الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

أسعد رجل في الرياض

نحن نتقن الإهمال ولا نجيد الإلهام. نتجاهل نماذجنا المشرقة ونستذكر النماذج السطحية التي لا تجيد إلا صناعة السذاجة والتفاهة

في عام 1987 تعرض الشاب أسعد بن محمد الدايل إلى حادث مروري مروع في الرياض وهو في طريقه إلى رفع الآذان مناديا لصلاة الفجر. أدى هذا الحادث إلى دخول المؤذن الشاب في غيبوبة طويلة جدا لم يعتقد أكثر المتفائلين أنه سيخرج منها حيا. لكن الله سبحانه وتعالى كان كريما. كتب له عمرا جديدا. أفاق أسعد من الغيبوبة لكن استيقظت في جسده آلام مازال يعاني منها حتى اللحظة. تعرض إلى شلل نصفي ومضاعفات وأمراض جعلته أسيرا للوجع المزمن.
رغم كل الأنباء الحزينة التي هطلت على أسعد إلا أن ولادة ابنه عثمان في نفس الفترة التي تعرض فيها إلى الحادث خففت حدة آلامه وأعطته مساحة كبيرة للأمل. كان كلما شاهد ابتسامة ابنه الصغير عندما تضعه أمه بجواره على فراشه يشعر برغبة جامحة للخروج من المستشفى الذي رقد فيه عدة أشهر.
كان عثمان الدافع الأول بعد الله سبحانه وتعالى في تحسن حالته وقدرته على التحرر من السرير. خرج أسعد أخيرا على كرسي متحرك وحاول أن يستأنف دراسته في جامعة الإمام محمد بن سعود لكن ظروفه الصحية المعقدة ومرافق الجامعة غير المهيئة لاستقباله، وقتئذ، حالتا دون معانقته لحلمه الذي لم يتبق على وصوله إليه كثيرا.
استمد أسعد الكثير من الإصرار من زوجته الطبيبة التي آثرت أن تسخر حياتها لخدمة زوجها المنكوب. كان هذا الوفاء ضوءا ينير طريقه المظلم وغير المعبد.
أم عثمان كانت زوجة وطبيبة وممرضة له في نفس الوقت ساهمت بشكل كبير في خروجه من الأزمة النفسية التي حاصرته خلال سنواته الأولى بعد الحادث.
عاد أسعد إلى حياته الطبيعية رويدا رويدا حصل على وظيفة ضخ فيها الكثير من طاقته وأفكاره وحيويته. ظل يحلم ويمضي غير مكترث بالعوائق والصعاب والتحديات التي تكتنف مسيرته. كان عثمان وأمه خير داعمين له للاستمرار في الأمل والعمل.
لكن في وسط الأحلام تعرض أسعد إلى نكبة جديدة تتمثل في غرق ابنه الوحيد ووفاته في البحر أثناء إجازة صيفية على ساحل الخليج العربي.
توفي ابنه وفلذة كبده الذي قد لا ينجب غيره فأحس بألم شديد هذه المرة ابتلع كل ما تبقى من أحلامه.
الألم لم يجتح أسعد وحده بل كل أقاربه وعلى رأسهم زوجته وأم ابنهما الوحيد "عثمان"، اعتقد الجميع أن وفاة عثمان هي نهاية أسعد. لكنه كعادته استيقظ كطائر النورس من ركام الأحزان ليواصل ما بدأه من حلم وأمل.
افتتح غير مشروع تجاري. وساهم في أكثر من مشروع خيري بكل ما أوتي من قوة وحماسة كأنه لم يتألم قط، ولم يعان أبدا رغم أنه يتجرع الألم والمعاناة يوميا دون أن يقنط من رحمة الله.
يقوم أسعد في رمضان بالإشراف يوميا على مائدة الإفطار في حيه بعد أن يعود من دوامه في الحرس الوطني. يواصل الليل بالنهار ليؤمن حياة كريمة للكثير من الأسر المتعففة الجائعة بفضل علاقاته وإخلاصه.
إن الجميل أسعد بن محمد الدايل يقدم لنا درسا عظيما في الصبر والكفاح. في الجدية والمثابرة. أعرف الكثيرين ممن ابتلاهم الله بما هو أقل بكثير مما تعرض له أسعد لكنهم يئسوا واستغنوا عن أحلامهم. أذعنوا لحزنهم ورضخوا لإحباطهم.
ثمة مسؤولية على عاتقنا جميعا تتمثل في إشاعة التجارب المضيئة كالتي يجسدها هذا النبيل وزوجته لندرك "أن الله إذا أحب عبدا ابتلاه"، وأننا وحدنا من نصنع نهايتنا. فما دمنا على قيد الحياة مازال بوسعنا أن ننير ونستنير وأن ننجح ونفلح.
لو كان أسعد في مكان آخر في هذا العالم لحظي بتقارير تلفزيونية مصورة ولقاءات صحفية مطولة وحوارات إذاعية ممولة. فنحن للأسف نتقن الإهمال ولا نجيد الإلهام. نتجاهل نماذجنا المشرقة ونستذكر النماذج السطحية التي لا تجيد إلا صناعة السذاجة والتفاهة.
مجتمعاتنا بأمس الحاجة إلى إبراز هذه الشخصيات عرفانا وامتنانا لما قدموه، واستثمارها في التصدي للإحباط الذي بدأ يستفحل في أعماقنا صغارا وكبارا.
إن من يرى ابتسامة أسعد محمد الدايل سيحسبه أسعد رجل في الرياض بينما يعد من أكثر أبناء الرياض ألما. نحن من نقرر مصائرنا... هل نكون سعداء أم تعساء مهما واجهتنا من ظروف ولنا في أبي عثمان أسوة حسنة.

عبدالله المغلوث        2012-08-11 12:04 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 26 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • اسأل الله العظيم رب العرش العظيم ان يعوظكما الفردوس الاعلى من الجنه ووالدينا ووالديكم ومن نحب فبارك الله في عمركما انت وزوجتك ووالدتك في طاعة الله ورضاه الحياه حلوه فابتسم 
  • كتبت تعليقاً وأظنه لم يفطر بعد ،، كاتبنا المحفز كل عام وأنت وقراء صفحتك بألف خير ،، كاتبنا المحفز قال الله في كتابه الحكيم عن الصابرون { وبشر الصاربرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون عليم صلوات من ربهم ورحمة وأؤلائك هم المهتدون}يقول الشاعر : إن الأمور إذا استدت مسالكها//فالصبر يفتح منها كل مرتجا_ لا تيأسن وإن طالت مطالبة//اذا استعنت بصبر أن ترى فرجا ،، ويقول : إذا ما أتاك الدهر يوما بنكبة//فافرغ لها صبرا ووسع لها صدرا_فإن تصاريف الزمان عجيبة//فيوما ترى يسرا ويوما ترى عسرا القرني ماغيره
  • لم ارى امرأه الا ضحت من اجل زوجها او أبناءها والقليل جداً هم عكس ذالك .. الزوجه تضحي وتساعد حتى تخرج زوجها من اي ازمه ولو كانت صغيره لكن بالمقابل هل الزوج يقدر ذالك ؟! كل مايستطيع قوله بعد عشرين سنه من تضحياتها ويراها امراه قد جرح الزمان وجهها بالتجاعيد وارهقتها كثره الهموم والآلام .. ان يقول : واجبها ان تساند زوجها !!! ... نوف
  • كثر الله من أمثالك يادكتور عبد الله دائما تكتب عن الشخصيات والمواضيع التي تحفز أفراد المجتمع أما أبو عثمان وزوجته المجاهدة العفيفة الشريفة فأسأل الله عزوجل أن يعوضهما خيرا وان يجعل الفردوس الأعلى من الجنة سكناً لهما في الدار الآخرة عبدالرحمن
  • يا ابوعثمان ويا ام عثمان انك لتستحق مالا نستحق لصبرك على البلاء ولصبرها على صبرك .... اللهم يحسن خاتمتكم ويعوضكم مقاما بالجنة مع العليين. .. اللهم آمين احمد البكور
  • اسأل الله ان يعوض اسعد الدايل وزوجته ام عثمان كل الخير في الدنيا والاخره. لكم خالص الحب والتقدير بنت الرياض
  • كان الله في عونكما اخي اسعد واختي ام عثمان صبركما على المحن درس عظيم لمن ابتلي فصبر عوضكما الله عن عثمان الجنة وجمعنا واياكم في مراتب الصابرين الشاكرين في الفردوس الاعلى sar
  • إنما يوفى الصابرون اجرهم بغير حساب شكرااا لكاتب ابرازك لهذه الشخصيات التي يغفل عنها المجتمع أنا أعراف أبطال هذه القصة جيدا هم رااائعون حقا وليس لهم ثوابا إلا الجنة هناء
  • ان حاجتنا كبيرة لابراز مثل هذة الشخصية فهو بالفعل مثال يحتذى بة. اسأل الله العظيم الكريم ان يبارك لاسعد في ماله وبدنه وان يخلفه خير في الدنيا والاخرة. انه سميع مجيب . كما اشكر ﺍﻟﻜﺎﺕﺏ وكم اتمنى نشر هذه القصة في قنوات اخرى. د. محمد ﺍﻟﺰﺍﻣﻞ
  • سلامي للأخ الكاتب لطرح هذه القصة التي تستحق أن يكتب عنها أنا شخصياً أعرف الأخت أم عثمان وزوجها بارك.الله لهما مثالاً يحتذى به ماشاء الله رجل بمعنى الكلمة بحبه كل من حوله من إخوته و أبنائه وأختيه وأيضاً أبنائه مرح رجل دين بمعنى الكلمة اما زوجته فهي بالفعل إمرأة معطائة لزوجٍ محب ولا تلقى لكل من حولها إلا بنظرة الحب والإحترام من كل صغير وكبير و لدرجة أنها تتعامل مع بنات أخوة زوجها كأم وكلمتها لديهم كلمة أم محبه أسعد الله أيامهم وأمدهم بالصحة والعافية الزمردة
  • قال الشاعر ابو الطيب المتنبي. على قدر الاهل العزم تاتي العزائم ويأتي على قدر الكرام المكارم. ان ابا عثمان وام عثمان نمؤذج يحتذا بهم. بتلاه الله بما اصابه فصبر ونرجوا الله ان يعوضه خيرا والله عظيم ياابا عثمان . وام عثمان ابتلاه الله في زوجها.وإبنها فحتسبت.واصابر والمحتسب جزائهم الجنة بأذن الله. تحياتي ام عثمان والله إنك اخت رجال. القحطاني
  • أعرف هذا الشاب جيدا. دائم الابتسامة و محب لعمل الخير بارك الله فيه وفي صبره و تحية رائعة الى زوجته الصابرة المحتسبة المتفائل
  • القصة جميلة و فيه عظة و عبرة ، و لكن استوقفتني عبارة ، تمنيت أنها لم ترد بهذه الصيغة ، مع إحساني الظن بالكاتب ، و لكن فد بكون خانه التعبير هنا ، و العبارة هي في السطر الخامس قوله : " لكن الله سبحانه كان كريمًا" فالله هو الكريم دائمًا ، فهي توحي بصفة الكرم في الماضي فقط ، و كذلك صيغة التنكير كريمًا فهو الكريم ، و الكريم من أسماء الله الحسنى ، فقط أحببت التذكير رغم إيماني و قناعتي بأن الكاتب أفاد و أجاد في إيراد هذه القصة - وفقه الله - أبوتركي
  • في هذه الحياة لابد من وجود أناس متفائلين كأسعد وزوجته أم عثمان حتى يوازن تفاؤلهم تشاؤم البعض كسعودية .. ياخي هل تعلمي النوايا وما تخفي الصدور ... لا حول ولاقوة إلا بالله ... أمين
  • يوفى الصابرين آجرهم بغير حساب الله يثبته ويرزقه خير ما اخًًذه منه ام البنين
  • لماذا يا أخت ًً( سعودية) لم تنظري الى النصف الممتلئ من الكأس في حال إعاقة ام عثمان فيتزوج ابو عثمان أختا مؤمنة تعطف على ام عثمان وتنجب لأسرة ابي عثمان ذرية تقود سفينتهم حتى لا تنتهي بهم السفينة في عرض بحر الحياة دون ان ترى ام عثمان زهورا تملا بيت ابي عثمان مرحا وسرورا فلنحيا........ التفاؤل بلا أنانية
  • اللهم ياكريم ياعظيم ياحنان يامنان اسعد ام عثمان في الدنيا والاخرة وعوضها افضل واحسن من الذي فقدته من زوج وولد. تحية اكبار واجلال لاختي العظيمة ام عثمان والله انها مدرسة ويجب ان تدرس قصتها لبناتنا ويجب ان تكرم من القيادة .لله درك ورحم والديك وامل ان تزودوننا باختنا ام عثمان حتى نتواصل معها نعم الاخت ودعوة لها من الارض المباركة طيبة . ابو البراءالحربي
  • قصه رايعه بارك الله فيك سعد الربيعي
  • قصه جميله لكن من وجهة نظري لا اجد ابو عثمان هوا البطل بل ام عثمان لانها صبرت على البلاء والحرمان ولو كان العكس لتزوج عليها زوجها ولم يلمه احد بل هي البطله الصابره وانشالله يكتب لها الاجر العظيم سعوديه
  • الله يعوضه خير من ما اخذ منه انالله على كل شيءقدير وبشر الصابرين الذين اذا اصابتهم مصيبه قالوا انالله وانا اليه راجعون الايه ابوفرررح
  • اشكرك ايها الكاتب المبدع ، فعلا تجد بعض البشر ينافخ وكانه ثعبان واذا قلت له ليش قال : يااخي طفش وملل. اعطاه الله الصحة والعافيه ولم يشعر بأي قيمه لتلك النعم !! الله المستعان الله المستعان
  • احرص دائما علي قراءة ماتكتبه انت ملهم مجتمعنا مُحبط، يائس، منتقد، كسول كثير من العيوب تحتاج الي انتفااااااااضه لندفنها ونرتقي نوره
  • ما أجمل أن يمـتـزج الصبر والاحتساب بـالـبـلاء .. وأم عثمان : مثال للمرأة الـصـابـرة المحتسبة ـ كن سعيداً :).° دلــوشــ :).°
  • هنيئا له بما يقدمه. ياريت كلنا اسعد.. سبحان مقسم الارزاق الي قسم له من اسمه نصيب كبير لكي يسعد غيره. يارب في هذه الليلة الفضيلة اعتقنا ووالدينا واسعد وكاتب المقال والقراء والمسلمين جميعا من النار أحمد باهيثم
  • كـبـيـروا الـهـمـة يتسابقون إلى المكـارم لا يكـلّـون ولا يملـون ولا يـقـنـطـون .. وأبا عثمان أسعد كالعملة النادرة إرادة من حديد تعمل لآخرتها لا لدنياها ـ أسأل الله تعالى أن يجعل حياة أسعد سعيدة مليئه بالفرح والمسرات ـ فلنقل آآآآمين ـ ابـتـسـم :).° دلــوشــ :).°

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال