الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

الماضي يمشي على رجليه

لو كنت سأشعر هذه اللحظات بالشفقة على شيء، سأشعر بها نحو الزمن الماضي، ليس ذلك الماضي الذي تشعر بالحنين إليه، وتستذكر تفاصيله الجميلة مع من شاركوك إياها، بل للذي يستخدم كحصن مقدس ضد المستقبل، كتفاصيل بالغة الصدق لا تمس، ذلك النوع من الماضي متورط بنا حد التهمة، فرغم أنه أدى دوره مشكوراً قبل أن يغادر، إلا أننا نرغمه على العيش، ونجبره على الفعل رغم عجزه. نثق فيه رغم أنه لم يوص بذلك قبل موته، ووقت شعورنا بالهزيمة أو هروبنا من حقيقة نخشى مواجهتها، نكدس فوق رأسه كل ذلك حتى نرتاح. مَن الرجل الذي يبدو أنه لم يعش بيننا وقال: إن الماضي لا يعود؟ بل يعود بكل مرة نجلس بمكان يتحدثون فيه عن حكايات اندثرت قبل سنين، ولأي حد كنا جيدين، ومثال يحتذي به العالم السيء، وأنت تعلم حينها أن ذلك لن يغير من حقيقة ما نحن فيه الآن.
تعود نسخة الماضي تلك وأنت تفتش بين مئات الآلاف من الكتب عن المستقبل، فلا تجد إلا من يكتبون عن الماضي. وإن كان حظك مبتسماً ووجدت كتاباً يهتم بالقادم من الأيام، فستجده مهملاً ويحتل التصنيف الأدنى من القراءات، وكأن المستقبل سيقرر حين يأتي وقته أن يستقيل. الماضي يعود حين نجرّ التراث بكل حوار مع من يختلفون معنا، لنبرهن لهم أننا أقرب منهم للحق، وعليه فهم محكومون بناء على شيء شبع موتاً. يرجع الماضي حين نهتم بإفراط بالتاريخ، عمن كان جدنا الخامس عشر؟ ما الذي فعله؟ وبأي سنة كان ذلك؟ لأي عائلة ننتمي؟ فذلك يشكل فرقاً، عن الفخر المتطرف بـ"كنّا"، عن الانتماء المبالغ فيه لحدث كان بجعله خارطة حياة، أليس علينا القلق بأن يكون مستقبلنا شكلاً متأنقاً من ماضينا ليس أكثر، أم إن الوقت ما زال مبكراً؟

فيصل العامر        2012-08-30 12:42 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 5 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • الماضي امتداد للمستقبل ... فلايوجد شيء من العدم ... فالماضي معروف لكن المستقبل مجهول ... عبدالله صالح القعدي
  • الماضي امتداد للمستقبل ... فلايوجد شيء من العدم ... فالماضي معروف لكن المستقبل مجهول ... عبدالله صالح القعدي
  • الماضي بكل أفراحه وأتراحه حميل الماضى هو الملهم للحاضر والدال عليه وبناء مستقبل أمة يمر عبر ماضيها وتشريف الماضي ليس هروبا من الحاضر او المستقبل الا عند أصحاب الفكر المتخلف المنغلق وايضا المتحجر الذين لا يقيمون وزنا للحب والجمال سعودى جنوبى
  • كل الأمم هدفها المضي الى الأمام ونحن هدفنا العودة الى الوراء كل الأمم تستشرف المستقبل ونحن نحن الى الماضي السحيق لذلك هم يتقدمون الى هدفهم ونحن نتقهقر الى هدفنا ( يا أمةً ضحكت من جهلها الأمم ) سيراً على الأقلام
  • الماضي يمشي على رجليه بسبب مجافاة حقائق الواقع والدعوة للتخلي عن العقل من خلال تشريف الماضي والهروب من متطلبات الحاضر ؟ أبوفيصل

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.