الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

ماذا فعل "جون" بعد الخامسة والستين؟

دعونا نتخيل بنوك "الخبرات" المعطلة من حولنا، لماذا لا تنطلق نحو مغامرة جديدة؟ قد لا تكون ذات عائد مادي مجز ولكنها تحقق أثرا إيجابيا رائعا على روح "المتقاعد" أو الفرد المتحرر من قيود الوظيفة

حتى الثالثة والخمسين من عمره؛ عمل السيد "جون فيردون John Verdon" في كتابة الإعلانات حتى تقاعد في منصب مدير تنفيذي، ثم انتقل لدراسة النجارة ثم العمل في صناعة الأثاث لمدة قصيرة، قبل أن تُحول نصيحة عابرة مسار حياته.
القصة المثيرة بدأت ذات مساء ربيعي، وقد أوشك قرص الشمس على المغيب على سفح المنطقة الغربية من جبال كاتسكيل (جنوب ولاية نيويورك الأميركية)، وكان "جون" وزوجته مسترخيين في كرسي خشبي هزاز، وهو يتحدث بإسهابٍ وتفصيل متواصل عن قصة "بوليسية" انتهى للتو من قراءتها، قاطعته زوجته "ناعومي" المتقاعدة حديثاً والتفتت نحوه وقالت: "بدلاً من جلوسك هنا...وحديثك اليومي عن القصص البوليسية لماذا لا تكتب واحدة"؟؟
قدحت الفكرة في رأس "جون" وقَبِل تحدي زوجته، وخلال أيام قليلة بدأ الكتابة وتجميع خيوط الحبكة التشويقية للقصة لتظهر إلى الوجود بعد سنتين روايته الأولى:" فكّر برقم Think of a Number" وشخصيته الرئيسية: "ديفيد جيرني" محقق الجرائم المتقاعد في مدينة نيويورك، الذي كما "جون" بدأ حياته الحقيقية بعد التقاعد، حينما تلقى رسائل غامضة ومثيرة، وبعد كرّ وفرّ وتعديلات متعددة، خصوصاً وأنها تجربته الكتابية الأولى؛ أرسل مسودة الرواية إلى الناشر، التي ما أن قرأها المحرر الأدبي حتى قضى عليها خلال ساعات معدودة، لتتصدر الرواية صيف 2010م، حيث حظيت باستقبال وحفاوة أدبية واهتمام الجمهور بشكل غير متوقع.
وهكذا تغلب "جون" على خوفه من المجهول، وحوّل سنوات تقاعده الرتيبه؛ إلى رحلة جديدة، إلى مغامرة جديدة، إلى آفاق أوسع، بل إن هذه الطاقة الإيجابية امتدت لتشمل زوجته المتقاعدة كذلك، وفي مقابلة صحفية نادرة يقول "جون": "عندما كتبت كتابي الأول لم أتصور حتى أنه سينشر، كان لدي الوقت لإخراجه، وشجعتني زوجتي على ذلك، وكتبت كتابي الأول وأنا أرجو أن يحوز على إعجابها" مشيراً إلى كونها من بادره بفكرة الكتابة أول مرة، وساندته خلال مراحل الكتابة وتطور العمل.
الحياة قصيرة لذا يجب أن تفعل ما تريد لا ما يريده الآخرون، يفخر "جون" بمقولة دائماً ما يرددها وهي: "بقدر ما أتذكر كنت دائماً أرغب أن أكون في مكان آخر أعمل شيئاً أو بالأحرى شخصاً آخراً"، ويضيف "جون": "عملت بهلوانياً في سيرك وقدت دراجات نارية، ثم عملت في صناعة الإعلان ثم الأثاث، ناهيك عن الحصول على رخصة طيار تجاري! لكنني لم أجد طوال هذه السنين ما أريد!" وهنا جوهر المشكلة التي يواجهها كثير من الناس، وهي العيش لصالح الآخرين دون أن نعلم، ودون أن نجعل اهتماماتنا الأولى هي محور اهتماماتنا الأساسية، وأن نعمل في ما نحب لكن إذا لم تستطع أن تفعل ما تحب خلال عملك الوظيفي الحالي فليس أقل من أن تقوم به بعد "تقاعدك"، لا أن تحوّل مرحلة التقاعد إلى خطوات "موت" بطيء كما يفعل الكثيرون.
وهكذا استمر "جون" في تحقيق حلم حياته، وأصدر بعد ذلك روايتين ناجحتين هما: "دع الشيطان ينام" عام 2011، و"اغلق عينيك الليلة" صيف هذا العام 2012، لتحجزان مكانهما على الفور في قائمة الكتب الأكثر مبيعاً ضمن قائمة صحيفة "الواشنطن بوست" الأميركية، كما ترجمت رواياته- وخصوصاً الأولى - إلى خمسٍ وعشرين لغةً حية، منها البرتغالية والعبرية والفيتنامية والإسبانية، ولم تكن اللغة العربية - للأسف - من ضمنها!
وهكذا وسط أجمات الكرز، وعلى بساطٍ أخضرٍ ممتد، يضع "جون" كرسياً بلاستكياً بسيطاً يجلس عليه ساعات طويلة، يستهلم أفكاره، ويستقرئ مستقبل حياته، يعلم أن سنين عمره القادمة ليست طويلة، لكنه متأكد أنه سوف يملؤها بكثير من المتعة والإثارة؛ خصوصاً وأنه أمسى يقضي وقته في ما كان يحب، وفي ما كان يأمل يوماً ما أن يمارسه بشكل حقيقي.
هنا في السعودية كم من متقاعد يحمل كماً هائلاً من الخبرات؟ وجعبة مليئة بالقصص والحكايات؟ بل بعضهم يعّد ذاكرة متحركة لتطور مجتمعنا لكنه يخجل أو يخاف من مجرد المحاولة، والبعض يرنو إلى حياة الراحة المتواصلة دون أن يعلم أن خوض غمار تجربة جديدة سوف يضيف المزيد إلى حياته، ويجعله أكثر سعادة ورضى عن نفسه وعن سنوات خبراته الطويلة.
دعونا نتخيل بنوك "الخبرات" المعطلة من حولنا، لماذا لا تنطلق نحو مغامرة جديدة، قد لا تكون ذات عائدٍ مادي مجزٍ ولكنها تحقق أثراً إيجابياً رائعاً على روح "المتقاعد" أو الفرد المتحرر من قيود الوظيفة، كما أن أثرها ممتد إلى أسرته الصغيرة ومجتمعه المحيط أيضاً، فكم من "نابغة" أدبي يقتل موهبته خجلاً وتردداً، وكم من خبير هندسي يحمل حلولاً هندسية لم يسعفه عمله السابق في طرحها أو مجرد مناقشتها، وكم وكم؟؟ الأهم هنا هو أن تبدأ، حتى وإن كانت بدايات خجولة ومليئة بالأخطاء، وهو ما يؤكد عليه صاحبنا "جون" في معظم مقابلته الصحفية، حينما يكون السؤال حول نصيحته العامة، لتكون إجابته الموحدة دائماً: "لا تنتظروا حتى الخامسة والستين لكي تبدؤوا مثلما فعلت!".. فماذا أنت فاعل؟؟
 

عبدالرحمن السلطان        2012-09-27 12:28 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 7 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • مقال جميل اخي عبدالرحمن يعطيك العافية طلال الزهراني
  • لا فض فاك مقال اكثر من رائع لين
  • اشكر د. عبدالرحمن علي طرح العديد من المواضيع المتنوعه التي تثري القارئ في موضيع تهم الفرد والمجتمع بشكل عام فوزان محمد
  • نحن مجتمع لايحب التغير او المحاولة والدليل خروج بعض الناس لمعارضة اي جديد وربطها بالدين حتى اصبحنا مجتمع يعيش بالغلو ويخاف حتى من المحاولة عبدالعزيز عبدالله
  • قصة مبدع يرويها لنا مبدع د. عبدالرحمن المتميز إعلامياً خرج من رحم الصيدلة و أبدع في الإعلام. و زاوج بينهما في دراسة الماجستير. مثال واقعي على النجاح في بلادنا يا أخ تركي عبدالغني ملكدي
  • قصص النجاح في أمريكا والغرب كثيرة, لأنهم مجتمعات تركز على الفرد بذاتة ولا تهتم بالعيب ولا بالفشل, لأن الفشل هو طريق النجاح عندهم , أما نحن فلا نكاد نصدق أن أحدنا وقع حتى نزيد من جراحه ولا يستطيع أن يقوم من جديد. turki
  • مقال جميل...شكرا فيصل السعيد

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.