الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

المرأة التي دخلت السجن بنفسها

عملت "مارثا" على بناء سمعة قوية لشخصها، واجتهدت في تقديم المفيد والمناسب للمرأة الأمريكية، وخصوصا العاملة، مما جعلها تصنف كإحدى النساء الأمريكيات الشهيرات

قد يتعرض "الناجح" للمضايقات والصعوبات، بل قد يواجه عقبات قد تقضي على مستقبله المهني، والأسوأ من ذلك أن تهدم احترام جمهوره له، لكن قصة صعود نجم الطاهية الأمريكية "مارثا ستيوارت Martha Stewart" شدتني بشكلٍ غريب، كونها اتخذت قراراً مفاجئاً، خلال قمة نجاحها المهني؛ وهو أن تدخل السجن طواعية عام 2004م، وأن تتنازل عن الاستمرار في محاكمة طويلة، كادت أن تكلفها شهرتها الكبيرة، وأن تفقدها حب واحترام ربات المنازل الأمريكيات.
لم يكن أحد يتوقع أن تتخذ "مارثا" مثل هذا القرار، وهي على قمة مجدها، وقد كانت تقدم برنامجاً تلفزيونياً شبه يومي، يبث على إحدى قنوات التلفزة الوطنية، وتنشر مجلةً تحقق انتشاراً كبيراً، غير أن رواج ادعاءات تجنبها غير القانوني لخسارة محققة، بأن قامت عام 2001م ببيع أسهم شركة "ImClone"، التي على الفور فقدت 18% من قيمتها في اليوم التالي لبيع أسهمها! لقد حاولت "مارثا" أن تتجنب الحملة الإعلامية التي ظهرت بعد انخفاض السعر، بما في ذلك تغطية مجلة "نيوزويك"، التي هاجمت الطاهية الشهيرة تحت عنوان: "فوضى مارثا"، مما سبب تضخم كرة الثلج تجاهها، والتي رغم أنها حاولت تجاهل تلك الحملة بأن استمرت بتقطيع "الملفوف"، أو على حد تعبيرها الساخر: "أريد فقط أن أركز على طبق السلطة"، لكنها وبعد سنة من ضغوط المجتمع والإعلام أعلنت استقالتها من منصبها كمديرة تنفيذية، بعد أن بدأ تحقيق للنيابة العامة في "نيويورك"، ولكن الأمر تجاوز ذلك، إذ وفي عام 2003م وجه الادعاء العام إلى أشهر طاهية أمريكية في الوقت الحاضر تسع تهم مختلفة، أهمها غش الأوراق المالية، والأخرى عرقلة سير العدالة، لتتنحى طواعية عن مناصبها الأخرى، ولتبدأ خوض سلسلة من المحاكمات والقضايا المتتالية، لكنها بعد أقل من سنة اتخذت قرارها بقبول قرار هيئة المحلفين بسجنها في إصلاحية فيدرالية، وفترة سنتين من الإفراج المشروط.
لكن دعونا نعد إلى الوراء..بعيداً، لنعرف ما الذي جعل "مارثا ستيوارت" تحقق كل هذا النجاح المبهر؟، ولتتربع على عرش إمبراطورية ضخمة من المشاريع، التي بدأت فقط بكتب الطبخ ووصلت مؤخراً إلى كل مستلزمات المنزل تقريباً.
عاشت "مارثا" بدايات تقليدية، مما جعلها تميل بقوة نحو الاهتمامات المنزلية، حيث اكتسبت من والدتها أصول الطبخ، ومهارات الخياطة، بينما تعلمت طرق التعليب والحفظ عندما كانت تزور بيت جديها في "بافالو"، كما ساهم انخراطها في الأنشطة اللاصفية بصقل شخصيتها، لكنها عملت في عروض الأزياء، ونظراً لاستقامتها حصلت على منحة جامعية في نيويورك، لكنها توقفت عن الدراسة لتتزوج، ثم تعود للدراسة في الجامعة بعد عام، ولتحصل على تخصص التاريخ، وبالذات تاريخ الهندسة المعمارية، لكنها لم تعمل في مجال تخصصها، بل بدأت بتطوير مهاراتها التجارية، ودخلت سوق الأوراق المالية عام 1967م، وحققت نجاحاً باهراً، لكنها كانت دوماً تحنّ لمطبخها وبيتها، وبعد ست سنوات اتخذت قرارها وتركت العمل الوظيفي وتفرغت لحياتها الخاصة وتربية ابنتها الوحيدة.
وفي عام 1967م قررت أن تستفيد من خبرتها التجارية في ما تحب، فبدأت من قبو منزلها أعمال توريد الأطعمة catering، مع صديقتها "نورما كولير" التي زاملتها خلال فترة عروض الأزياء، فحققتا نجاحاً متصاعداً، ولكن للأسف دب الخلاف بين الصديقتين، حيث زعمت "كولير" أنه بات من الصعب العمل مع "مارثا"، وأنها كانت تتحكم بالعمل بطريقة أنانية، لكن إيمان "مارثا" بموهبتها ومهارتها جعلها تشتري نصيب صاحبتها، ليتطور المشروع ويتوسع.
لكن قصة الانطلاقة الرئيسة بدأت بعد أن تولى زوجها رئاسة شركة "نيويورك هاري وان ابرامز" للنشر عام 1977م، حيث أشرف على إصدار سلسلة "الكتاب السري للأمثال"، والذي لقي رواجاً غير متوقع، مما جعل شركته تتعاقد مع شركة زوجته للإشراف على حفلات إصدار الكتاب، والتي كانت فرصة لمارثا أن تتعرف على "آلان ميركن" رئيس مجموعة "كراون" للنشر، الذي أبدى إعجابه بما لديها من مواهب وحسن إدارة، ليوقع معها عقداً لتأليف كتاب طهي فريدٍ من نوعه، يحتوي على وصفات وصور للحفلات التي أشرفت على خدمتها، وكان كتاب: "المسليات Entertaining"، الذي حقق نجاحاً باهراً، وليكون أعلى كتب الطهي مبيعاً منذ ظهور الكتاب الأسطوري "إتقان فن الطبخ الفرنسي" لجوليا تشايلد، الذي صدر في عقد الخميسنات الميلادية.
تلاحق النجاح سريعاً بعد ذلك؛ حيث أصدرت طاهيتنا العديد من الكتب، منها "وجبات مارثا ستيوارت"، ثم "مشهيات مارثا" وهكذا دواليك، وقامت بكتابة الكثير من المقالات الصحفية عن التدبير المنزلي، والظهور في برامج "الثرثرة" الأمريكية، مثل "أوبرا" و"لاري كينغ".
لقد عملت "مارثا" على بناء سمعة قوية لشخصها، واجتهدت في تقديم المفيد والمناسب للمرأة الأمريكية، وخصوصاً العاملة، مما جعلها تصنف كإحدى النساء الأمريكيات الشهيرات، حتى إنها وبعد خمسة عشر عاماً من العمل الدؤوب والجاد؛ بدأت في عام 1993م برنامجاً تلفزيونياً خاصاً بها لمدة نصف ساعة فقط، تحت إشراف مجلتها "مارثا ستيوارت ليفينج" والتي كانت أطلقتها قبل ثلاث سنوات، أي في عام 1990م، تلكم المجلة التي تلخص نجاحات "مارثا"؛ حينما وصلت ذروة التوزيع عام 2002م ببيعها مليوني نسخة للعدد الواحد!
عقود طويلة من العمل المتواصل لبناء صورة إيجابية للطاهية، التي تحوّلت مع مرور الزمن إلى مرشدة لربات البيوت الأمريكيات، والتي اضطرت للانحناء وقت العاصفة، ودخول السجن بملء إرادتها، خوفاً من فقدان جماهيرها الكبيرة، والتي تجاوزت أمريكا لتصل إلى العالم أجمع، والمثير في الأمر أن خروجها من السجن عام 2005م زاد من شعبيتها، وجعلها تقتحم مجالات جديدة كبيع البيوت المستوحاة من منزلها الأول، ليؤكد ذلك على صحة حدسها، وأن رهانها على جمهورها الوفي قد حقق نتائج لم يكن يتوقعها أكثر المراقبين تفاؤلاً.

عبدالرحمن السلطان        2013-04-28 10:45 PM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 4 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • النجاح طريقه صعب وطويل, ويحتاج الكثير من التضحيات في الوقت والجهد وحتى النفس, وهذا اللي فعلته السيدة مارثا حينما دخلت السجن ينفسها, الطبيب محمد
  • الهدف هو اساس النجاح.. سمر
  • قرار السجن قرار كبير, ولكن أتوقع اخوي عبدالرحمن أنه دخلت بسبب ضغط الاعلام عليها ومثل ما ذكرت أنها كانت خايفة تفقد جمهورها, لكن حتى وهي داخل السجن كان برنامجها يعاد على القنوات التلفزيونية ومجلتها كانت مستمرة في الصدور, شكرا عزيزي على المقال اللطيف. عبدالعزيز
  • برامج مارثا في التلفزيون تدل أنها مثقفة ولديها خبرة كثيرة في الأعمال المنزلية واسلوبها جيد نورة العتيبي

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال