الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

عندما يفجؤك المسؤول

يلجأ بعض المسؤولين إلى حصر ما يظن أنه يهم الكاتب، فيُرسل إليه من يَعِدُهُ بتحقيق كل تلك الأمور التي سبرها وقطع بأنها الطُعمُ اللازم لاقتناص الهدف، ويجعل العوض لكل تلك المغريات هو الحصول على اعتذارٍ مكتوب

للمسؤولين ـ تجاه ما يُبعث إليهم من اقتراحات، أو يُنشر عنهم من انتقادات في وسائل الإعلام ـ مواقف متعددة، بعضها لا يخلو من الغرابة، وبعضها يحكي نفسية المسؤول، ويكشف عما تنطوي عليه حقيقته، وإن غالب نفسه في إظهار ما يُخالفها، أو حاول مقاومة طبيعتها أمام الملأ.
وكانت بدايات تعرضي لتلك المواقف الطريفة منذ عام 1402 وحتى الأسبوع الماضي، ولعلي لا أطيل في بسط تلك المواقف، فأوجزها فيما يلي:-
1- الشكر والتخدير. نعم!، التخدير بالخاء، وليس بالقاف؛ كما قد يخطر على بال القارئ الكريم، وذلك بأن يكتب المسؤول لصاحب الاقتراح خطاباً يشكره على اقتراحه، وَيَعِدُهُ بتحقيقه قريباً، ثم تمضي ثلاثون عاماً، والوعد لا يزال قائماً!.
2- اللاءات الثلاث. لا أسمع، لا أرى، لا أتكلم: هذه اللاءات الثلاث هي موقف بعض من يُكتب لهم أو عنهم، وإن كان أغلبهم يبدأ بتلبُّس هذا الموقف أول الأمر، ثم ينهج نهجاً آخر مما سيأتي ذكره من مواقف.
3- التجهيل والتغفيل. بعد اقتراحي ـ بشأن ما يُنقض من أحكام القضاة بالأكثرية ـ أن يُعرض الحكم تلقائياً على ما يُسمى اليوم (المحكمة العليا) تلقيت اتصالاً من مسؤول أوجز اتصاله بأنني أرى بعينٍ واحدةٍ وهو يرى بعينين اثنتين. فقلت له: لعلك تقصد أنني بنيت اقتراحي على منظوري في حدود (محكمة، أو محافظة، أو منطقة)، وأنت تنظر في مشمول حدود الدولة كلها. فقال: نعم!. فقلت له: إذاً أنت لم تقرأ الخطاب كله؛ لأني بنيته على مستوى المملكة من واقع الكتاب الإحصائي السنوي، فلجأ إلى الموقف التالي.
4- المنة بالتهديد. هذه الحال واجهتها كثيراً، وخلاصتها قول المسؤول: سوف أحفظ هذا الاقتراح؛ لأنه لو وصل إلى الجهة الفلانية لكان لها معك شأنٌ لا يُرضيك.
5- النُّدبة والاستغاثة. جمع أحدهم ما قدر عليه من مقالاتي الناقدة، ورفع بشأنها محذراً مما تَعُودُ به على القضاء بحسب منظوره هو، فورد الجواب بلزوم الإجابة عما جاء فيها، وفي نفس الصحيفة طبقاً للتعليمات، ولأنه لا يملك الرد المُلاقي فقد ألقى الأوراق في غياهب الحفظ.
6- أحبولة الترغيب. يلجأ بعض المسؤولين إلى حصر ما يظن أنه يهم الكاتب المستهدف، فيُرسل إليه من يَعِدُهُ بتحقيق كل تلك الأمور التي سبرها وقطع بأنها الطُعمُ اللازم لاقتناص الهدف، ويجعل العوض الأوحد لكل تلك المغريات ـ في نظره ـ هو الحصول على اعتذارٍ مكتوب؛ لِيُوصله إلى من يعنيهم الأمر، فيعذرونه فيما نقموه منه، وقد يتكفل الرسول بإيصال الاعتذار بنفسه؛ لرفع الحرج عن المعتذر، فإن لم تُجدِ هذه الأحبولة انتقل إلى الموقف السابع.
7- الترهيب الأعمى. هذا الموقف لا يصل إليه إلا من غَرَّته قُدرته على الظلم، وَعَمِيَ عن قدرة الله عليه، والفاعل وإن كان يظن أنه قد يُدرك ما يَتَوَعَّدُ به غيره ظلماً؛ إلا أنه يذوق حتماً من ذات الكأس قبل أن يَنعم بِتَحَقُّقِ ما سعى إليه، وصدق الله العظيم {قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ}.
8- التشكي والعويل. وهذا الموقف يلجأ إليه البعض عندما تتوالى الاقتراحات والانتقادات على صفحات المجلات والصحف، فيسلك هذا الموقف العاجز هادفاً إلى: استجداء صدور أمرٍ بمنع الكاتب من النشر بالكلية، لعل إيقاف الكاتب أن يَرتُقَ ذلك الفَتقَ في جسد سياسته الأجوف، وما علم هو وأمثاله: أن الشق أكبر من أن يُرقع، فكيف بهم!، والشقوق تملأ أُهُبَ دوائرهم المهترئة.
هذه المواقف الطريفة تدل على ضعف الخلفية الإدارية لدى بعض المسؤولين، كما تدل على ضعف جاهزيتهم لمواجهة المواقف الناقدة، وعلى اتكاء بعضهم على مطلق الانتماء إلى مؤسسةٍ ذات تقديرٍ وإجلالٍ لدى الدولة؛ غير أنهم يغفلون عن أنَّ حقَّ مؤسستهم على الدولة لا يسري على: من تنتكس بسطوته الموازين، فَيُسعد بهم المطفِّفون، ولا على من: تضيع بغفلتهم الحقوق، فَيَنعم بهم المفضولون، ولا على من: يستظل بمقامهم البغاة على الأنظمة، فَتُنتهك في ظلالهم حرمات الدولة.
غير أن الخير ـ من فضل الله تعالى ـ غالبٌ على مسؤولي بلادنا، ومنها: الموقف التالي والأخير:-
9- المبادرة بالتوضيح. لقد أعجبني موقفٌ لمسؤولٍ من مسؤولي وزارة العدل المتقدمين؛ حين تفضل بزيارتي، وبحث معي موضوعاً نشر في منتدى (مركز الدراسات القضائية التخصصي) الذي أحمل شرف مهمة (المراقب العام) في هذا المنتدى القضائي، والموضوع بعنوان (الفروق الخمسة بين المكتبة المركزية للبنات ومحكمة جدة!) ومع أنه ليس من الموضوعات التي كتبتها، ولم أشارك فيه أصلاً؛ لأن فيه من المقارنات ما يجعل مقصوده من الطرافة والفكاهة أكثر مما فيه من الموضوعية، غير أن هذا المسؤول وجد أن التفاعل على هذا الموضوع كان مؤثراً؛ بحيث شوهد ألف مرة في عشرة أيام، وهذا العدد قليل إلا في مثل هذه المنتديات المتخصصة؛ فمعشار هذا العدد من رجال القضاء في أقل تقدير، ولذلك رأى هذا المسؤول اتخاذ موقف (المبادرة بالتوضيح)، وهذا الموقف أفضل المواقف التي مررت بها مع المسؤولين عن المؤسسة القضائية.
ابتدأ المسؤول توضيحه بأن قال: لقد ساءني كثيراً ما رأيت من صورٍ لمحاكم في محافظاتِ ومراكزِ بلادنا، كما ساء ذلك جميع المسؤولين في الوزارة، وعندما اطلعنا على ملفات تلك المحاكم وجدنا الآتي:-
أولاً/ إن هذه المحاكم مستأجرة في عهد الوزارة السابقة.
ثانياً/ إن بعض المحاكم المنقولة صورها قد استبدلت بأحدث منها، فبعضها انتقل إلى المقر الجديد، وبعضها في طور التجهيز.
ثالثاً/ إن الوزارة قد وقعت عقود إنشاء مبانٍ حكوميةٍ مجهزةٍ تجهيزاً حديثاً لأكثر المحاكم المستأجرة. هكذا قال
لم أكتف بما أفاد به ذلك المسؤول؛ رغبةً مني في الحصول على معلوماتٍ أكثر دقة، فاتجهتُ نحو مسؤولٍ أكثر التصاقاً بالمشاريع، فسألته عن مباني (المجمعات العدلية والمحاكم) ومشاريعها، فأفاد بالتالي:
أ- أرست الوزارة اثنين وثلاثين مشروعاً.
ب- يوجد ثلاثة عشر مشروعاً قيد الإنشاء.
ج- تسلمت الوزارة خمسة عشر مشروعاً.
د- استبدلت الوزارة تسعين مبنى من مباني المحاكم القديمة بأخرى جديدة مجهزة تجهيزاً حديثاً.
هكذا أفادني المسؤول العدلي الثاني خلال مكالمةٍ لم تستغرق أكثر من ثلاث دقائق، وقد لفت نظري: أن مجموع هذه الأعداد يزيد على خمسين في المئة من مجموع المحاكم في المملكة، ولا شك أن تجديد نصف محاكم المملكة بهذه الصورة خلال سنتين ـ من عمر الوزارة الجديدة ـ أمر يستحق الإشادة والتقدير. فشكر الله لكل من قام على هذه الإنجازات ـ في الوزارة الموقرة ـ حسن سعيهم بتصحيح الأوضاع المزرية بقلاع القضاء السعودي؛ العاطرة بقُضاتها النُجُب، والعامرة بقضائها العَجَب. وشكر الله للمسؤولَينِ العدليَينِ كريم تجاوبهما، وجميل توضيحهما، وأخص الأولَ بالشكر على جليل مبادرته، وأُكبِرُ فيه عزيز تواضعه بتأكيد عدم الإفصاح عن شخصه.

ناصر الداوود        2011-06-05 1:51 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 10 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • شيخ ناصر : نريد مقالا عن حقوق المحامين في مجالس الحكم وحق المحامي على الوزارة بحمايته لأن دور الوزارة مقتصر على التاديب والمحاسبة فالتضييق علينا تضييق على حقوق الخصوم محامي واعاني
  • تُبنى الاوطان بالقوانين المكتوبة و ليس بالفتاوى المؤقتة،لا نريد فتوى ادارية او نظامية او غيرها قابلة للتجديد حسب التساهيل.نريد من اي مسؤول ان يكمل ما بدأه من سبقه في الاداره، لا ان يبدأ فترته بفتوى تنتهي صلاحيتها بخروجه. عندنا مثل في الديرة يقول(سَوق صبيح)؛ و صبيح هذا ثور يستخدم للسقيا .مشكلة صبيح انه كلما رفع دلواً من الماء شربه قبل ان يصل الفلج ،و اصبح ماء البئر يا دوب يكفي صبيح و سائسة. حسن الغامدي
  • ! الواقع المخجل المر للمباني العدلية أفصح من كل هذا الكلام والتخطيط! اذهب إلى أفقر الدول وستجد أن صروح العدالة أفضل الصروح! محاكم دبي لم يستغرق بناؤها 9 أشهر الواقع المر
  • هناك مثل فرعوني من الاف السنين يقول. لولا حرية القول ماعرفنا طعم المديح . وقول عمر رضي الله عنه .رحم الله امرأ اهدى الي عيوبي . كيف نعالج المريض اذا لم يقل آه؟؟؟ د.فهد الماضي
  • الكاتب للأسف لم يكن موضوعيا في مقاله الحارثي
  • الكاتب للأسف لم يكن موضوعيا في مقاله الحارثي
  • اين الشفافية قي وزارة العدل؟ كل معلومات د. ناصر التي بني عليها المقال بناء على أنه (زاره مسؤول رفيع، وهاتف مسؤول آخر)!! الصلات الشخصية ليست علامة على حسن أداء أي وزارة وإنما صدى الشارع فلتستمع إلى ما يقوله المراجعون لوزارة العدل وكتاب العدل من سوء الخدمة والمباني وكل يوم الخدمة تزداد سوءا أين الشفافية
  • جامعة الأمير نورة أكبر جامعة في العالم استغرق بناؤها سنتين فقط!! ومباني وزارة العدل استغرق التخطيط لنصفها سنتين ونصف!! هذا هو الإنجاز الذي يتحدث عنه صاحب المقال! اقتراح هام
  • جامعة الأمير نورة أكبر جامعة في العالم استغرق بناؤها سنتين فقط!! ومباني وزارة العدل استغرق التخطيط لنصفها سنتين ونصف!! هذا هو الإنجاز الذي يتحدث عنه صاحب المقال! اقتراح هام
  • أين الموضوعية يارجل! المحكمة الجزئية بجدة تشكو حالها لربها والمصيبة أن تلك الإنجازات المذكورة في المقال كلها حبر على ورق لم ينفذ منها شيء إذا الكاتب يعتبر أن مجرد التخطيط الذي استغرق سنتين إنجاز وعليه فالتنفيذ إذا استغرق عشرة سنوات يعتبر انجازا عظيما الموضوعية أولا

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.