الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

لماذا يحب أبناؤنا الغرباء؟

نعتقد أننا بالألعاب والحلويات نستطيع أن نعوض غيابنا عن أطفالنا ونكسبهم، بينما في الحقيقة نخسرهم، فلا شيء يعدل وقتنا معهم، حيث يشعرون بالطمأنينة والثقة التي لا تتوافر في أعظم لعبة في العالم

استوقفني وطفلتي (5 سنوات) ممرض بريطاني أثناء زيارتي لصديق في مستشفى بمانشستر. اعتقدت للوهلة الأولى أنه سيمنعها من الدخول بذريعة أن الزيارة للكبار فقط. لكنه سألها عما تمسكه في يدها. فأجابته بأنه دفتر وقلم صغير اشتريتهما للتو من الدكان الذي يقع في الطابق الأرضي للمستشفى. فقال لها: "أوه... أنا ظننتك نادلة في مطعم بسبب ما تحملين في يدك، هل أطلب طعاما سيدتي". فابتسمت وقالت:" نعم". فرد عليها: "أريد بيتزا حجم متوسط، تعلوها طماطم وجبن وفلفل أخضر. كما أفضل دايت ببيسي، لوسمحتِ". تظاهرت ابنتي بأنها تكتب ما يمليه على مسامعها. وعندما أنهى طلبه سألها أن تريه ما كتبت. ناولته الدفتر فلم يجد شيئا. قال لها: "لماذا لم تكتبي طلبي؟". ردت عليه بصوت خفيض: "لا أعرف تهجئة ما طلبت". فقام بتهجئة الطلب مجددا حرفا حرفا، وكان يراقبها وهي تكتب كل حرف في الدفتر ويساعدها على كتابته. وبعد أن انتهت من كتابة طلبه على نحو صحيح بسطت يديها الفارغة داعية إياه لالتقاط البيتزا المزعومة من يديها الصغيرتين. شكرها بحرارة ثم ودعناه، واتجهت معها نحو غرفة صديقي. بعد أقل من 5 دقائق هطل الممرض ديفيد من جديد ومعه علبة ألوان صغيرة أهداها لابنتي، مؤكدا أنها مكافأة لها على البيتزا الشهية التي أحضرتها له، وهو يضع يده على بطنه ويزم شفتيه تعبيرا عن لذة البيتزا التي يدعي أنها قدمتها له. ثم قال لها "هناك في آخر الممر غرفة ألعاب بإمكانك أن تلعبي فيها متى ما أحببتِ". فور أن فرغت من عيادة صديقي ذهبنا معا إلى غرفة الألعاب التي أرشدنا إليها ديفيد، لم تمض سوى دقائق محدودة إلا وابنتي سفانة تهزني بقوة. قلت لها: "ماذا تريدين؟" فأجابت: "ديفيد".
سحر ديفيد ابنتي أكثر من الألعاب المختلفة التي تتراقص أمامها. أحبت سفانة الممرض لأنه تحدث معها، وأصغى إليها، وقبل ذلك منحها وقته. أحبته الطفلة لأنه أعطاها ثقة كبيرة في نفسها خلال لحظات. جعلها تؤمن أنها تستطيع أن تتحدث مع كبار ويعيرونها جل انتباههم. هذه الثقة لا تهبها الألعاب، وإنما نحن. لاحظت أن معنويات ابنتي ارتفعت كثيرا بعد اللقاء العابر مع ديفيد. صارت لينة أكثر معي ووالدتها تلك الليلة. تبتسم أكثر وتتذمر أقل. إننا نمنح أطفالنا الألعاب ولا نمنحهم الثقة. الألعاب تصغر عنهم، لكن الثقة تكبر معهم.
تشكلت لدي قناعة راسخة منذ لقائي بالممرض، طيب الذكر، تتمثل في ضرورة أن أمنح طفلي وقتا أكبر واهتماما أكثر. فالبهجة الكبيرة التي أشعلتها دقائق صغيرة ألهمتني وحفزتني. لاحظت بعد التجربة الفرق في معنويات ابنتي ومشاعرها وحتى ثقتها في نفسها. انعكست هذه الساعات التي أنفقتها مصغيا ومتحدثا على علاقتي بها وعلاقتها بمحيطها. ليس الكبار وحدهم يفضلون من يستمع إليهم فحتى الصغار يفعلون. نقلل أحيانا من شأن وعي أطفالنا من حيث لا نحتسب. نعتقد أننا بالألعاب والحلويات نستطيع أن نعوض غيابنا عنهم ونكسبهم، بينما في الحقيقة نخسرهم، فلا شيء يعدل وقتنا معهم، يشعرهم بالطمأنينة والثقة التي لا تتوافر في أعظم لعبة في العالم.
من المحزن أن نشاهد شخصا كريما في الوقت مع أصحابه بخيلا به مع أطفاله. عندما يكبر أبناؤنا سنشعر بفداحة ما ارتكبناه في حقهم وفي حق أنفسنا. سنجدهم قريبين من الغرباء، بعيدين عن الأقرباء. فالغرباء هم وحدهم من أصغوا إليهم، وتحدثوا، وضحكوا معهم. هم الذين أشعروهم بكيانهم ووجودهم. سنندم حينها كثيرا ونعمل ونأمل أن نصوب ما ارتكبناه مبكرا. لكن للأسف سندرك أن الوقت الذي بددناه سابقا لا يرد ولا يستبدل.

عبدالله المغلوث        2012-06-30 1:08 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 31 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • الأخ القرني ما غيره. شكرا للتنبيه بابتسام على الخطأ. و الحقيقة أنني لم أفقرك و لكنني أفقرت نفسي ذلك أن " الفقرني" بالعامية تعني " الذي أفقرني" و كأني جعلتك من أفقرني و أنت من ذلك براء! المهندس محمد بن أحمد الشنقيطي
  • بوركتَ ياأخي الغالي/ أحمد عسيري ، وأنت أبو المكارم كلها، أنت لا ينتابني تجاهك أي مما تفضلت به وقلته أبداً أبدا ، حفظك الله ، أنت بركتنا وبركة الوطن ياأحمد وفقك الله ،،_ لله دركَ يالسكوبـ دلوشـ _ ولله دركَ يا مهندسنا الغالي/ الشنقيطي ، وأحسنت وكما تفضلت ليست بصنبور نفتحه متى نشاء - حفظك الله بحفظه - وأرجو أن ينالكَ ونالكَ منا بشاشة بعدما أفقرتني حتى صرت الفقرني ماغيره ....... أبتسم :)* . القرني ماغيره
  • شكرا جزيلا أ. عبدالله، المقالة هامة جدا وطريقة عرضك واسلوبك غاية في الإبداع عادل الجابر
  • هل تصدق ياأستاذ ان هناك من المعلمين من يعامل الصغار بعنصرية بغيضة ويسخر من لهجاتهم بخسة sarah
  • تصحيح. الطباع من الإنسان المهندس محمد بن أحمد الشنقيطي
  • شكرا للكاتب و شكرا للفقرني ما غيره. الحب و البشاشة ليسا حالة طارئة بين الحين و الآخر كنصبور الماء نفتحه متى نشاء و نغلقه متى نشاء. الحب و البشاشة جبلة في الإنسان تنشأ مع التربية في السنين الأولى فإذا تمكنت الطبارع من الإنسان لن تزول. الغرب عندما بدأ نهضته قرأ حضارتنا و كتبنا جيدا و المؤسسون للنهضة الغربية الكبرى استفادوا من تراثنا فيما يخص بابي الأخلاق و المعاملات. هذا يعني أنهم استفادوا من الحضارة الإسلامية عدا بابي العقيدة و الماورئيات. المهندس محمد بن أحمد الشنقيطي
  • إذا ندمت على ما مضى فلن تستمتع بلحظات حياتك . حاول أن تبدأ يوماً جديد يحمل معه فرص جديدة يمكن أن توقعك في حب أولادك من جديد صغار كانوا أو بالغين أو حتى متزوجين ولديك منه أحفاد ، وتذكر أن [ الكلمة الطيبة تـجـد مكاناً في كل قلب ] .. أهلاً أخي ' أحمد عسيري ' أسعد الله مساؤوك بكل خير ـ ابـتـسـم :).° دلــوشــ :).°
  • لا شك أن النفوس مجبولة على حب من أحسن إليها فكيف بنفوس أطفال . وقد ترك عندك وعند ابنتك ذلك الممرض أثرا حسنا ومثل صنيعه مع ابنتك يوجد أيضا في مجتمعنا ولله الحمد .لكنك قد أحسنت بتذكير الآباء والأمهات بالإهتمام بأبنائهم لأن بعضهم يعتمد على الخدم إلى درجة تجعل تعلق الطفل "بالشغالة" ربما بعادل تعلقه بأمه ,وذلك خطأ كبير . وقد سبقني الأخوة /القرني ما غيره , وحمد الربيعة , ودلوش , وعاشق البحر بما تتقاصر معه كلماتي فشكر الله لك ولهم ولجميع المعلقين والقراء . أحمد عسيري
  • 10/10 أ ستاذ عبد الله فهد الطبيب
  • كم هو جميل طرحك .. لامستنا بحق أستاذ عبدالله .. إنها من أسس التربية الصحيحة. عمر
  • لولا الامل كانت رجعته باهته ربيع زاهر
  • السلام عليكم أستاذ عبدالله وعلى ضيوفك الطيبين, أعكس السؤال: ولماذا يحب الغرباء أبنائنا؟ قد يكونون بلا أبناء وقد يكون السبب أنهم ملوا من أبناءهم وقد يكونون رأوا شيئا جديدا في أبناءنا وقد يكون الأمر مجرد مجاملة لنا ,, أنظر للواحد منا كيف يتعامل مع طفله الأول ويهتم به منذ ولادته وحتى دخوله للمدرسة وبعدها أنظر كيف يقل هذا الإهتمام مع من يولد بعده. أبوتميم حمد الربيعة...لولا الأمل مابقى بالدنيا رجاوي%لولا الأمل محدن بهالدنيا سلا
  • مقالاتك جميلة بلا استثناء تبحث عن الإيجابية والصور الجميلة وتنقلها بعذوبة ، أحببنا السبت بسببك هالة الخليف
  • صباحكما ومساؤكما أخوي الحبيبين الغاليين / دلوشـ وعاشقنا عاشق البحر ودٌ وحبٌ إبتسامات ، بل أنت الجميل والرائع أخي /عاشق البحر ، كم أراك أخاً طيباً حبيباً غالياً محبوباً أنت وذلك الدلوشـ _ لكما خالص الود والحب....و...... ابتسم :)* . القرني ماغيره
  • احـتـفـل بـإنـجـازاتـهـم ' احـضـنـهـم ' قـبـلـهـم .. دون اعـتـبـار لسنـهـم ..؟ أهـلاً بـالـرائـع عـاشق الـبـحـر ، نـهـارك سعـيـد ـ ابـتـسـم :).° دلــوشــ :).°
  • في الحقيقة ماقام به ديفيد . هذا شيئ مسلم به في تعاليم ديننا وارجع الى سيرة المصطفى مع الأطفال كيف كان يتعامل معهم .. اضف الى ذالك ان ماقام به ديفيد يعد تصرف فردي ..لايعكس كل تصرفات الغرب فأنا ادرس في بريطانيا واعلم ان ليس كل الغرب هكذا .. زهور البيلسان
  • الأطفال ياسيدي العزيز لايحبون الغرباء كما قلت انت ووضحت بل انهم يحبون ماذكرته بالأخير عن وجوب الأهتمام بهم ومنحهم الثقة والتفاعل معهم ... انت حدث معك موقف بصدفة ان بنتك احتضنها عطف هذا الأوربي ديفيد ...وقد اعجبك حمضيات
  • من أجمل ما قرأت .. فــ الدين المعامله .. وعندما يبتسم أبنك او بنتك لا تغضب منه .. امرح معه وشاركه المرح .. ووجه له النصح بالابتسامه والضحك مثل الكبار .. ولكن بــ صوت هادىء .. // أبا رامي // كم أنت جميل .. فــ أنت من الناس الذين يتواجدون في سماء القلوب .. رائعون يعطر شذاهم النفس .. ويتنامى حبهم فــ حنايا القلب .. لك كل الود .. سلامي لـ دلوشــ .. وصباح الــ ورد للجميع * عاشق البحر
  • لنمنح الحب لأطفالنا لنعطيهم من أوقاتنا لنحاورهم لنصغي إليهم بانتباه وبآذانٍ منصته وقلوب مفتوحة ، ينبغي أن ينموا ومعهم تنمو أحلامهم وأمنياتهم متحملين مسؤلياتهم محبين لمن حولهم مبدعين في عملهم صادقين في تعاملاتهم ؟.. يا صباح الأنوار والبسمات العذبة لك أبا رامي أبا المعاني ماغيره وللجميع هنا ـ ابـتـسـم :).° دلــوشــ :).°
  • حبيبي ابو سفانة جميل أن يكون للمقال توطئة قصصية خاصة مثل الموضوع الذي تطرقت اليه وهو موضوع ندركه جميعا وما يتعلق بأدبيات التعامل مع الاخرين سواء صغارا اوكبارا اصبحت من الامور التي يدركها ويعيها ابسط الناس حتى العجائز عندنا يمارسون اكثر مما فعله الممرض مع سفانه وبالمناسبة سفانة اسم جميل ولك تقديري ولسفونة قبلاتي وأمنياتي. حشحوش
  • عرض عليه رسول الله الاسلام ، فأبى أن يسلم ، وقال إنني اقبلت من قبل قوم وأنا فيهم على دين ، ولست مستبدلا بدينهم حتى أرجع اليهم. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم أو تبسم، وقرأ قول الله تعالى: (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء ) " فتبسموا وعاملوا أطفالكم وغيركم بلين ولطف وابتسامة وكلمة طيبة ، تحية لكاتبنا وتحية لرفاق هذه الصفحة أخي أبا خالد أبا الحِكَمْ والابتسامات ، ودعشوش وحسن الغامدي ، وزهرة الحجاز ، وعاشق البحر وللجميع أفضل وأجمل تحية و..... أبتسم .5/5 القرني ماغيره
  • بل كان لاعدائه جزء منها، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم طلق الوجه بشوشا حتى مع من لا يحبه، وكان اذا قابله واحد من اعدائه تبسم في وجهه " وموقف الرسول صلى الله عليه وسلم من عيينة بن حصن يدل على ذلك،فقد كان هذا الرجل من جفاة الاعراب الذين يتآلفهم النبي صلى الله عليه وسلم رجاء ان يسلم قومه فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم في وجهه " وجاء رسول قيصر الروم يحمل رسالته الى النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما أتى النبي صلى الله عليه وسلم عرض 4/5 القرني ماغيره
  • ،فعن جابر بن سمره رضي الله عنه سئل: “أكنت تجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، كان طويل الصمت، وكان أصحابه يتناشدون الأشعار، ويذكرون أشياء من أمر الجاهلية، فيضحكون ويبتسم رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا ضحكوا” ، وفي حديث عبد الله بن الحارث الزبيري قال: ما رأيت أحدا أكثر تبسماً من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي رواية عنه: ما كان ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم الا تبسما " ولم تقتصر بشاشه النبي وضحكه وفرحه مع اصحابه فقط، بل 3/5 القرني ماغيره
  • سماه الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام بـ "النغير" فكان عليه الصلاة يداعبه ويقول "يا أبا عمير مافعل النغير " ؟... إلى أخر القصة عندما مات العصفور وحزن عليه عمير فواساه رسول الله وتكلم مع الصبي حتى ضحك وفرح ، كان عليه الصلاة والسلام بساما ،ألس هو من قال ( اليس هو القائل ( تبسمك في وجه اخيك صدقه ) و قال صلى الله عليه و سلم( ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق ....) أو كما قال عليه الصلاة والسلام ؟؟، وهناك كثير من مواقفه عليه أفضل الصلاة والسلام ،فعن جابر بن2/5 القرني ماغيره
  • كاتبنا المحفز / المغلوث ،ما أجمل مواقفك الطيبة ،لكن البيئة تؤثر في أصحابها ، بيئتنا وطباعنا ومجتمعنا وعاداتنا غلبت علينا ، في جميع تعاملاتنا وفي شتى ملتقياتنا البيت ، المسجد ، العمل ، الحارة ، القبيلة ،جلافة ولا تبسم إلا قليل من الناس التي تعي ، بل في هذه الصفحة نرى الخشونة والاستهزاء ، التعامل مع الأطفال لابد أن يكون بمنحهم الثقة ومزاحهم ، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمازح أخاً لأنس رضي الله عنه أسمه " عمير "وكان لديه عصفور سماه الرسول عليه أفضل الصلاة 1/5 القرني ماغيره

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال