسيون من اليهود أيام المسيح عليه السلام، يأخذون بنصوص التوراة دون أن ينفذوا إلى روحها، فكانوا الأكثر تديناً بين اليهود، رغم أنهم في حقيقة الأمر لا يمتون إلى الدين بأي صلة. هؤلاء الفريسيون هم من وشى بمكان المسيح ليلة القبض عليه، ومن ثم صلبه في الرواية المسيحية، ورفعه كما يخبرنا القرآن الكريم. وهؤلاء الفريسيون هم من كانوا أعداء رسالة المحبة والسلام التي كان ينادي بها المسيح. واليوم ها هو الدور يأتي علينا، وإن كان قد أتانا من قبل، فيقوم رجال باسم الدين، وتحت ظل راية الرب الرحمن الرحيم، بتدمير كل ما هو جميل وأصيل وجوهري في الدين. الدماء تُسفك، والنساء ترمل، والأطفال ييتمون، والرؤوس تجز وتحز، وعمارة الأرض تُدمر، باسم جنة عالية يتسابق إليها مثل هؤلاء، وكأن الدم والدمار هو مهر تلك الجنة، وهم في كل ذلك عن الحقيقة غافلون، بعد أن اسودت منهم القلوب، فما عاد للنور منفذ وسط كل ذلك الديجور. فالجنة أعدت للمتقين، والتقوى محلها القلب، ولا تقوى مع دياجير الظلام في النفس والعنف والقسوة واسترخاص الدم النفيس في عين فاطره ومجريه في العروق. فإذا كانت الدنيا وما حوت لا تساوي في نظر الكريم قطرة دم واحدة مسفوكة بغير حق، فكيف يكون الدم هو ما يرضي الرب ويكون مهراً لجنة عالية، لا تسمع فيها لاغية، ربما لو كانت بيد هؤلاء، ممن انتزعت المحبة من قلوبهم، وانتفت الإنسانية من سلوكهم، ما أدخلو إليها أحداً من خلق خالق الخلق.
العلاقة الإنسانية، ومشاعر الرحمة والحب والتسامح هي جوهر الإنسان، والتي لا يمكن للإنسان أن يكون إنساناً بدونها. والإنسانية صنو الدين، فحقيقة الدين تكمن في إنسانيته، وبالتالي فإن من لا مشاعر من إنسانية غامرة تملأ شغاف قلبه، فإن الدين منه براء، حتى لو كان من أشد المتدينين في ظاهره. ومن كان الحق المطلق، والجمال المطلق، والحب المطلق مستقراً في قلبه، فإنه لا يمكن أن يرى حيواناً يتألم، فكيف بإنسان يراق دمه، وهو أكرم مخلوقات الخالق على الخالق، منذ أن نُفخت الروح الإلهية في تجاويف ذلك الجسد الطيني، أفلا يستحق من احتوى جسده هبة الله أن يكون محور هذه الحياة، وغاية كل غاية؟.

تركي الحمد        2011-01-09 5:31 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 144 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • لافض فوك د/تركي. شذرات ماسية ل مفكر عظيم , كل الشكر ع هذا الكم الإنساني .. وفقك الله ام سعود
  • الدفاع عن المصطلحات لايغني ولايسمن من جوع. كان من الاحرى والاولى ان يستعرض الدكتور الحمد فكرته النبيلة بعيدا عن الدفاع عن الليبرالية. فانا اؤمن ايمان تام اننا نتفق على الاهداف ولكننا نختلف على صيغة اوطريقة معينة توصلنا لهذه الاهداف. اتمنى ان نخرج من مازق تصنيف الناس والحكم على نياتهم. لست اسلامي ولاليبرالي انا مسلم واؤمن بحرية التعبير سعد البراك
  • الدكتورة الكريمة هدى احمد..أنا متأكد انك والغالبية لم تفهموا قصد الغذامي!الغذامي لم يغير فكره وانما انتقد من لم يتقيد بالمفهوم الدقيق للمصطلح!أي مصطلح!حتى أنه لا يبالي بمن يتفق أو يختلف معه بدون توظيف المصطلح بحذافيره!وهو ضد من يدعي ليقول مثلا:أنا ليبرالي ولكنه يأخذ من الكلمة ما يناسب طرحه فقط!أعيدي دكتورتي الكريمة قراءة ماقال غذامي المصطلح وغذامي الهباب! دعشوش
  • مقالك عظيم ألففففففففففففففففف سبب للهجرة
  • مقال يجب ان يدرس في كليات الشريعة تحت عنوان التسامح ابو عاصم
  • مليون مليون مليون شكر لك يا أخ تركي على ماسطرت أناملك البيضاء فوالله إنها لكلمات تكتب بماء الذهب ووالله إن عيني لتقرأ وتبكي وإن قلبي ليحزن وعجبا من الفئة الضالة أين هم عن قول الملائكة في كتاب الله العزيز ( قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ... الآية ) مسك
  • اذا كان الكاتب يرى الاسلام يدعو الى الحرية والاحسان _وهذا حق_ فما حاجتنا اذن الى الليبرالية؟!!!!!!! ان الاسلام يعلو ولايعلى عليه أبومالك
  • لمن يقول ان مفاهيم اللبراليه مفاهيم فضفاضه لايمكن تطبيقها على ارض الواقع مخطئ لان مفاهيم اللبراليه من تسامح تقبل الاخر الحريه الفرديه مطبقه بالكامل بدول بعيد عنا طبعا لاننا شعب لا يمكن ان نحترم الاخر المختلف عنا اذا كانت لنا القوه والسطوه ونرضي بالظلم والاضطهاد من قبل صاحب السطوه والقوه اذا كنا في موقف ضعف وهذا يحدث في كثير من البلدان الاسلاميه بنت الشمال
  • أخي الكريم شاكر لك تفاعلك الإيجابي مع تعليقاتي وليتك تخصني بدعوة بظهر الغيب...دمت بخير حمد بن ابراهيم الربيعه..الأخ الكريم (يتنفس حريه)
  • ذات الدين الإسلامي الذي نؤمن به .. و ذات المعتقد الليبرالي الذي يؤمن به غيرنا .. إن جئنا للننقد الذاتين وجدنا أن الدين الإسلامي بذاته كاملا لقوله تعالى في الأية الثالثة من سورة المائدة (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) .. فمالنا نبغي فكرا و معتقدا غيره ؟! أما الليبرالية فهي صنعة بني البشر .. الحرية المطلقة .. عندهم البغي و الشذوذ حرية شخصية .. حتى آداب الطعام تأكل واقفا أو بشمالك حرية شخصية ..!! محمد بن عبدالله العمار
  • البعض منا قد يسيئ للدين من حيث يدري أوحيث لايدري .. وينسى بأن الدين المعاملة .. ويظهر ذلك عند التعامل الذي يفتقد لأدنى معايير الإنسانية في كثير من المواقف التي يمر بها شخص ما .. ولنأخذ مثالا على ذلك فمِنَّا ..مَن يشاهد حادثا مروريا لايخلو من المصابين .. فلايتوقف للمساعدة .. وكأن الأمر لايعنيه .. وإن توقف لايعدو كونه من الفضول وحب التجمهر الذي قد يعطل الفرق الميدانية عن سرعة إسعاف المصابين ..ومِنّا من يكون متسببا في حادث فيولي هاربا .. فأين نحن مِن ذلك ؟ إبراهيم عسيري
  • اعداء الحرية هم انفسهم اعداء الاسلام مسمار
  • مقال رائع ولكن مع قرائتي للتعليقات ارى انه من شبه المستحيل تغيير العقول المناهضه لفكره الليبراليه والحريه فاطمه الجوفي
  • المفكر الانساني الكبير تركي الحمد متعك الله بالصحه والعافيه وأعانك على اعداء ك اعداء الانسانيه . بقايا " نمر "
  • ولكن بعد بداية حياتي العمليه ونضوجي فكريا عرفت الحقيقه اعجبني ردك وبساطته ووضوحه شكرا بتنفس حريه
  • تابع ولا يوجد حب مطلق إلا في حالة الوالدة لولدها غالبا وحب قيس لليلى وكثير عزه قديكون ايضا ...ولكنه بشكل دائم غير موجود فهو مخالف لما تدعيه من أن الدين الصحيح هو الفطرة الصحيحة فالله سبحانه و تعالى يوضح الفطرة الصحيحة فيقول(﴿لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ..الآية) حمد بن ابراهيم الربيعه
  • الاخ حمد بن ابراهيم الربيعه اوافقك الراي في كل ماتقول اسلوب راقي ورد واضح على الاقل توضح الفكره لصغار السن الذين قد تغرهم هذه الافكار التى ظاهرها الانسانيه وباطنها البعد عن الدين والقيم عندما كنت في الصف الاول ثانوي تاثرت كثيرا بافكارهم فظننتها الشي الذي ابحث عنه ,,يتبع بتنفس حريه
  • مساء الخير دكتور تركي وقراءك الكرام , ميزة الانسان الليبرالي أنه اٍنسان اسم على مسمى , الليبرالي لايتصنع انسانيته وقيمه النبيله لأنها نابعه من ذاته بكل صدق , الانسانيه المصظنعه أكثر من برع فيها المؤدلجون في كل الاديان .. المؤدلج يتظاهر انه انساني بينما لو تأملت سلوكه على أرض الواقع لوجدت التناقض الفاضح بين مايتظاهر به ومايفعل , الليبراليه هي الحل كما قال الأخ مسمار . والسلام عليكم . بقايا " نمر "
  • (ومن كان الحق المطلق، والجمال المطلق، والحب المطلق مستقراً في قلبه،) لا يوجد حق مطلق حتى عند من يسوقونه فهم يشرطون بحماية القوانين والقوانين تضعها الأغلبية وقد تهضم حقوق الأقلية والجمال المطلق لله فقط يتبع حمد بن ابراهيم الربيعه
  • (والإنسانية صنو الدين، فحقيقة الدين تكمن في إنسانيته،) أي دين تقصد؟ فإذا كنت تقصد الدين الإسلامي .فلماذا لا تنافح عنه كما تنافح عن الليبراليه بدلا من المطالبة بدين الإنسانية وليتك تبشر بالإسلام كما تبشر بالإنسانية حمد بن ابراهيم الربيعه
  • (واليوم ها هو الدور يأتي علينا،)محاولة أخيرة ويائسة لإيهامنا بأن ماحدث في الأديان السابقة يتكرر في الأسلام..قلنا لك هم عندنا قلة لن يقودونا مثلما لن نسمح لكم بقيادتنا وإذا كانت الحروب الصليبية قامت بأسم الدين فما هو سبب الغزو المغولي وما هو سبب الحربين العالميتين حمد بن ابراهيم الربيعه
  • الناس شهداء الله في أرضه و التعليقات تشهد ، المكتوب هنا هراء لا يمت لأي شريعة سماوية فضلا على أن يكون ذو إنتماء لشريعتنا الإسلامية . عبدالعزيز
  • (فإن الإنسانية لا تعود هي بوصلة الاتجاه، والتي هي في النهاية جوهر الدين الخالص الذي جاءت به الأديان، ) انت تبشر بدين الأنسانية وأخر يصف احدهم برسول الأنسانية وثالث يقول ان دينه الأنسانية وانا اقول لن نؤمن لكم حتى تنزلوا علينا كتابا من السماء نقرأه او تأتونا بمعجزات تثبت دينكم ورسالتكم حمد بن ابراهيم الربيعه
  • وانا يا بدر لا أريد معتقد لا يهمه ديني و هنا فصل الخطاب. فدوى
  • مقالك عجيب -------- الله يحسن خاتمتك--- صالح ابن سعيد ابن ناصر ال تومان الغامدي

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

حالة الطقس  جرافيك الوطن Facebook Twitter الوطن ديجيتال