الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

هي ظاهرة وليست استثناء

لا يمكن القول اليوم بأن حالات العنف الأسري هي مجرد حالات شاذة يرتكبها قلة ممن ابتلاهم الله بإدمان المخدرات والبعد عن الدين والأخلاق القويمة، فالأرقام الصادرة عن الشؤون الاجتماعية والتي تؤكد تعرض ٤٥٪ من الأطفال للعنف تضع تلك المقولة في موقع التبرير الذي ينتهج الهرب من مواجهة الواقع وتسطيح الأمور بديباجات يسهل قبولها ولكن يصعب جدا تصديقها في ظل الأرقام المحايدة والدراسات الميدانية.
لست ممن يعتقدون بأن حالات العنف هذه هي نتاج لما يمكن أن يطلق عليه عصر الانفتاح والعولمة والذي يحاول البعض تحميله أسباب تنامي الشذوذ في التصرفات الاجتماعية، بل أنا أقرب للرأي الذي يرى أن الإعلام ووسائطه المتعددة بكل ما تتضمنه من انفتاح نسبي هو من أعطى المجال لكشف أوجه الحقيقة المتجذرة في طرق التربية في بعض أفراد مجتمعنا، والتي ترى بأن ولي الأمر في المنزل له حق الحكم والقضاء وتطبيق الجزاء بالشكل الذي يراه مناسبا دون حسيب ولا رقيب ودون رادع ولا قانون.
الأرقام هي خير دليل على أن ما نتحدث عنه ليس حالات قليلة بل ظاهرة بالمفهوم الاجتماعي، فقد كشفت المديرة التنفيذية لمركز الأمان الأسري الوطني الدكتورة مها المنيف تسجيل أكثر من 600 حالة عنف ضد الأطفال خلال العامين المنصرمين، في حين أوضحت رئيسة مجلس إدارة جمعية حماية الأسرة الخيرية بمحافظة جدة سميرة الغامدي "أن 70% من الاعتداءات على الأطفال يرتكبها رجل البيت وما بين 50 - 70% من الرجال الذين يعتدون على نسائهم يعتدون على أطفالهم و70% من النساء اللاتي يتعرضن للاعتداء يعلن أن المعتدي يعتدي على أطفالهم أيضا" وما حالة مصرع الطفلة "لمى" على يد والدها إلا "قمة الجبل الجليدي" كما يقال، والذي تكشف للعيان، في حين أن هناك جبلا كاملا من الحالات الشبيهة والتي لم وربما لن ترى النور بسبب الخوف وانعدام الأنظمة الكفيلة بحماية الأطفال والنساء من البطش الأسري.
لا بد أن تقوم الجهات الرسمية المعنية بالأمر اجتماعيا وأمنيا وقضائيا في الإسراع بإصدار نظام للأمن الأسري وحماية الطفل والأبناء والزوجة، وكذلك الزوج، من إيذاء ذوي القربى وأخذ الموضوع مأخذ الجد، لأن العنف كلغة تربية وتعامل أسري لن تنتج لنا مستقبلا ـ إن لم نحد منها ـ إلا مجتمعا قد ينتهج ذلك أسلوبا في تطبيق الحقوق وبالتالي الخروج حتما عن التكوين الاجتماعي الصحي والتحول إلى مجتمع يرى أن البقاء للقوي، وهو تماما ما يتناقض مع الإسلام شرعا وممارسة ومُثلا.
 

ياسر الغسلان        2012-11-26 1:22 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 1 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • اسعد الله صبااحكم جميعا lina

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال