الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 
آخر تحديث: الأحد 27 مايو 2012, 1:44 ص

التعليم في السعودية: طموحات وتحديات

هناك بعض المحاولات الجيدة للاستفادة من بعض المناهج الحديثة في بعض التجارب العالمية الناجحة، إلا أنها قليلة جدا ولا تُحرك المياه الآسنة في بحر التعليم الوطني

اليوم، تعود للحياة مجددا أكثر من ٣٠ ألف مدرسة تنتشر على امتداد الوطن الكبير، لتستقبل أكثر من ٥ ملايين طالب وطالبة، يُرافقهم على مضض أكثر من نصف مليون معلم ومعلمة. وأعتذر للقارئ العزيز لكثرة استخدامي لـ"أكثر من"، وذلك بسبب غياب الأرقام والإحصائيات الدقيقة في وزارة التربية والتعليم، وأظن الأمر كذلك في مختلف الوزارات والقطاعات والمؤسسات الوطنية، بل إن ذلك الغياب غير المبرر للرقم الصحيح يكاد يطال كل تفاصيلنا الصغيرة والكبيرة، العامة منها والخاصة. فيبدو أن لا أحد يؤمن بأن مسيرة التنمية الوطنية الشاملة والمستدامة تعتمد في المقام الأول على وجود الأرقام والنسب والإحصائيات الدقيقة والواضحة والشفافة.
الكتابة عن الواقع الحقيقي للتعليم في الوطن، معوقاته وطموحاته وتحدياته، أمر معقد وشائك، بل ومثير ومدهش، ومحاولة سرد كل الأسباب الكثيرة التي أدت إلى هذا التراجع الخطير في مستوى التعليم في الوطن غير ممكن في هذه المساحة الصغيرة التي يُتيحها مقال بسيط كهذا، فقط سأذكر أربعة منها، أجدها الأهم والأكثر تأثيرا، خاصة وأنا قريب جدا من سرك ـ أقصد سلك ـ التعليم الذي قضيت فيه أكثر من عقدين من الزمن.
نحن حتى الآن، لا نحمل إيمانا حقيقيا أو قناعة راسخة بأهمية التعليم باعتباره الركيزة الأساسية والخطوة الأولى لتقدم وتطور الأمم والمجتمعات، سواء من قبل القائمين على العملية التعليمية، أو من غالبية المجتمع السعودي. نحن لا نرى في التعليم إلا وسيلة للحصول على شهادة ما في نهاية المطاف لتكون بمثابة اعتراف رسمي لحاملها لكي يحصل على وظيفة هنا أو هناك، هذا إذا كان محظوظا ولم ينتظم في ذلك الطابور الطويل من الحالمين والعاطلين في وطن يعمل به أكثر ـ وأكثر هنا غاية في الدقة ـ من ٨ ملايين أجنبي.
أما المناهج، فتلك قضية مثيرة حقا، فبعضها لم يطرأ عليه التغيير منذ عقود طويلة، خاصة في بنيتها المعرفية والعلمية. نعم، هناك بعض المحاولات الجيدة للاستفادة من بعض المناهج الحديثة في بعض التجارب العالمية الناجحة، إلا أنها قليلة جدا ولا تُحرك المياه الآسنة في بحر التعليم الوطني. أيضا، هناك إشكالية أخرى تواجه مناهجنا التربوية التي تغص بركام هائل من التراث الثقافي التقليدي الذي لم يعد قادرا على مواكبة التطور الكبير في قطاع التعليم على المستوى العالمي، إضافة إلى تنامي ظاهرة الخوف من قبل البعض من كل ما تنتجه الثقافة الغربية التي تتفوق في مناهجها التربوية.
التعليم الإلكتروني، الذي يُعتبر الخيار الأول والمفضل في كل المدارس التعليمية العالمية، حتى الآن ما زال في مربعه الأول بالنسبة لنا، مربع الخوف والشك والتردد والجمود. لا وجود للتعليم الرقمي في جامعاتنا ومدارسنا، فضلا عن قناعات صُنّاع التعليم في وطننا. الآن، الاتجاه العالمي نحو ترسيخ مفهوم التعليم الإلكتروني، وعصر "الآيباد" بكل تقنياته وإمكاناته المذهلة دشن ثورة حقيقية في قطاع التربية والتعليم في كل الدول المتقدمة والمتحضرة، في حين ما زلنا نعشق رائحة الورق وسحر الحبر، ونُنفق المليارات الكثيرة في طباعة تلك الكتب الدراسية "الفاخرة" التي لا أجد لها مثيلا في أناقتها ولمعانها، وأيضا في عددها ووزنها. وأظن ـ وبعض الظن إثم ـ بأن الأموال التي تُهدر لطباعة كل تلك الملايين من الكتب الدراسية التي تُرمى مباشرة بعد كل اختبار، لو أنها وجدت طريقها نحو تزويد مدارسنا بوسائط ووسائل التقنية الحديثة لكي ننتقل فورا لهذه الثقافة الرقمية الفعّالة. لم يعد "الآيباد" وغيره من تلك الوسائل التقنية الجديدة ترفا، بل هو ضرورة ملحة لمواكبة التطور الهائل في مستوى التعليم في العالم.
المعلم، وهو حجر الزاوية في العملية التعليمية، و"رسول" العلوم والمعارف والثقافات والخبرات، ينقلها من جيل لآخر، ومن حضارة لأخرى. بصراحة شديدة، يواجه حزمة كبيرة من الصعوبات والإحباطات والتحديات مما تجعله أسيرا لصورة نمطية سلبية يحملها المجتمع بكل مكوناته، صورة كاريكاتورية ساخرة، بل ومهينة. لا بد من تحرير رسالة المعلم من كل أشكال البيروقراطية الوظيفية والإدارية، فمهنة التعليم تختلف كثيرا عن المهن والوظائف الأخرى التي تتطلب عملا إداريا تقليديا يُدار وفق قرارات ومعايير وعقليات تهتم كثيرا بالمحافظة على الهيكل الإداري والوظيفي، بعيدا عن الجوانب النفسية والإبداعية والاجتماعية، التعليم ليس هكذا أبدا. المعلم بحاجة ضرورية للخروج من ثقافة العمل الإداري إلى فضاء الإبداع والإنجاز والحرية والانطلاق والتدريب، خاصة وقد تقرر أن يكون هذا العام هو "عام المعلم" كما صرح بذلك وزير التربية والتعليم. ليكون عاما حقيقيا للمعلم!
قضية التعليم كبيرة ومعقدة، وتحتاج إلى خطة علمية للنهوض بمستوى التعليم في وطن يحصل فيه قطاع التعليم على الميزانية الأكبر على الإطلاق من الميزانية العامة للدولة.

فاضل أحمد العماني        2011-09-10 1:32 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 51 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • وللأسف الشديد حتى في محاولتهم لتطوير المناهج ووضع المحتوى فالمعلم مهمش من المشاركة ويأتون باشخاص من خارج المؤسسة بحكم إمتلاكهم الشهادات العالية هذا ليس عيبا ولكن فيه عدم مصداقية تجاه المعلم فالمفروض أن يكون مشاركا فيما سيقدمه وليس متفرجا وفي نهاية الأمر مؤديا لمعرفة غير مقتنع بها وبالتالي كيف سيقنع تلاميذه modest
  • نعم المعلم اصبح كاراكتر للسخرية والتعليقات المعيبة. لابد من اعادة هيبة المعلم والتعليم كاريكاتير
  • هناك بعض المحاولات الجيدة للاستفادة من بعض المناهج الحديثة في بعض التجارب العالمية الناجحة، إلا أنها قليلة جدا ولا تُحرك المياه الآسنة في بحر التعليم الوطني احمد
  • سالت اخي الصغير اليوم عن المدرسة فقال لي بصوت مرتفع: هذي مو مدرسة ، هذي سجن نغم الجنوب
  • أ / فاضل تسلم يمينك ،صدقت في الوصف الدقيق جداً لحال تعليمنا المزري ومناهجه وأساليبه و طرق تدريسه ، و نأمل تطويره برمته وعن بكرة أبيه تطويراً حديثاً ضمنياً لا شكلياً فقط ... بالتوفيق لك أيها المبدع . رانيا
  • التعليم يشتكي ويئن وجرحه لازال لم ولن يبرأ في ظل وجود التفكير البيروقراطي والنظرة القاصرة وبقايا من تخبط قديم , يشرع في تنفيذ قرار يعتمد على قرار هو الأهم لم ينفذ ولم تفتح أوراقه بعد ويقال أنه عام المعلم ثم تكون إدارات التعليم آخر من يعلم ,,تكسر ظهور التلاميذ بحزم من الكتب تنوء بحملها السيارات ثم يقال أين الرحمة بالتلاميذ وأيضا تعليمنا كميا لاكيفيا ولعمري أن سطرا من الكيف يوازي آلاف الصفحات التي تعج بعدم الفائدة !! أزهار
  • ٣٠ الف مدرسة، ٥ مليون طالب وطالبة، نصف مليون معلم ومعلمة، ما هذا؟ ، تقريبا ثلث سكان الوطن في التعليم، اضافة الى ان الباقي مشترك في ذلك. اذا اليس هذا امر خطير؟ لحظة تأمل
  • مع مقال اخر يقذف بالجمر على الجرح المكشوف, عام المعلم..المدارس تفاخر بجاهزيتها..القنيات التعليمية الحديثة توفرت لكافة المدارس..و ليس من سمع كمن رأى وجدان
  • لا مناهج ولا معلمين ولا مدارس ولا ادارات ولا طلاب راغبين. اذا كيف هو مستوى التعليم مع كل هذه المشكلة ياسين
  • الكتب الدراسية الفاخرة" ، هل كتبنا فاخرة؟ مجرد سؤال؟ مروة
  • ستزداد خطوط الطلاب سوءا أما الأخطاء الإملائية فحدث ولاحرج . إبراهيم عسيري
  • اي تعليم الكتروني وبعض المناطق ما تعرف الكهرب ؟ والكثير من الطلبة ما عندهم قيمة سندوتش . منصور
  • شكراً لك استاذ فاضل. حقيقة لقد تناولت مشكلة التعليم بكل موضوعية وبأبعاده واساساته واوضحت المشاكل الرئيسية. وتظل المشكلتين الأكبر في التعليم هي المنهج التقليدي وعدم توفر الوسائل والتقنيات. وما عدا ذلك فهي اشياء اقل اهمية. عبدالرحمن الشهري
  • فرورة ، لا فض فوك الليدي
  • مقال مناسب لهذا اليوم العصيب على اطفالنا الذين لا يحبون مدارسهم ، بل هي ليست مدارسهم ، فهم لا يشعرون باي انتماء لهذه السجون التي تسمى تجاوزا مدارس. استاذ فاضل مقالك جميل وطرحك رائع محمود
  • قرات ان دبي قررت ان يكون الايباد بديلا لكل الكتب الدراسية. دبي وليس بريطانيا ولا امريكا ولا اليابان. اين تعليمنا من دبي؟ فرفورة
  • نطالب بتكوين لجنة عليا لتقييم مستوى التعليم (خريج ثانوي بامتياز يخطئ بالقراءة والكتابة التي بالاولى أن يجيدها خريج الابتدائي.نريد تعليم وتربية جيد . الضويحي
  • المعلم ، المنهج ، التلاميذ ، الوزارة ، المباني الدراسية ، والكثير الكثير . المشكلة كبيرة جدا ولا ثمة حل لها سوسو
  • نحن حتى الآن، لا نحمل إيمانا حقيقيا أو قناعة راسخة بأهمية التعليم باعتباره الركيزة الأساسية والخطوة الأولى لتقدم وتطور الأمم والمجتمعات، سواء من قبل القائمين على العملية التعليمية، أو من غالبية المجتمع السعودي. نحن لا نرى في التعليم إلا وسيلة للحصول على شهادة ما في نهاية المطاف لتكون بمثابة اعتراف رسمي لحاملها لكي يحصل على وظيفة هنا أو هناك، ابو عبدالعزيز
  • اين التعليم الالكتروني من مدارسنا؟ سؤال للقائمين على العملية التعليمية معلم رياضيات
  • مقال في الصميم ..تطوير التعليم يبدأبتطوير المعلم أولا واحترامه وتقدير جهوده فتطوير المنهج وحده مع مايلقاه المعلم من جفاء واستعبادغير كاف لإحداث نقلة نوعية في تعليمنا .. أمير الظلام
  • احسنت عزيزي الكاتب، فالتعليم في بلدنا لم يرقى لتطلعات الكل متابع
  • الدوله لم تقصر في شيء والأخوه قالو ما لديهم انا هنا ارغب ان اتسائل عن تصميم المدارس يا اخوان من يخطط لبناء المدارس او الجهه المنسقه مع البلديات لأختيار المساحه اللأزمه لبناء المدارس ليس لها دخل بالمستقبل وتأخذ مساحة ارض لا تكفي لفصلين وكأننا نمتلك مساحة البحرين وليس قاره كالمملكه اين هذه الجهات المسئوله مدرسه كأنها سجن وتريد الطالب لا يرفض الذهاب\ ابوعريضه
  • قد قلتها من قبل وعن تجربه التعليم لدينا ضعيف ومازال وسيستمر ضعيف والنصيحه التي اقدمها للاهل اهتموا بتعلم اللغات لآطفالكم من الصغر واكثر من لغة واحدة هذا الشئ الوحيد الذي ينفعهم في في دراستهم خاصة في الخارج لن يلتفتوا لمعدل القدرات او اختبار الثانوية قل او كثر اجادتهم للغة هي مفتاح قبولهم مسمار
  • الامير فيصل يحاول كثيرا .. متابع

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

حالة الطقس جوال الوطن Facebook Twitter الوطن ديجيتال