الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

علاقات باردة

انتقلنا من مرحلة الاستخدام والاستمتاع بالأجهزة الذكية إلى مرحلة الإدمان المرضي لها، لذا فإن العلاقات الإنسانية المباشرة في طريقها إلى التلف إذا لم نقنن استعمالها وطريقة التعاطي معها

التقيت بصديق قبل أسابيع قليلة بعد أن افترقنا لأكثر من عامين. كان اللقاء باردا على عكس ما توقعت. كلما انخرطنا في حديث معا غادر إلى هاتفه المحمول، الذي يناديه بضوئه قبل أن يعود إليّ بفتور.
عكر هاتفه أجواء اللقاء. لا أتذكر أنني أكملت معه موضوعا محددا. فحتى لو لم يناده هاتفه كان يذهب إليه. يحمله بين يديه؛ ليتأكد إذا جاءه تنبيه جديد أم لا عبر عشرات التطبيقات التي يمتلكها في جهازه وتسافر بينها أصابعه برشاقة.
حاولت أن أتظاهر بأنني سعيد بلقائه. لكنني في الحقيقة لم أكن كذلك. كنت منزعجا. لم ألتق بصديقي رغم أنني التقيته.
كان لقاءً يفتقر إلى مقومات اللقاء الإنساني الطبيعي. لقاء من طرف واحد. كان معي جسدا بينما روحه تتجول من تطبيق إلى آخر. من (تويتر)، إلى (الواتساب)، مرورا بـ (الإنستغرام).
أحزنني جدا ما آل إليه لقاؤنا. أحزنني جدا أن هذا اللقاء صار نسخة كربونية من لقاءات عديدة تدور في هذا العالم المثخن بالهواتف الذكية، التي أحالت حياتنا إلى حوارات صماء. أتألم عندما أشاهد شخصين في مطعم أومقهى أو جامعة إلى جوار بعضهما بينما هما بعيدان تماما عن بعضهما. يبتسم كل منهما لشخص آخر بعيد. يتحدث معه ويحتضنه ويربت على كتفه، في حين لا يعير جاره اهتماما ولو صغيرا. هذا البعيد لو صار قريبا سيصير غريبا.
لا أحد ينكر أن الهواتف الذكية سهلت حياتنا ولكن في نفس الوقت أفسدتها.
لقد أثبت الباحث في علم النفس في جامعة إسكس ببريطانيا، الدكتور أندرو برزيبلسكي، في دراسة حديثة، أن وجود الهواتف الذكية على الطاولة أثناء لقاء شخصين قد يفسد العلاقة نهائيا بينهما.
فما بالكم بوجود هذه الهواتف في كل مفاصل حياتنا ومناحيها. ترافقنا حتى في أسرتنا غير مكترثين بمشاعر من حولنا.
أصبحنا نفضل هذه المشاعر الافتراضية، ونغفل المشاعر الحقيقية.
ارتبطنا بهذه الأجهزة بطريقة مريبة. أصبحنا نتحسس جيوبنا وحقائبنا باستمرار. يعتبر بعض العلماء أن متلازمة الرنين الوهمية هي ظاهرة القرن الـ21. تشعر أن هاتفك يرن في جيبك ولكنه في الحقيقة لا يرن. تستيقظ على منبه هاتفك، الذي لم يرن بعد.
استفحال هذه الظاهرة يؤكد حقيقة إدماننا لهذه الأجهزة وانتقالنا من مرحلة الاستخدام والاستمتاع إلى الإدمان المرضي، الذي يحتاج إلى علاج، قبل أن يتفاقم ويتعاظم.
بات في مقدور الإنسان أن يعيش بلا غذاء ساعات طويلة، بيد أنه لا يستطيع أن ينصرف عن هاتفه دقيقة واحدة.
أجرت شركة أو تو للتأمين، دراسة حديثة، توصلت إلى أن 21 % من الشباب دون 24 عاما يستطيعون أن يصوموا 24 ساعة عن الطعام، لكن لا يستطيعون الصوم عن استخدام هواتفهم مهما كانت الأسباب. وأشارت الشركة في بحثها إلى أن الرقم في ارتفاع مضطرد في ظل ارتباط المستخدمين بأجهزتهم على نحو غير مسبوق.
إن هذه النتائج المروعة تؤكد أن العلاقات الإنسانية المباشرة في طريقها إلى التلف إذا لم نستيقظ ونقنن استعمالنا لها وطريقة التعاطي معها.
قبل شهور قليلة كنت في أحد صوالين الحلاقة وفوجئت بشاب يستخدم هاتفه الذكي بتبذير وهو يحلق شعره.
كلما امتلأت شاشته بالشعر، الذي يتساقط من رأسه مسحه، وتابع ما يقوم به في الجهاز. كان منظرا غريبا، لكنه يستحق التوقف والتأمل والدراسة.
من المحزن أن ترى يافعا يبدو مفوها ومثقفا وجميلا في العالم الافتراضي، مرتبكا مترددا في العالم الحقيقي؛ لأنه نسي أن يدرب لسانه كما درب أصابعه.
إنها ليست دعوة لمقاطعة الهواتف الذكية، لكن دعوة لتقنين استخدامها. إنها دعوة للعودة لأحبتنا قبل فوات الأوان.
 

عبدالله المغلوث        2012-10-13 1:37 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 8 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • رائع مقال في الصميم فعلا لقد رأيت بنفسي عائله التواصل بين افراد اسرتها عن طريق الهواتف الذكيه فقط... عجبي.. فوووز
  • حديثك اليوم يا أستاذ عبدالله له وقع الناقوس في أيامنا هذه ، باتت مشاعرنا باردة جراء هذه الأجهزة الالكترونية فقد تجردنا تماما من من حرارة التواصل في اللقاءات .. والأكثرية باتوا أكثر فشلاً في التواصل " اللساني " . نعمة أحلناها بإرادتنا إلى نقمة . أروى الحسيني
  • شاهدت بعيني الناس في اوروبا جوالاتهم عادية نادر مااشوف هواتف ذكية الان معي ابو كشاف جبل اللوز
  • لا أحد ينكر أن الهواتف الذكية سهلت حياتنا ولكن في نفس الوقت أفسدتها>بل نحن من افسد حياتنا بسوء استخدامها هكذا يقال.اما الدكتور أندرو برزيبلسكي، في قوله :أن وجود الهواتف الذكية على الطاولة أثناء لقاء شخصين قد يفسد العلاقة نهائيا بينهما.غير صحيح من وجهة نظري لانها كشفت بعضا من الحقيقه حول تزييف حميمية العلاقه الذي يتصنع به الاشخاص عند اللقاء قبل حضور هذا المنقذ من الخداع (الجوال) وفي الغالب تكون المصلحه هي من رتب اللقاء وحفز على التظاهر بسعادة اللقاء .ومعلوم ان الاحكام تبنى على الغالب في الام الحوارالحر
  • مقال ممتاز كعادتك أستاذ عبدالله. في منزلنا مثلا نجلس في الصالة٤ إخوة لا نتحدث مع بعض بل نتحدث مع جوالاتنا، لاحظت هذا الشيء في منزلنا ومنزل الأقارب. ممتعة ومفيدة مقالاتك نورة
  • أوافقك الرأي أن الذي تجده متحكما ومبدعا بالعالم الافتراضي تعلم أن سبل التواصل الطبيعي معه شبه معدومة ولكن أخالفك الرأي بالنسبة لصديقك الذي لو كان يحبك فعلا ويستمتع بسواليفك لما فكر بالجوال بل قد يشاركك بما عنده من صور وأغاني ومعلومات وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا
  • يا استاد عبدالله بنالسبه للمشكله اللتي حدثت معك مع صديقك لم يكن سببها الهاتف ولكن السبب في دلك عدم اهميه اللقاء بالنسبه لصديقك القديم.. الدنيا تغيرت واصدقاء الثانويه او الجامعه اللدين كنت تراهم اكثر من اهلك بعد فراقك لهم لعام او عامين تجد ان تفكيرهم تغير واصبح الانسجام مفتقد بينكم.. وكدلك في اصدقاء العمل ...لان الرابط اللي جمعكم قد دهب .. وهده ليست بصداقه .. الخطا فينا احنا وفي كيفيه اختيار الصديق اللدي مهما طال الزمن ومهما كانت حالتك الماديه ومركزك الاجتماعي فهوا علي تواصل دائم بك .. اما البقيه جميل جمال
  • أوافقكَ الرأي..وماأُلاحظه أن العلاقات في فتور مُتقدم وبإزدياد مُتضخم بين أفراد الأسرة الواحدة..فمابالكَ بين مُجتمع بأكمله..للأسف دائمًا مانلهثُ وراء الجديد مُخلفين وراءَ ظهورنا إنسانيتنا والفطرة..! بدرية الجهني

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال