الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

فستان أمي

ذاكرتنا قد لا تسعفنا للاحتفاظ بكل التفاصيل الجميلة، لكن ذاكرة هواتفنا الذكية وكمبيوتراتنا تفعل. لمَ لا ندون ما يعجبنا فيما نرى في ملف خاص فيها، ونرتاده كل حين؟.

نسيتُ قبل نحو عامين، وأنا أقل والدتي إلى حفل زواج ابن عمي أن أعبر لها عن إعجابي بفستانها، الذي راق لي تصميمه وألوانه. حزنت لأنني لم أفش مشاعري تجاه فستانها الجميل. لكن في اليوم التالي حاولت التكفير عن ذنبي، وإخماد وخزات تأنيب الضمير برسالة نصية موجزة، بعثتها إلى هاتفها. قلت فيها "أمي، نسيتُ أمس أن أقول لكِ إن فستانك كان جميلا تصميما وألوانا. دمتِ لامعة كجوهرة". شعرت بسعادة كبيرة جدا عندما بعثت الرسالة. أحسست أنني ظفرت بنبأ سعيد. لكن في الواقع إن السعادة الحقيقية لم تأت بعد. لقد أمطرتني أمي جوهرة بعدة رسائل نصية جوابية. شكرتني كثيرا على الرسالة، والأجمل أنها روت لي قصة هذا الفستان بمتعة: من أين حصلت على قماشه؟ ومن أين قطفت تصميمه؟ وكيف فاوضت الخياط ليقوم بتطريزه؟ عشت معها رحلة هذا الفستان منذ أن كان بذرة حتى أصبح ثمرة.
آمنت حقا بعد ردة فعل أمي على انطباعي المتأخر، ألا أقلل من أهمية أثر أي انطباع أسكبه. وألا أستهين بأي فعل حتى لو كان صغيرا، فربما كان خلفه عمل كبير، والدليل فستان أمي. لقد كنت أعتقد أنها عثرت عليه أثناء جولة تسويقية تقليدية، لكن الأمر كان مختلفا.
نسيء التقدير في أحيان كثيرة، ونظن أن الطبق اللذيذ الذي تذوقناه، أو العبارة الجميلة التي استمعنا إليها، أو تسريحة الشعر الأنيقة التي شاهدناها، لا تستغرق جهدا ووقتا كبيرين. إنها تستغرق وتحتاج إلى من يوقظها في أعماق أحبتنـا بثناء وإطراء لتضيء وتشرق.
إن أهم ما تعلمته من ردة فعل أمي، ألا أتردد في إبداء إعجابي بما حولي، حتى لو كان متأخرا. رائع جدا أن نسجل انطباعاتنا مباشرة. لكن الأجمل أن تستذكرها بعد فترة برسالة أو في لقاء، سينتاب مستقبلها بهجة كبيرة، قد تبدد خلايا حزن نائمة في أعماقه في تلك اللحظات.
سنبهر أحبتنا بهذه الرسائل والكلمات والعبارات، وسنسعدهم وسنجعلهم يعيشون أجواء فرح يحتاجونها ونحتاجها.
أن تبدي إعجابك، بكلمة ارتجلها صديقك، أوعبارة كتبها رفيقك، أوعرض قدمه زميلك بعد فترة سيشعره أن ما قدمه كان عظيما، ولو لم يكن كذلك لما رسخ في ذهنك. سيبهجه رأيك وسيلهمه لتقديم ما هو أزكى وأشهى.
ذاكرتنا قد لا تسعفنا للاحتفاظ بكل التفاصيل الجميلة، لكن ذاكرة هواتفنا الذكية وكمبيوتراتنا تفعل. لمَ لا ندون ما يعجبنا فيما نرى في ملف خاص فيها، ونرتاده كل حين، وقبل أن نغلقه نرسل لأحبتنا أو نتصل عليهم معبرين عن مشاعرنا تجاه ما لمسناه بكل حب؟
نفتقر إلى البيئة الملهمة والمناخ الأخاذ، الذي يقودنا إلى العالم الذي نود ونبتغي، لكن ننسى أننا شركاء في هذه البيئة الجافة المتصحرة، من خلال عزوفنا عن إثرائها بعبارات الإعجاب والإلهام، التي لا تتطلب الكثير من الملايين لكن القليل من المشاعر والكلمات.
لكي ندرك حجم التقصير الذي نقترفه بحق مجتمعاتنا، دعونا نتذكر العبارات الجميلة التي قرأناها، أو الصور الجميلة التي رأيناها، أو المشاريع الواعدة التي لمسناها، وردود فعلنا تجاهها. سيتبين لنا من خلال جولة قصيرة على الماضي، حجم سلبيتنا تجاه ما يكتب وينثر. سندرك حجم تقاعسنا تجاه ما يبهج ويسعد، في المقابل، تذكروا حجم شكايتنا وصراخنا تجاه ما يحزننا ويزعجنا، سنكتشف كم نحن قساة وجفاة.
لن تقوم قائمة لأي مجتمع إذا كان متقشفا في مشاعره وتشجيعه. المجتمعات الناهضة هي التي تحول الكلمات إلى قطارات تقودها إلى الإنجاز والإعجاز.

عبدالله المغلوث        2012-07-28 12:26 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 28 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • السلام عليكم أستاذ عبدالله وعلى ضيوفك الطيبين , هناك من يعمل العمل كتابة او قول أو طبخ أو لبس لكي يرضي نفسه وهناك من يقوم بهذه الأشياء ليحصل على رضي غيره وينتظر منهم ردة فعل مناسبة لفعله , أنت لمت نفسك ووالدتك لم تلبس من أجلك وشكرت وهي ربما لم تكن تنتظر منك كلمة , فما بالك بمن ينتظر منك شيئا وتجاهلته ؟أو أنك قدرت فعله فماذا سيكون فعله تجاهك في المرة القادمة؟ لزهرة الحجاز* ولكل الطيبين هنا أطيب التحايا. أبوتميم حمد الربيعة
  • مقالة جميلة جزاك الله خيرا و الأجمل فيها أنها لمسة مشاعر و إعجاب من إبن و ليس إبنه ........لننشر طاقة المشاعر بين أحبائنا سميرة الجلال
  • شكرا ا. عبدالله قال لي ابني يوما اننا نسى في كثرة عطايا الام ما اعطتنا بينما الام لا تذكر الا ما قدمه لها ابناءها وتنسي ما تقدمه هي لهم . شكرا لانك ذكرتنا بفساتين امهاتنا وشكرا لاسلوب طرحك المميز رااااائع طموحة ٢٠٠٧
  • مقال رائع كروعة الكاتب لا حًُرمنا ابداعات قلمك هيفاء
  • لافض فوك مقال راااااائع ...شكراًلك اماني
  • لافض فوك مقال راااااائع ...شكراًلك اماني
  • لا فض فوك أستاذ عبدالله .. كل مانثرته لنا هنا لآليء سأزين بها عنقي لأكون أجمل . أروى بنت عبدالعزيز
  • عايشين ببيئة صحراوية علمتنا جفاف العواطف ما اتذكر اخر مره سمعت من زوجي كلمه اعجاب او ثناء شكرا ايناس نايس تعليق زهره تحياتي ام انس
  • الله يسعدك مقالك مزيج رائع لأسس قد تجمدت وتحجرت في فن التعامل النبوي والانساني لك كل الشكر والتقدير البراء
  • علينا إظهار عواطفنا الجياشة بتلقائية ونتفاعل مع من حولنا في أفراحهم وأحزانهم بكلمات ونظرات تحمل الكثير من المودة والدفء .. ومن يجد في نفسه صعوبة في ذلك فهو بحاجة إلى مراجعة طريقة تفكيرة وإجراء بعض التعديلات عليها ـ ابـتـسـم :).° دلــوشــ :).°
  • ألأمه هذه تحتاج أمثالك. .ممن يعرفون كيف يجدون وكيف يستخرجون العبرة من الأشياء العاديه والمواقف الروتينيه ليتعلموا وليعيشوا بشكل أفضل. .و ينعمون بفوارق كبيرة من أشياء تبدوا صغيرة. .انت شخص محفز جدا حفظك الله. .أشكر صديقتي الملهمة التي أعطتني الرابط..(لمياء) نجود محمد
  • مقال رااااااائع جدا ... كــل ما فــي القلــب تحكيـــه نبضـــاته، لا تخفـــي منه شيــئاّ .. لكــن الأهــم وجـــود المستمـــع لهـــا .. منال
  • قبل ان انسى......انت كاتب رائع....كم نحتاج مثلك...وكم ازعجنا بعض الكتاب الذين ازعجونا بما لا يلامس حاجاتنا من مشاحنات ومناظرات استعراضية سفسطائية....الله يوفقك ويحفظ لك ست الحبايب صالح
  • من أجمل ما قرأت في المقال هذه العباره ولا أخفيك انها من أجمل ما قرأت منذ فترة ليست بالقريبه (إنها تستغرق وتحتاج إلى من يوقظها في أعماق أحبتنـا بثناء وإطراء لتضيء وتشرق.) سلمت يداك استاذ عبد الله.. مـــحـــمـــد
  • دائماً ما اتقاعس عن التعليق على مواضيع مشابهة لكن الحكمة من هذه المقالة أجبرتني على المشاركة ووضع انطباعي عن هذا المقال الجميل . حفظكم الله مي
  • حقا أعجبتني الفكرة كلمات ومشاعر بسيطة التكلفة ، بالغة التأثير أنس
  • اعتزلت المديح مع "فئه من الناس" بسبب عبارة " قولي ما شاء الله" والمشكله اني قايلتها بس اذانهم وعقولهم تسمع وتفهم ما يعتقدونه باختصار بعض الناس يعتبر المديح >> حسد شكراً على المقال امتعتني ايناس
  • ا.المغلوث روعة مقالتك هذه كروعة فستان أمك و لا اعني بذلك المبالغة ، و انادي و لازلت انادي بأن اعظم الانجازات اليومية هي ادخال السرور بقلب احدهم.. وشكرا نور
  • "نفتقر إلى البيئة الملهمة" الإلهام يأتي من الله وحده :) ، بيئتنا الصحراوية جميلة، لستُ من روادها غالباً لكني ابتهج عند الذهاب إليها والتأمل فيها، فلنغيّر نظرتنا لنرى جمال الشيء ابنة فهد
  • استغفرالله العظيم اللهم اني صايم ابو نديم
  • استغفرالله العظيم اللهم اني صايم ابو نديم
  • الحين بيجي زهرة والربيعه وخذ ياتميلح ناصر
  • كم انت مبدع في كتاباتك فبعد قراءة اي مقال من مقالاتك اتغير الى الافضل ولو بشئ بسيط كتآباتك تنقذنا في بعض المواقف تحولنا الي ايجابين تمتعنا بتوفيق:* Sarah
  • يا جماعه "الوطن" لم أسطع أكمال مقال تهريب الأطفال من اليمن ناهيك عن التعليق على الموضوع. ألسب: أعلانات زين أسفل الصفحه. أمل أن تجدوا حلا للمشكله. شكرا. merzook merzook
  • رائع كعادتك أ.عبدالله. كم سيكون العالم حميلاً مشرقاً لو كنا نملك الكثير ممن يرون الحياة بنظرتك وإيجابيتك :) سارة

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال