الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

الوحدة الوطنية والمذهب الواحد

لا شك في أن أخطر ما تواجهه دول المنطقة هذه الأيام هو خطر تفتيت الوحدة الوطنية

لا شك في أن أخطر ما تواجهه دول المنطقة هذه الأيام هو خطر تفتيت الوحدة الوطنية، وتفكيك كياناتها السياسية التي تكونت أساسا نتيجة اجتماع مجموعة من البشر وبالتراضي على تكوين محيط آمن يجمعهم تحت مصلحة عليا واحدة، وأهداف معيشية وحياتية مشتركة من أجل حياة كريمة وآمنة لهم ولأحفادهم وذريتهم من بعدهم.
فالخطر الداهم هذا ينطلق عبر تطبيق فكرة (فرق تسد) لخلق البلبلة وعدم الاستقرار بين مكونات المجتمع الواحد، وذلك من أجل بقاء ذلك المجتمع ضعيفا ومشتتا لكي لا تتحقق له القوة والاستقرار.
لقد أصبحت المذهبية اليوم، وللأسف الشديد، إحدى الركائز التي بها يفكر المجتمع، والمرض الذي يحرك مواقف الإنسان السياسية من جهة والمعيشية من جهة أخرى، في عملية هي من صميم الشك والبارانويا النفسية تجاه المختلف القريب منه والبعيد، في وقت لا نجد في من يفترض فيه الدراية والحكمة أن يقوم بدور المرشد والمصحح لإحدى أهم الحقائق التي لا تقبل الجدال، بناء على وقائع التاريخ والأدلة الشرعية، وهو أن الاختلاف أمر واقع لا يمكن إلغاؤه.
في كتاب (لا إسلام بلا مذاهب.. وطروس أخر من التراث) للكاتب العراقي "رشيد الخيّون" والذي يتمحور حول فكرة أن وجود دين إسلامي دون مذاهب هو أمر لا يمكن تحقيقه، وذلك لكونه يتناقض مع طبائع الإنسان والحياة والدين الذي يقوم على التبدل والتناقض بين الأشياء، يقرر في الكتاب أن فكرة الاختلاف في المذاهب الإسلامية مثلا كان منبعه في الأساس سياسيا، ومنذ الحظات الأولى التي تلت وفاة سيدنا وحبيبنا "محمد" صلى لله عليه وسلم، وبالتالي فإن الاختلاف الحاصل حينها كان يتعلق باختلاف في الرؤى لتلك المرحلة الحساسة من تاريخ الإسلام، بينما الإشكال الحقيقي اليوم هو تحول ذلك الاختلاف السياسي إلى جوهر الاختلاف والمواجهة اليومية مع الآخر، حيث تحول خلاف مرحلي إلى اختلاف تصادمي فكري عقائدي أزلي، وأساس للعلاقة مع أتباع ذلك المختلف الأول.
إن مستوى التشكك الحاصل بين أبناء المذاهب الإسلامية المختلفة وصل حده الأقصى، بحيث يمكن القول إننا أصبحنا نرى تطبيقا عمليا لفكرة الـ(شروط العمرية) في ما بين أبناء المذاهب المختلفة، بينما هي صيغت أساسا للتعامل مع أهل الكتاب ممن يعيش في بلاد المسلمين، هذا التطبيق يسعى كما هو جلي في عزل المختلف عن الانخراط في النسيج المجتمعي على أمل أن يضمحل مع الزمان أو أن يتحول بفعل ذلك للمذهب المراد.
الاختلاف حقيقة حياتية لا يمكن إلغاؤها، فقد قال الله عز وجل: "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين" فهل يقوم الناصحون بدورهم في تنوير المجتمع؟
 

ياسر الغسلان        2012-10-07 1:28 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 3 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • مقال جميل ورؤية ناضجة اعتدناها من الكاتب احمد
  • العنصرية المذهبية المناطقية والقبلية اثارتها والتكتل لها تفتت اللحمة الوطنية لذا يجب ان نحذر الاختلاف ضروري يجب ان نحترم الاخر لكي نرتقي ياسين
  • يا سيدي الفاضل انت تتكلم عن المسلمين العرب ... وهدا حاله في كل شي في السياسه وانتقاد بعضنا لبعض وعدم سماع وجهه النظر المختلفه او حتي احترامها ... اما عند دهابك لاحدي الدول الاوروبيه او الاسيويه مثل سنغافوره وماليزيا فستجد المسلمين اقل حده في نقاشهم وبشاشتهم وحتي في طريقه طرحهم للمواضيع اللتي تمس الاسلام مهما اختلفت مداهبهم وطوائفهم ... البلي فينا احنا العرب. جميل جمال

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال