الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

أبو القرن

كان مشهد "ريك" مؤثرا وهو يحمل ابنته ذات الـ13 عاما ويفوز على مئات المتسابقين، استطاع أن يحول مأساته إلى قصة نجاح. لذا علينا أن ندرك أن بعض المصاعب التي تعترضنا لا يجب أن تمنعنا من النجاح بل تدفعنا إليه.

قبل 13 عاما تقريبا كان ريك فان إنسانا يائسا بجدارة. لا يكمل في أي وظيفة أكثر من أشهر قليلة.. لا يملك أصدقاء. لا يحبه أحد ولا يحب أحدا. كانت زوجته هي صديقته الوحيدة. ولولا طبيعة عملها التي تتطلب تواجدها خارج المنزل ساعات طويلة لربما خسرها مبكرا.
كان ينفق ماله على السهر واللهو. يدخن 3 علب سجائر في اليوم، ويشرب الخمر، وأدمن المخدرات. انعكس سلوكه وإهماله على هيئته وصحته. كان يبدو أكبر من عمره بعشرات السنين. من كان يتصفح ريك، حينذاك، سيجزم أنه يمضي إلى الموت بخطى واثقة. فرئتاه ملوثتان وقلبه ينبض ببطء شديد.
لكن رزق ريك حينذاك بطفلة صغيرة جميلة سماها، مادي. لقد غيرت هذه الطفلة حياته رأسا على عقب. جعلت لحياته هدفا ومعنى. قيمة ومبنى. اكتشف الأطباء بعد مرور شهرين على ولادتها إصابتها بشلل دماغي. كانت الصدمة أكبر من أن يحتملها الأبوان. انهارا معا. فلم يعد فان اليائس الوحيد في منزله. زوجته صارت في حال يرثى لها. دخلا في دوامة من الحزن والإحباط لأسابيع. لكن فجأة استيقظ ريك من غيبوبة الألم. شعر بحاجة ابنته إليه. كبرت البنت وكبر أمل ريك وزوجته في أن يمنحاها سعادة تعوض حرمانها من الصحة التي يتمتع بها معظم الأطفال. لاحظ ريك أن ابنته كلما حملها على كتفه وخرج بها إلى الشارع ابتسمت وتوقفت عن البكاء. فأصبح يحملها على كتفه يوميا حتى يكافئ نفسه بابتسامة يقطفها من وجه ابنته. أمسى ريك يسير بها طويلا في الشارع إلى ساعات دون أن يشعر بتعب أو ضجر. كانت سعادتها التي تطفو على ملامحها البريئة هي بمثابة قارورات المياه التي يوزعها المتطوعون على المتسابقين المرهقين.
استوقفه جاره، وهو يحمل ابنته، أمام باب شقته، واقترح عليه المشاركة في سباق الماراثون وهو يحمل مادي ما دام أنه اعتاد على حملها لساعات على كتفه دون انزعاج.
نقل ريك اقتراح جاره إلى زوجته التي باركت الفكرة. تدرب ريك على حمل طفلته لكن بسرعات أكبر حتى يستطيع المنافسة في الماراثون. لم تمض 4 أشهر من تدرب ريك على الركض حاملا ابنته حتى فتح باب التسجيل في ماراثون لندن.
شارك ريك في السباق. سجل رقما متواضعا، لكن حضوره خطف الأنظار من كل الأبطال. رافقته طوال السباق عدسات المصورين والقنوات التلفزيونية. رصدت خطواته وابتسامة ابنته لساعات.. راقبت إصراره وبسالته بزهو. في اليوم التالي تصدر ريك عناوين السباق وكان ضيفا على العديد من المحطات التلفزيونية.
تحول ريك من إنسان تعيس محبط مدمن يبغضه القريب والبعيد إلى إنسان عظيم تزهو به أسرته الصغيرة ووطنه.
هذا الاهتمام الكبير الذي حظي به ريك جعله يشارك في سباقات الثلاثي (ترياثلون)، وهو أشبه بالماراثون، يبدأ بالسباحة ثم ركوب الدراجات، وينتهي بالجري. ورافقت مادي والدها في هذا السباق الثلاثي تارة على كتفه وأخرى على ظهره.
كان مشهد ريك مؤثرا وهو يحقق مركزا متقدما ويفوز على مئات المتسابقين وهو يحمل ابنته (13 عاما) وهم لا يحملون شيئا.
يعتبر ريك ابنته قلبه، وهي تعتبره قدميها، فشكلا ثنائيا ملهما لا ينساه التاريخ. استطاع ريك أن يحول مأساته إلى قصة نجاح يتناقلها الركبان. فعلينا أن ندرك أن بعض المصاعب التي تعترضنا لا يجب أن تمنعنا من النجاح بل تلهمنا إياه، وتدفعنا إليه. أطلقت الصحافة البريطانية عليه لقب "أبو القرن" إثر ما قدمه لابنته ومجتمعه، لكن رفض اللقب مرجعا الفضل في ما حققه لابتسامة ابنته التي يصفها بأنها "الأجمل في العالم".
ما أعظم آباءنا يعطون دون أن يأخذوا. لا يخدعك عمر أبيك والشعر الأبيض الذي يشتعل في رأسه، في داخله طفل يحتاج إلى ابتسامتك وهداياك.

عبدالله المغلوث        2012-08-17 11:36 PM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 10 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • [ قَـد مَـضَى الصـومُ صَـاحـبـاً مَـحـمـوداً . وأتـى الـفـطـر صـاحـبـاً مَـودُوداً ـ ذهَـبَ الـصّـومُ وهـو يَـحـكـيـكَ نُـسكـاً . وأتـى الـفِـطـرُ وهـو يـَحـكـيـكَ جُـودَا ] ... الأستاذ عبدالله المغلوث ، دعشوش ، القرني ماغيره .. والجميع هنا ... عيد ، سعيد ، مبارك ، باسم ، ربيع ، صافي ، زاهر ، ريـان بـنـور الإيمان وكـل عـيـد أنـتم بـخـيـر ـ ابـتـسـم :).° دلــوشــ :).°
  • تتمة 2/2 وأظن الصواب: (أبُ القرن) لأن المقصود بالتسمية الاحتفال بهذا الوالد باعتباره أفضل الآباء في هذا القرن من الزمان، وليس وصفه بذوي القرون من الكائنات. مع التحية/ وضوح (أب القرن) وليس (أبو القرن)، تتمة ٢/٢
  • 1/2 تحية لكاتبنا الكريم أعجبني مقالك الملهم، وألفت سعادتك إلى خطأ طباعي في عنوانه تسبب في اضطراب معناه، وهو إضافة الواو إلى كلمة (أب) التي حولتها إلى اسم من الأسماء الخمسة فأصبح المعنى (صاحب القرن)= (أب القرن) وليس (أبو القرن) ٢/١
  • ما أعظم آباءنا ما أعظم كبارنا .. هم خزائننا في المعرفة والتجربة ـ أرجو من الكريم سبحانه أن يكرمنا بـبـر والدينا أحياء كانوا أم أمواتاً ـ ابـتـسـم :).° دلــوشــ :).°
  • تبسم وابتسم ولا تمل فالابتسامة مثل التمارين الـبـدنـيـة تغير كيمياء الجسم للأفضل ، تخفف وتنشط الدورة الدموية وتجعل الأوعية تعمل بشكل أكثر كفاءة.. انظر لها عن قرب إنها تضيء وجهك ـ ابـتـسـم :).° دلــوشــ :).°
  • اترقب كتاباتك نادية
  • رب ضارة نافعة. سبب في تغير حياة ١٨٠ درجة. و كانت الابتسامة هي المحرك الأساس في ذلك التغير. و اصنع من الضرر نفعاً تسمو بحياتك. حسن
  • جميل ما قلت يا عبدالله ! هناك يشجّعون - وربعنا يثبّطون - وهنا يكمن الفرق _ حيث لا مقارنة مع وجود الفارق ! دعشوش
  • ان تحول معاناتك او ضعفك نجاحا تلك هي القوه .. لدينا آباء عظماء يعطون بالتوقف وبلا انتظار .. ربي البسهم لباس الصحه والعافيه وارزقهم برنا هيا الحربي
  • كثيراً ما نسمع كلمة : مستحيل ، صعب ، لا أستطيع .. وهذه ليست إلا قناعات سالبة ، الإنسان الجاد يستطيع التخلص منها بسهولة وبإرادة قوية يشق من خلالها طريقة إلى القمة ؟ السيد ريك حول الطاقة السلبية إلى إيجابية وقلب الفشل إلى نجاح والخسارة إلى فوز برفقة صفاء وصدق ابتسامة ابنته التي كسب بها مودة الناس ومحبتهم وكانت سر إبداعة في جمع أكبر قدر من المحبين حوله ـ ابـتـسـم :).° دلــوشــ :).°

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال