الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

هل زرت "شقراء" مؤخرا؟

أتمنى ألا يقتصر عمل هيئة السياحة والآثار على طباعة المطويات الدعائية، وتنسيق الرحلات الإعلامية، ثم إضافة شعارها بعد أن يقوم الأهالي بكل شيء، فالهيئة بإمكانياتها الضخمة أقدر على القيام بالمزيد

هنا كان الشاعر "مبيلش" يكتب قصائد قبل مئة عام، وهنا مجلس الرجال و"الوجار"، وهذا "بطن البيت"، كان المتحدث هو مضيفنا الصيدلي ثامر بن عبدالرحمن الصبيّ، الذي حوّل دعوته الكريمة لزيارة "شقراء" القديمة إلى مغامرة رائعة، وذكريات لا تنسى.
كانت البداية قبل ذلك بساعتين فقط، حينما التأم شمل المجموعة في موقعٍ محددٍ شمال "الرياض"، وانطلق الجميع باتجاه الهدف، صحيح أننا تأخرنا قليلاً بسبب كوب قهوة أميركية، أصرّ صديقنا "أيمن" على ضرورة أن يفتتح يومه بها! لكننا وصلنا وأذان صلاة الظهر يصدح في سماء "شقراء"، وليس هناك أروع من المدرسة النجدية في رفع الأذان.
وهكذا أصبحنا وسط مدينة "شقراء" وهي العاصمة الإدارية لإقليم الوشم "190 كلم شمال غرب العاصمة"، التي لا يكاد الشخص يقبل بسيارته، ويتجاوز الدوار الأول حتى يرى على يمينه سور البلدة القديمة شامخاً، بجدرانه الطينية الباسقة، لتجد في إحدى زواياه قصر الشيخ "عبدالرحمن بن عبدالله الفاضل"، الشهير بقصر "السبيعي"، المنشأ عام 1327، الذي استضاف الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن -طيب الله ثراه- مرات عديدة، وكان مقراً ممثلاً لمالية الدولة في الإقليم. كانت خطوتنا الأولى هي زيارة منزل الشاعر النجدي "عبدالله بن محمد الصبيّ"، الشهير بـ"مبيلش" والمتوفى وحيداً دون عائلة عام 1370، لكن شعره الرقيق جمع ووصل إلينا، بل إن منزله الطيني، وبعد أن تولى ابن عمومته الشيخ "سليمان بن عبدالرحمن الصبي" أمر ترميمه بنفس مواد بنائه، ازدان بنماذج جميلة معلقة من شعره، بعد أن جمع من هنا وهناك.
بعد استراحة خاطفة، تخللها احتساء القهوة والشاي في مجلس شاعرنا "مبيلش"، وهي بالمناسبة عادة أغلب البيوت المرممة في البلدة القديمة، حيث الأبواب مفتوحة، ورائحة القهوة والتمر الفاخر تسبق ترحيب أهلها بضيوف مدينتهم. المهم.. بعد هذه الاستراحة انطلقنا نحو رحلة تاريخية مليئة بالقصص والأحداث، مروراً بجدران بلدة كانت حيّة برجالها ونسائها الكرام، حيث كانت البداية من مسجد الحسيني، بمئذنته الفريدة وآباره، الذي يتجاوز تاريخ بنائه 350 عاماً، حيث رمم بشكل فني متقن، وخصوصاً "الخلوة" السفلية، التي كانت تجمع جماعة المسجد خلال أيام البرد، كما هي الحال في أغلب مساجد "نجد"، ثم المنحاة والسوابيط، ومجلس "البواريد"، والسكك المؤدية إلى بيت المطوعة "إدريسة"، تلكم المرأة التي كانت تعلم القرآن للفتيان والفتيات، وقصر "حشر البواردي" الذي كان أميراً لشقراء، ثم المرور بعد ذلك على الحويطات المرممة، ومنها حائط "لولوة" وحويط "الجماعة"، ومدرسة "السليمي" التي كانت خارج السور، وكان لها الفضل في تخريج عددٍ كبيرٍ من أبناء شقراء وما حولها، ثم الجولة الخارجية على السور من الجهة الشمالية الغربية، ثم الدخول إلى منزلي عائلتي "الجميح" و"العيسى"، كما أننا لم نغفل زيارة باب "العقدة" و"المقاصير" و"حوش الخيل"، وكذلك حجرة "السكور"، وهي غرفة تحكم توزيع المياه التي كانت تسقي سكان "شقراء" تلكم الأيام.
بعد هذه الجولة المثقلة بالتاريخ، التي تخللتها وجبة غداء تقليدية "ثقيلة"، تكونت من "الجريش" و"المرقوق"، وطبق "المخامير"؛ وهي الوجبة التي تتميز بها "شقراء" دون بلدات "نجد"؛ انطلقنا بجولة مكوكية على معالم المدينة، وكانت خطوتنا الأولى سوق "حليوة" الشعبي، الذي جدد مؤخراً، حيث قضينا وقتاً ممتعاً بتجاذب أطراف الحديث "المثير" مع عددٍ من كبار السن من الباعة والحرفيين، الذين تميّز حديثهم بالقفشات اللطيفة والقصص التاريخية، منها قولهم أن تسمية "شقراء" كان نسبة إلى "الجبل الأشقر" بالقرب منها، وأضاف بعضهم سبباً آخراً يعود إلى غلبة اللون الأشقر على تربة أرضها، نظراً لأنها تربة طينية امتزجت بالرمال، ثم تواصلت جولتنا على بقية منشآت المدينة، وخصوصاً المشاريع الجديدة، لجامعة شقراء والكلية التقنية، وحديقة البحيرات! وغيرها.
غير أن مضيفنا كان يخبئ لنا الأروع لآخر الرحلة، فما إن عدنا إلى منزل "مبيلش"، وتناولنا قهوة ما بين "عشاوين"، حتى اتجهنا نحو نفود "المسمى" بالقرب من "شقراء"، وهي منطقة رمال ذهبية رائعة، وقد كانت للتو ارتوت من مطرٍ خفيفٍ هطل قبل ليلة واحدة، مما جعل الجلوس فوق تلكم الحبيبات أمراً لا تمكن مقاومته، وقد كانت سهرة ممتعة، وقد تحلّق الرفاق حول قطعٍ توهجت من حطب "السمر"، واكتملت الليلة بأن كان القمر بدراً، مما جعلنا نطيل السهر والسمر.
لقد نجح أهالي "شقراء" في إعادة الحياة إلى قلب مدينتهم، وأضحت تجربة سياحية رائدة على مستوى المملكة، دون إغفال الجهود التي تمت في بلدة "أوشيقر" المجاورة، التي تميزت تجربتهم بإضافة متحف مفتوح، ومطعم شعبي، لا يقدم سوى الأكلات الشعبية "النجدية"، بالإضافة إلى متاجر صغيرة تخصصت في عبق الماضي من مأكولات ومشروبات وملابس وتذكارات، تجعل زيارة مثل هذه الأماكن تجربة تتمنى ألا تنهتي، فكم رأينا في جولتنا من عوائل تتجول بكل حرية، والأب والأم يقدمان ذكراتهما عن حياة الأجداد، وعن شظف العيش آنذاك، وذلك هو جوهر السياحة الريفية، حينما يستمتع الزوار على مختلف أعمارهم، ويستفيد معظم السكان المحليين من تلكم الزيارة.
إن حواضر "نجد" الأخرى مثل "ثادق"، و"القرينة"، و"حريملاء"، و"سدود" وغيرها ليست مليئة فقط بالآثار، بل متخمة بالشواهد التي يجب أن تعود إلى بريقها السابق، ففيها من عبق التاريخ الكثير، وفيها من القصص والأحداث ما يستحق أن يروى للأجيال الشابة، إنه نداء لهيئة السياحة والآثار بألا يقتصر عملها فقط على طباعة المطويات الدعائية، وتنسيق الرحلات الإعلامية، ثم إضافة شعارها بعد أن يقوم الأهالي بكل شيء، فالهيئة بإمكانياتها الضخمة أقدر على القيام بالمزيد، ولتكن البداية فقط بدعم المشاريع السياحية الصغيرة لشباب المنطقة، مثل "الإرشاد السياحي" و"خدمات الضيافة" وغيرها، هنا نستطيع أن نقول إن الهيئة بدأت بالخطوة الأولى الصحيحة نحو سياحة سعودية مستدامة.

عبدالرحمن السلطان        2013-03-31 1:28 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 10 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • من اجمل ما قرأت عن مدينة شقراﺀ شكرا استاذ عبدالرحمن اسأل الله لك التوفيق وننتظر منك المزيد عبدالعزيز الفاضل
  • مقال رائع جدا يا استاذ عبدالرحمن ونورت عاصمه الوشم بحظورك وياهﻻ وسهﻻ بكم وبجميع الزوار الكرام. محمد ال غيهب
  • مقال رااائع بروووعة كااتبه .. الله يعطيك الف عافيه ليتها ان تجد اذان صاغيه من الهيئة الموقره سعد الجماز
  • فعلا"إن هذا العمل الجبار له عظيم الأثر في نفوسنا ويعيد عبق الماضي المليء بالذكريات الجميلة في زمن بسيط لا تعقيد فيه وأنا قد سبقتك في هذه التجربة بل تفوقت عليك بأن قضيت ليلة هادئة نمنا خلالها في بيت مبيلش بضيافة أخونا الفاضل الأستاذ/سليمان بن عبدالرحمن الصبي جزاه الله خيرا" وأثابة على قيامة بترميم البيت بأحسن صورة أعادت لنا الماضي الحنطي
  • كل الشكر للكاتب الأستاذ عبدالرحمن السلطان موصول الشكر لأبناء المرحوم عبدالرحمن الصبي وليست غريبة على ابناء شقراء فديتهم ,,,,,,,, بن مقرن
  • مقال جميل جداا ..والله يعطي العافيه للي كاتبه بصراحه من المقال و الوصف تمنيت اني اروح لشقراء واشوفها واشوف هالاماكن والبيوت الطينيه للي تبعث في النفس الراحه والواحد مهما تتطور تبقى هالاماكن جميله وتحس فيها براحة نفسيه ..وماهو بس مدينه شقراء جميله حتى اهلها فيهم من الطيبه والاخلاق انا اعرف اهلها ومن طيبتهم واخلاقهم تمنيت اني ساكنه عندهم ..<<هذه ماحبيت اقوله للاخ ناصر للي يقول مقال بلاهدف ام فراس
  • مقال بلا هدف. ناصر
  • ما أكثر الناس الطيبين من مواليد شقراء أو أشيقر. لم ار حيطانها الطينيه (كما وصفها الكاتب)، بل خبرت الأجاويد من أهلها. merzook
  • Kمعشوقتي مدينتي الرااائعه شقراء جميله بحاضرها وماضيها بنت النور الشقراويه
  • وصف جميل استاذ عبدالرحمن، تمنيت ان كنت معكم في هالمدينة الجميلة عبدالمجيد

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال