الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

(التيلي برومتر).. انتصار العقل على الذاكرة

حاول شلافلي أن ينقذ موهبة صديقه بارتون لكنه وعبر (التيلي برومتر) أنقذ العالم من الحفظة الذين احتكروا المشهد والمنابر، منح الكثير من الطموحين الفرصة لخوض غمار المنافسة والتجربة

واجه الممثل فريد بارتون مشكلة كبيرة في حفظ النصوص. استبعد من أكثر من عمل بسبب عدم قدرته على حفظ المشاهد.. كان يستغرق أياما لحفظ مشهد صغير، وقبل أن يتوجه إلى الأستوديو يردد المشهد على مسامع أصدقائه غير مرة. لكن فور أن تضيء الكاميرا تنطفئ ذاكرته ولا يستطيع تذكر إلا النزر اليسير. كان ينجح في (الكاستينج)، أو تجربة الأداء، بيد أنه يفشل عندما يشرع في التصوير. اضطر أكثر من مخرج إلى استبداله في أثناء العمل إثر تذمر زملائه الممثلين وشركات الإنتاج بسبب إخفاقه في تذكر المشاهد وعدم الالتزام بجدول الإنتاج.
مشكلته مع الحفظ جعلته في القائمة السوداء للمخرجين. بات لا يجد له مكانا في أي عمل. تحول من ممثل واعد إلى شخص يائس. يهيم على وجهه بحثا عن فرصة صغيرة ولا يجدها. وكانت الشعرة التي قصمت ظهر البعير كلمة مخرج له، عندما قال له: "لن تصبح نجما وأنت بلا ذاكرة". استعان بارتون بصديقه المهندس الإلكتروني، هيوبرت شلافلي، لعله يجد له مخرجا ويعيده إلى ما يحب ويهوى. كان شلافلي، مؤمنا بموهبة صديقه، ومؤمنا أكثر بأنه من الظلم أن تدفن موهبته بسبب ضعف ذاكرته في ظل قدرته الفائقه على تجسيد الشخصيات بحرفية. بعد أشهر قليلة من حوار الصديقين اخترع شلافلي بمساعدة إيرفن كاهين جهاز(التيلي برومتر)، أو شاشة القراءة. وتقع الشاشة بالقرب من كاميرا التصوير، أو أي زاوية أخرى. ينظر إليها الممثل أو المقدم أو قارئ النشرة ويبدو كأنه يحفظ النص، بينما في الحقيقة هو يقرؤه. تحقق حلم بارتون وأصبح لديه ذاكرة عظيمة تتسع لعشرات المشاهد. نجح بارتون بمساعدته في تنفيذ أكثر من مسلسل دون أن يحتاج لحفظ أي مشهد. لكن (التيلي برومتر) نجح أكثر منه. قرر بارتون الانصراف عن التمثيل والعمل مع صديقيه لتأسيس شركة باسم شركة (تيلي برومتر)، الشركة حققت نجاحا واسعا. تهافتت على الجهاز كبريات الشركات والمؤسسات الإعلامية في أميركا وخارجها. أصبح (التيلي برومتر) أمام معظم قارئي النشرات الإخبارية ومقدمي البرامج المباشرة والمسجلة وصار بديلا للأوراق. الإقبال الكبير دفع الشركة للتعاقد مع أكثر من مصنع لتغطية الطلبات التي انهالت عليهم من أنحاء المعمورة.
أصبح (التيلي برومتر) متوفرا في معظم المؤسسات الإعلامية حول العالم في فترة قصيرة. وحتى رجال السياسة وجدوا فيه ضالتهم. ففي عام 1952 ألقى رئيس الولايات المتحدة الأميركية الأسبق، هربرت هوفر، كلمة في مؤتمر الحزب الجمهوري في شيكاجو، عبر (التيلي برومتر) الذي صممه شلافلي. وفي عام 1964 لم يجد رئيس أميركا الأسبق، ليندون جونسون، أفضل من (التيلي برومتر) لمساعدته في إعلان قانون الحقوق المدنية.
جاء (التيلي برومتر) ليحيي أحلام كثير من الناس في دخول معترك السياسة في أنحاء العالم ممن لا يتمتعون بذاكرة قوية. فالقائد صاحب الذاكرة القوية يستلب الجماهير ويسحرهم ويحركهم.. يهزهم ويؤثر فيهم بقدرته على الاستدلال بحكم ومقولات.. أرقام وإحصائيات يغرفها من ذاكرته. أتاح (التيلي برومتر) للجميع فرصة التأثير بعد أن كانت مقتصرة لعقود على الحفظة.
وكلما تقدمت السنوات تطور (التيلي برومتر) وأصبح أكثر رشاقة ومرونة حتى أصبح اليوم شفافا لا يرى. فـ(التيلي برومتر) اليوم، الذي يستخدمة بوفرة الرئيس الأميركي، باراك أوباما، في خطاباته القصيرة والطويلة عبارة عن شاشة شفافة رقيقة جدا. من ليس لديه اطلاع ومعرفة بـ(التيلي برومتر) سيعتقد أنه من ضمن معدات الإضاءة والتصوير، ولكنها في الحقيقة هو الشاشة التي يقرأ منها الرئيس. يقرأ منها لساعات وكأنه يرتجل.
حاول شلافلي أن ينقذ موهبة صديقه بارتون لكنه أنقذ العالم من الحفظة الذين احتكروا المشهد والمنابر. منح الكثير من الطموحين الفرصة لخوض غمار المنافسة والتجربة.
إن عالمنا اليوم يحتاج إلى العقل أكثر من الذاكرة. جميل أن نملك ذاكرة قوية وننميها، لكن من الأجمل أن نملك عقلية جميلة وننميها. العالم الجديد لديه الكثير من الوسائل التقنية التي بوسعها تخزين ورصد وحفظ كل شيء، لكن لديه القليل من العقول المفكرة المتدبرة، التي تحلل وتفند وتُشرّح وتَشرح.
بارتون رد على المخرج الذي زعم أنه لن يصبح نجما بأن أصبح نجما. لقد كتب اسمه في التاريخ كملهم لأحد أهم اكتشافات العصر الحديث. لا خوف أبدا على من يملك عقلا، الخوف كل الخوف على من يملك عقلا ويعطله.. يسمح للآخرين باقتياده، وهزيمته بمجرد كلمات.

عبدالله المغلوث        2012-07-07 12:48 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 12 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • أتيت متأخراً ، لكن لا ضير ، كاتبنا المحفز يقول الشاعر : ردي حياض الردى يانفس واتركي//حياض خوف الردى للشاء والنعم _ إن لم أذرك على الأرماح سائلة//فلا دعيت ابن أم المجد والكرم _ تحية لكاتبنا ولدلوشنا ولزهرتنا ولحمدنا وللجميع .....و......ابتسم :/* القرني ماغيره
  • قـد يـكـون الـفـشل خـطـوة على طـريـق الـنـجـاح لـم تـخـطـهـا ، لـكـنـهـا بالـتـأكـيـد لا يـجـب أن تـصـبـح الـخـطـوة الأخـيـرة في رحـلـة حـيـاتـك ـ ابـتـسـم :).° دلــوشــ :).°
  • لـكـي تـنـجـح يـجـب أن تـؤمـن بشيء وتـطـلـبـه بشدة حتى يـصـبـح حـقـيـقـة .. مـارس الـتـفـاؤل وتـدرب عليه ـ ابـتـسـم :).° دلــوشــ :).°
  • السلام عليكم أستاذ عبدالله وعلى ضيوفك الطيبين,عدد من الإختراعات ظهرت عرضا بغير قصد ومنها الميكرويف ,, عموما هم أخترعوا التيلي برومتر ونحن أخترعنا الملقن الذي يلقن الممثلين على خشبة المسرح فتجده يطل عليهم من كوة في مقدمة المسرح ,وطابتك أيامك يا زهرة الحجاز* بالمسرات الدائمات. أبوتميم حمد الربيعة,,,المفقود الموجود
  • حـكـايـة نـجـاح مـذهـلـة .. أصابة الفشل ' أعترف بالحقيقة ' أستعرض كل ما واجهه من ظروف ' أستعان بذوي الخبرة والرأي السديد ليسدوا له النصيحة ؟.. فـولـدت فـكـرة " التيلي برومتر " فكرة خطرت على البال خلال السعي إلى التغلب على صعوبة ما في خضم العمل فنجحت وجعلت الأداء أكثر فاعلية وسرعة وسهولة ـ ابـتـسـم :).° دلــوشــ :).°
  • رائع أستاذ عبدالله، يندر أن أقرأ لك مقالة دون ان استفيد وأضيف الى معلوماتي او دون ان يدخلني إحساس بالتفاؤل انت كاتب رائع بكل ما تحمله الكلمة من معنى. تفتح مقالاتك دائماً بوابة الأمل وتحرض على التفكير ليلى اليحيى
  • السلام عليكم ورحمة الله و بركاته أسعد الله صباحنا و صباحكم باليمن و المسرات شكرا على على هذيه المعلومة القيمة سناء الجبر
  • صباح الخير ...معلومات جيدة كنت أغبط الممثلين على سرعتهم فالكلام واستغرب حفظ ممثل لثلاثين حلقه ..لم أتوقع أن زمن الإرتجال انتهى ...طاب يومك و أوقات احبتي بالخير والمسرات زهرة الحجاز *
  • مقال رائع يبعث الحماس والثقه بالنفس مو غريبه على كاتبنا المميز بكل شي انا اعتبره قدوتي في عالم الكتابه والاقناع الذاتي فشكراً لعقلك وقلمك وحفظ الله امك التي حملتك ياوجه الخير والتفاؤل ,,,,,, تلميذة عبدالله المغلوث...
  • شكراً أخي عبدالله المغلوث. مواطن
  • مقال باهت عذيب
  • اصدار جميل ومعلومات جديدة ،، الحمدلله على نعمة العقل بس مين اللي يشغل مخه الان ،،، اصبحت العقول الان تهدر وتنغمس في التفاهات وسفاسف الامور ... تسلم يا دكتورنا الرائع طبت وطاب قلمك .. .. مشكوووورين ريم

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال