الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

خواطر في السعودة

إنجازات كبيرة، تحققت على طريق تنفيذ مشروع السعودة. ويمكننا القول إن المشروع حقق نجاحا كبيرا في مجال سعودة الوظائف الحكومية، شملت معظم الوزارات والدوائر. وشملت أيضا عددا من فعاليات القطاع الخاص، وتحديدا المصارف

سعودة الوظائف، مشروع وطني مضى على تبنيه من قبل الدولة ما يقارب العقدين. والهدف منه هو إحلال الكفاءات الوطنية، بديلا عن العمالة الأجنبية. ويحقق ذلك جملة من الأهداف الأخلاقية والوطنية والاقتصادية، وتتداخل هذه الأهداف مع بعضها، بحيث يصعب الفصل بينها.
تحقيق سعودة الوظائف يعني القضاء على البطالة واستثمار الكفاءات الوطنية، لتؤدي دورها في معركة التنمية والبناء. وذلك ما نعنيه بالأبعاد الأخلاقية والوطنية. وسيكون من نتائج ذلك، الحفاظ على مدخرات الوطن، كوننا ننفق مليارات الريالات، تخرج من دخل كل فرد سعودي، في صيغة رواتب وأجور مدفوعة للعمالة الأجنبية. إن بقاء هذه الأموال داخل البلاد، وتدويرها، سيسهم دون شك في دعم عجلة الاقتصاد، وتحقيق الازدهار والرخاء في البلاد.
والواقع أن إنجازات كبيرة، تحققت على طريق تنفيذ هذا المشروع. ويمكننا القول إن المشروع حقق نجاحا كبيرا في مجال سعودة الوظائف الحكومية، شملت معظم الوزارات والدوائر. وشملت أيضا عددا من فعاليات القطاع الخاص، وتحديدا المصارف. حيث اقتربت سعودة الوظائف في هذه المجالات من الاكتمال. وفي مجالات القطاع الخاص الأخرى، نجحت خطط السعودة، ولكن بنسب متفاوتة. إن القراءة الدقيقة تقضي بالاعتراف بوحود معوقات كثيرة، تواجه هذه الخطط، وتحول دون تحققها بالسرعة المطلوبة. هذه المعوقات، بالتأكيد مركبة ومعقدة، بعضها يمكن التغلب عليه سريعا، بسن القوانين والتشريعات، وبعضها الآخر، يتطلب إعدادا وصبرا وتأهيلا للكوادرالسعودية، لتكون قادرة على الإحلال مكان العمالة الأجنبية.
لعل أهم معوقات السعودة في القطاع الخاص، هو عجز هذا القطاع عن مقابلة توقعات الشباب السعودي، فيما يتعلق بالراتب الشهري، والاستحقاقات الأخرى، من توفير بدل السكن والنقل. فرأس المال، كما يقال جبان، يسعى للحصول على أعلى المكاسب بأقل التكاليف. لذلك يفضل القطاع الخاص، الاعتماد على الموارد البشرية الأجنبية، لكونها أقل كلفة في الأجور، من تلك التي يتطلع لها الشباب السعوديون. فالأجور التي تدفع للعمالة الأجنبية، في واقع الحال، منخفضة بالنسبة للمستوى المعيشي بالمملكة، إلا أنها تعتبر مرتفعة جدا قياسا بمستويات المعيشة في البلدان التي قدم منها العمال الأجانب.
يضاف إلى ذلك، أن معظم العمال الأجانب، يتوفر لهم سكن داخلي، توفره المؤسسات التي تستقدمهم. كما تتوفر لهم وسائل النقل. وحتى الغذاء يتم تأمينه من قبل بعض الشركات الخاصة. بمعنى أن العمالة الأجنبية توفر معظم دخلها، وتقوم بتحويله إلى الخارج. في حين لا تكفي هذه المرتبات لمقابلة احتياجات الشباب السعودي، التي تتضاعف بشكل مطرد.
إلى جانب ذلك، تبدو العلاقة بين القطاع الخاص والعمالة السعودية مشوبة باستمرار بحالة من انعدام متبادل للثقة. فرب العمل، يشعر باطمئنان أكبر للأجنبي، الذي يواصل العمل في الغالب، ضمن المؤسسة التي تستقدمه لحين انتهاء فترة العقد. بل إنه يعمل جل جهده على تجديد عقده، من خلال تحسينه لأداء عمله. وهكذا يحقق رب العمل، من خلال احتفاظه بالعمالة الأجنبية عدة مكاسب في آن واحد: انخفاض في الرواتب وضمان لاستمرارية سير العمل بوتيرة مقبولة.
إن معالجة هذه الظاهرة السلبية، بحاجة لجملة من الخطوات، لعل أهمها العمل على تنمية الوعي الوطني لدى أرباب العمل والعمال السعوديين على السواء. ونتطلع إلى أن يسهم المرسوم السامي بتحديد الحد الأدنى للأجور بـ 3000 ريال في معالجة هذه المشكلة، حيث ينبغي أن تتكفل الرواتب المدفوعة للعمال السعوديين بتأمين احتياجاتهم الأساسية للعيش الكريم.
هناك أيضا معضلة أخرى، تعيق عملية السعودة، تتلخص في شعور القطاع الخاص، بأنه لا يوجد ما يلزم العامل السعودي بالاستمرار في العمل، بعد حصوله على التأهيل والتدريب اللازم، لعدم وجود عقد ملزم له بالاستمرار في العمل، ونظرا لوجود فرص أخرى أفضل، وتعدد الخيارات أمامه. في يقيني أن هذه القضية هي من الأسباب الرئيسة لعدم حماس القطاع الخاص للتجاوب الإيجابي مع خطط السعودة. وحلها لن يكون مجديا إن تم تطبيقه قسريا، دون التعامل موضوعيا مع مشكلة بحث الشباب السعودي باستمرار عن فرص أفضل، والانتقال السريع، من مؤسسة إلى أخرى، ومحاولة إيجاد حلول عملية لهذه المشكلة.
هنا يحضرني برنامج الرئيس الأميركي، بيل كلينتون للقضاء على البطالة في الولايات المتحدة الأميركية. ولعل من المفيد اقتباس شيء من تجربته الفريدة، وتطبيقها في برامج السعودة. لقد طرح كلينتون، أثناء حملته الانتخابية الأولى برنامجا متكاملا لحل أزمة البطالة في الولايات المتحدة الأميركية. وكان ذلك البرنامج من أحد أسباب وصوله لسدة الرئاسة في البيت الأبيض.
فقد رأى الرئيس كلينتون أن التعاون بين السلطات الحكومية والقطاع الخاص، في برنامج القضاء على البطالة، هو شرط لازم لنجاح خطة التدريب والتأهيل للعاطلين عن العمل. قضت خطة القضاء على البطالة في برنامجه، أن تطلب مكاتب العمل، من القطاع الخاص تقديم كشوف باحتياجاتها من العمالة، ونوعية الشهادات والمؤهلات المطلوبة لشغل تلك الوظائف، والتفاهم حول الأجور التي ينبغي دفعها لكل وظيفة. بعد فرز تلك الكشوف، تشكل لجان مشتركة من مكاتب العمل والقطاع الخاص، لعمل امتحانات للمتقدمين للوظائف، وأيضا لتدريبهم وتأهيلهم بشكل مشترك، للالتحاق بتلك الوظائف. وتؤخذ تعهدات على المتقدمين لهذه الوظائف بعدم ترك وظائفهم خلال سنوات محددة، لكي لا يهدر الجهد المبذول في إعدادهم.
ويسجل لإدارة كلينتون، التي استمرت لدورتين رئاسيتين، نجاحها الباهر، في حل المشكلة الاقتصادية، وفي المقدمة تخفيف حدة البطالة بالمجتمع الأميركي بنسب كبيرة جدا.
هذه ليست على أية حال، دعوة لاستنساخ التجربة الكلينتونية في سعودة الوظائف، فليس بالإمكان نقل أي تجربة إنسانية حرفيا، من مجتمع إلى مجتمع آخر. لكن ذلك لا يعني عدم النظر إليها، وقراءتها بجدية من قبل المسؤولين والمعنيين بتطبيق برامج السعودة، والاستفادة منها، وتبيئتها، إن كان ذلك ممكنا.

يوسف مكي        2011-04-27 3:17 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 4 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • انا اشتغل في قطاع خاص واعاني من تدني الراتب اتمنى انه يطبق أمر المرسوم الملكي بان يكون الحد الادنى لااجور 3 الاف فراغ ساملاه لاحقا
  • لايمكن سعودة كل الوظائف طالما ان تفكير السواد الأعظم من شعبنا لايزال يعتبر أن الصنعة والعمل اليدوي منبوذ وغير محترم . بالإضافة الى ماتقدم به الكاتب فيجب أن نصحح بعض الأخطاء التربوية ونعتبر كل عمل شريف محط تقدير واحترام لنتمكن من زيادة السعودة عربي
  • شكراً إستاذ/ يوسف لإهتمامك بهذه القضية .. يحتاج سوق العمل أولاً : إلى التنظيم ووضع ضوابط تكفل حقوق وواجبات كل من أصحاب المنشأت والعمال كما هو الحال في أنظمة الخدمة المدنية .. ثانياً : على الحكومة الحد من الإستقدام مع تقليص العمالة السائبة المنتشرة في كل مكان في المملكة والتي تستفيد ولاتفيد وتشكل ضغطاً على الخدمات العامة وتضايق المواطنين الراغبين في العمل . نريد حلولاً جذرية لاجزئيه.. عبد الله الصالح..
  • صباح الخير للجميع ,, خاطرة جيدة جداً من الدكتور ولكن الكل يعلم ان الحكومة تسعى دائماً في عملية السعودة و قضاء على البطالة على شكل حملات موسمية وفي النهاية سرعاً ما تنطفي هذه الشمعة و تنخفظ الهمم , وتبدا شركات القطاع الخاص بالتلاعب و المراوغة على الانظمة و القوانين حتى نصل الى نقطة البداية ,,, وتستمر الحكاية ز نواف العنقري

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

حالة الطقس  جرافيك الوطن Facebook Twitter الوطن ديجيتال