الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

أنصت لتفهم

على هامش منتدى الإعلام العربي الذي انتهت فعالياته يوم الأربعاء الماضي في مدينة دبي، تقاطعت الأجندات السياسية بين إعلاميي العالم العربي وتنوعت الأفكار بين من أتى للاستفادة وبين من أتى للقيام بدور المرشد والمعلم والمنظر، كثير منهم خرج بدروس مستفادة، وربما الكثير الآخر لم يترك أي بصمة إلا صوتا عاليا تعليقا على سؤال وهجوما على شخص أو استهجانا لنتيجة تصويت.
بالنسبة لي، كان المؤتمر إلى جانب كونه المكان المناسب للالتقاء بالزملاء الإعلاميين العرب فرصة سانحة للخروج بدرس أو درسين بإمكانهما أن يجعلا مني إنسانا أكثر فعالية وفهما في هذا العالم المتجدد والمتغير، وبحكم أن الإعلامي بطبعه يبحث عن تفسيرات لما يقلقه من ظواهر، فقد بقيت إشكالية فكرة حرية التعبير بالنسبة لي موضوعا كان ولا زال يؤرقني ولا زلت أحاول البحث عن حدوده ومكوناته الطبيعية، وقد كان لجملتين بسيطتين أطلقتا في المنتدى وقعهما الكبير علي، حيث استطاعتا أن تكشفا لي شخصيا بعضا من ألوان طيف تلك الحيرة التي طالما تركتني معلقا بين ما هو مسموح ونقيضه.
اكتشفت أن تويتر وباقي وسائل الإعلام الإلكتروني قد ساعدت على تحويل العرب إلى مجتمع مستعد لتقبل فكرة حرية التعبير، إلا أنها في ذات الوقت أثبتت إلى حد كبير أننا لا زلنا بعيدين عن فكرة تقبل الرأي الآخر، فكون بعض الدول العربية تمكن فيها التغيير بفعل تلك الوسائل لا يعني ذلك بالضرورة أنها شعوب لديها من الوعي الكافي للتعاطي مع المرحلة القادمة والقبول بالآخر كأساس مكون لما يمكن أن يكون وطنا للجميع.
تكشفت لي حقيقة كانت ماثلة للعيان منذ قرون إلا أننا لم نكن نعي ملامحها أو طبيعتها، فتاريخنا سطرته الكلمات التي قيلت، وبالتالي فإن الكلام شعرا كان أو نثرا هو الوجه الوحيد للمنتصر أو الناجح، وعليه فنحن شعوب تهوى الحديث والحديث فقط في وقت نهمل فيه الاستماع كقيمة، وحينما نقرر أن نستمع فنحن أبعد ما نكون عن معنى الإنصات، فتتحول حواراتنا إلى ضجيج في غالبها وكلام تتوه من عبارته الحروف ليبقى في أذهان المتلقين مجرد أصوات، وربما شيء من صور لا معنى لها.
بين حرية التعبير وفن الإنصات جوامع مشتركة كثيرة؛ أهمها في تقديري أنها الخلطة السرية للحوار الناضج المبني على القبول بفكرة أحقية الرأي الآخر وبالتالي وضع أرضية لتحقيق نتيجة قابلة إما للتطبيق أو محققة لتقارب أو مستهدفة لمصلحة عامة أو مشتركة، وما دمنا لا نعي أن الإنصات للرأي الآخر قد يوصلنا دون أن نشعر للحقيقة الغائبة، فإننا سنبقى في الغالب مجرد أرباب كلمات وظواهر استهجان باطنها وخارجها صوتي بامتياز.

ياسر الغسلان        2012-05-14 1:26 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 1 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • لقد كان ولا زال مجتمعنا أسير لفكرة أن الإنصات و السكوت دليل عجز و جهل، بينما في الحقيقة هما دليلان للحكمة و التأمل. فهد عبالقادر

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال