الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

الحرب في سورية.. استراتيجية تجفيف خزان الدم المقابل

حتى لا ينهك الجيش النظامي في هذه الحرب غير التقليدية، ويصبح لقمة سائغة لأي تدخل خارجي؛ فقد استخدم مبدأ الاقتصاد في القوى، إذ يستخدم الآن حوالي أقل من 15% من قوته الفعلية، ولم يستنفر قوته الاحتياطية من المجندين والسلاح حتى الآن

الحرب الشرسة والضروس التي تدور رحاها الآن في سورية، قل أن شهدنا مثيلا لها في تاريخنا الحديث. حيث جمعت بين حرب العصابات وحرب المدن، والحرب النظيفة والحرب القذرة في آن معاً، وقد تضم إليها الحرب التقليدية لاحقاً. العالم أجمع انهمك بدون هوادة في العمل كساحات خلفية، بسرية وعلانية، لإمداد مسرحها الملتهب مادياً وسياسياً ودبلوماسياً وبالمقاتلين والسلاح أحياناً، ومعلوماتياً وإعلامياً وعقائدياً ومعنوياً. وقد أخذت الحرب في سورية منحى خطيرا، حيث يتطاحن فيها عديد من الإرادات المحلية المستعرة المؤمنة بأهدافها والمصرة على تحقيقها، مهما كلف الأمر. وقوى دولية تورطت في تحريك دفتها وإقليمية انغمست في مستنقعها، وكل منها رهن مصداقيته بها وراهن على قبض حصته الثمينة من غنائم ما بعدها، ظاناً بأنها لن تطول، ولن تكلف ما كلفته من نزاع دولي طال أمده، وتلاعب بأعصاب الجميع، وفوق كل هذا وذاك سفك الدم السوري الطاهر، بكل كرم وسخاء، حيث أصبح المزيد منه، ركيزة رهان النصر فيها من عدمه. في تناولي لهذا الموضوع المتداخل والمركب، بنفس الوقت، سأحاول شرح معطيات الصراع العسكري من النواحي النظرية والاستراتيجية والتكتيكية، من وجهة نظر عسكرية بحتة. هذا مع محاولتي لعزل المعطيات السياسية والدبلوماسية المحلية السورية والإقليمية والدولية بقدر الإمكان، من أجل عدم التشويش على فهم القارئ وإيضاح طبيعة ما يجري على الأرض السورية من احتراب عسكري، بقدر ما تسمح لي به الساحة والمساحة والمعلومات المتاحة.
عند دراستي لأي حرب أو تدريسها لطلبتي في الكلية العسكرية، فإني أستخدم ما أسميته بـ"معادلة الحرب"، لفهم معطياتها ومجرياتها والتوصل لأسباب النصر والهزيمة فيها. ومعادلة الحرب تتكون من فهم نقاط قوة (إيجابيات) ونقاط ضعف (سلبيات)، كل طرف فيها؛ حيث النصر يكون فيها للطرف الذي يفهم سلبياته وإيجابياته وإيجابيات خصمه وسلبياته، قبل بدء المعركة، ثم في أثناء المعركة، يحرم خصمه من استخدام إيجابياته ويركز في الضغط على سلبياته، وبنفس الوقت، يستخدم هو إيجابياته بأقصى درجة ممكنة ويحرم خصمه من استغلال سلبياته بقدر المستطاع. وهنالك معادلة أخرى أسميتها بمعادلة "روح الشرق وروح الغرب في الحرب"، فالشرق دوماً ضعيف في إمكانياته المادية والتنظيمية، ولذلك يستعيض عنها بروحه الشرقية التي تستمد قوامها من الدين والوطنية والقومية والأيديولوجية، والغرب يستعيض عن ضعف الروح المعنوية، بالتنظيم الدقيق والتدريب المتواصل والانضباط الصارم، واعتماده على كثافة النيران، والاشتباك عن بعد قدر المستطاع، ويعول على مقدرته على الصمود والتعويض المادي. وهذه المعادلة تصدق كذلك على الحرب في الشرق أو الغرب عندما تكون بين جيش غير نظامي وجيش نظامي. وبالعودة إلى سورية، فلا بد من فهم سبب ارتفاع سعر الرهان عليها، كموقع استراتيجي حساس بالنسبة للشرق وللغرب. فقبل حوالي 2500 سنة، ذكر المؤرخ اليوناني هيرودوتس، في كتابه الذي يعتبر أول كتاب في التاريخ، بأن من يسيطر على سورية فقد يسيطر على ثلثي العالم. وحسب نظريته التاريخية العسكرية، بأن الأبطال الذين يخوضون الحروب وينتصرون، هم من يصنع التاريخ. وبأن اليونان لا تستطيع السيطرة على فارس والشرق بشكل عام، إلا من خلال بناء قوة عسكرية ضاربة وسيطرتها على سورية. وهذا بالتحديد ما فعله الإسكندر المقدوني، بعد 100 عام من وفاة هيرودوتس. وثبتت صحة مقولة هيرودوت في القديم وتأكدت صحتها الآن، بعد حيازة منطقة الشرق الأوسط على ثلثي احتياطي العالم من الطاقة، النفط والغاز. وهذا ما جعل ويجعل الاحتراب على سورية كموقع، من نوع كسر العظام، وتهشيم الجماجم، وأن ينقسم العالم عليها شرقاً وغرباً، وتتداخل الأوراق لدى محيطها الإقليمي، كما تنبأ بذلك هيرودتس. وهكذا فقد فرض على سورية موقعها الحساس، من القدم حتى الآن، بأن تكون دوماً منخرطة فيما يجري في محيطها من ناحية، ومن ناحية أخرى بأن تتبنى استراتيجية الدفاع من خارج حدودها، وذلك بدعم المقاومات وإنهاك خصومها المحتملين، قبل وصولهم إليها، وهذا ما جعلها شبه متمردة، ومطلوب إخضاعها حية أم ميتة.
لتقييم ما يجري في سورية من اقتتال عسكري، لا بد من فهم كل طرف في الحرب وإمكانياته العسكرية والمعنوية ومن ثم عرضها حسب معادلتي الحرب المادية والمعنوية أعلاه. الجيش العربي السوري يعتبر الآن ثاني أكبر جيش عربي، بعد الجيش المصري، من ناحية العدد والعتاد، حيث يبلغ عدده، 220 ألفا، واحتياطي 280 ألفا، ويعتبر الجيش السوري، الجيش العربي الأول عقائدياً. للجيش السوري، خبرة طويلة في الحروب العربية الإسرائيلية وحرب إسرائيل على لبنان 1982 والحرب الأهلية اللبنانية من 1975 حتى 1991. أي أن الجيش السوري لديه خبرة طويلة وغنية في الحروب التقليدية وغير التقليدية، قاتل جيوشا نظامية وقاتل وطارد ميليشيات غير نظامية، ودعم ودرب وجهز وخطط لجيوش مقاومة غير نظامية. الجيش السوري، هو جيش نظامي من ناحية التنظيم والتسليح والتدريب، بنفس الوقت يقاتل ضمن عقيدة قتالية أيديولوجية شعبية، مستمدة من أيديولوجية ومبادئ حزب البعث العربي الاشتراكي السوري.
الطرف الثاني في الحرب هو الجيش السوري الحر، الذي يبلغ تعداده حوالي 60 ألف مقاتل، ومكون من جنود وضباط منشقين من الجيش السوري النظامي ومتطوعين من الشعب السوري وكذلك مقاتلين عرب وأجانب لهم خبرتهم القتالية ضد الجيوش النظامية في أفغانستان والعراق وليبيا والجزائر واليمن، ويتبنى عقيدة الجهاد، كعقيدة قتالية. والجيش السوري الحر مسلح بأسلحة قتالية خفيفة ومتوسطة، ويستخدم تكتيك حرب العصابات وحرب المدن، في قتاله للجيش النظامي. وهدف الجيش الحر من القتال، كما يعلن، هو الدفاع عن الشعب السوري من قمع الجيش النظامي وإسقاط الحكومة السورية، التي فقدت بالنسبة له شرعيتها التي تلطخت بالدم السوري. وهدف الجيش السوري النظامي، كما يعلن، هو حماية أمن سورية من الخونة والعملاء بالداخل والتصدي لأي تدخل خارجي غاشم منتظر.
حتى لا ينهك الجيش النظامي في هذه الحرب غير التقليدية وتتبدد قواه على الجغرافيا السورية، عن طريق حرب العصابات وحرب المدن، ويصبح لقمة سائغة لأي تدخل خارجي؛ فقد استخدم مبدأ الاقتصاد في القوى، وهو عدم استخدام أكثر مما يحتاجه في تصديه للجيش الحر، فهو يستخدم الآن حوالي أقل من 15% من قوته الفعلية، ولم يستنفر قوته الاحتياطية من المجندين والسلاح حتى الآن. وعليه، قرر بألا تكون الجغرافيا الداخلية، هدفا للقتال عليها، كما هو المعروف عن القوات النظامية، ولكن أخذ يقاتل حسب تواجد قوات الجيش الحر، يتخلص منها بالقتل والتدمير ثم ينسحب من المكان، ويعود مرة أخرى وثالثة لنفس المكان أو غيره إذا عادت إليه ويقاتلها، وهكذا، أملاً في القضاء عليهم والتخلص منهم كعدد في نهاية المطاف. وطبعاً الجيش الحر، بدأ يمتلك قواعد دعم ومساندة في تركيا ولبنان والأردن ويزداد عدداً وعدة، مما ينبئ بطول الحرب والمزيد من الدعم والتدخلات الخارجية مع وضد، وفي المحصلة المزيد من الدم السوري الطاهر. وفي الحرب أكثر من قضية، وللمقال بقية..

عبدالرحمن الوابلي        2012-09-07 1:18 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 5 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • مقال تحليلي بعيد عن العواطف ، شكرا للكاتب على المعلومات القيمة. عابر
  • الغريب ان البعض لم يسعفه تخيله وقدرته العقليه على كشف الحقائق يا إخوان صدقوني العالم متخوف من النظام السوري لانه الحائط الممانع للمد الاسرائيلي ولا راح تتعلموا من تجاربكم الله ينصر سوريا مشعل
  • اعتقد ان عدم إشتراك اكثر من 15% بالمئة من الجيش هو الخوف من التفكك الذي من الممكن ان يظهر خصوصاً ان نسبة من الجيش الحر عبارة عن جزء من الإحتياطي النظامي ... ووحرب العصابات مفهوم معروف لأي مقاومة داخلية لاتملك السلاح الثقيل مع بعض الإحتياجات .... استفدت من الكثير من المعلومات خصوصاً الفرق بين الشرق والغرب في الحرب عبدالله صالح القعدي
  • الحرب فى سوريا ستظل تراوح مكانها وسيتمر القمع للشعب مالم يحدث تدخل خارجى لانقاذ هذا الشعب وتخليصه من أعتى نظام عرفته البشرية ويسقوط حاكم دمشق تكون الامة العربية قد تخلصت من آخر نظام قمعى . سعودى جنوبى
  • مقال اكثر من رائع .. لله درك يادكتور وعلى عقلانيتك (( إلا أن الأذى الأكبر يكمن في الدمار الذي يخلفه على مستقبلها، ومستقبل اهالي سوريا ... التي راقت دمائهم دون وجه حق فقط من اجل الحريه التي يطالبون بها من القمع الذي كان يحصل في عهد الاب الأسد ومن بعدهـ إبنه الطاغيه الأكبرى .. الذي سفك دماء الآف من الأطفال الأبرياء .. وهدم كثير من المنازل على اهلها ... لكن بإذن الله النصر قريب ... شكرا على المقال يادكتور عبدالرحمن فراولة الـــــــــــــوطن

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

حالة الطقس  جرافيك الوطن Facebook Twitter الوطن ديجيتال