الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

الكلية التي ستصنع فنلندا جديدة

تشكل العلاقة المتوترة بين الكلية والمدرسة أهم العقبات التي تحد من دور التعليم العالي في أداء الدور المتوقع منه، فعندما نفصل الكلية عن المدرسة، يقل التواصل بين الطرفين

كان التوجه في التعليم وما تسعى لتقديمه أفضل المدارس النموذجين البريطاني والأميركي، اعتقادا وإيمانا من المجتمع بأن هذا هو أفضل ما يمكن تقديمه لأبناء الوطن. تسابقنا في الماضي لتسجيل أبنائنا في مدارس تتبع أحد النظامين حتى ظهر النموذج الفنلندي الذي اكتسح شعبية منافسيه في الساحة العربية.
لا توجد لدينا مدارس فنلندية حتى الآن، لكنها بالتأكيد ستبدأ بالتكاثر قريبا في نسخ هجينة لنتسابق بتسجيل أبنائنا بها في سعي لا يتوقف للبحث عن الأفضل. وبعد عدة سنوات سيظهر لنا نموذج ونظام آخر ينتمي لماليزيا أو اليابان أو ألمانيا، وستعاد نفس المشاهد لدينا لكن بجنسية جديدة في كل مرة.
تتعدد الأسباب في نمو هذه الظاهرة لدينا، فمنها شعورنا الدائم بالدونية أمام الغرب أو رغباتنا في أخذ طريق مختصر قد يوصلنا للمراتب الأولى في التصنيفات العالمية. لكن بغض النظر عن هذه العوامل الاجتماعية، فإن أحد أهم الأسباب من وجهة نظر تعليمية هو تواضع كليات التعليم، أو التربية كما تسمى لدينا، في القيام بدورها كمجدد في الفكر التعليمي بناء على توجه الدولة وما تفرضه العولمة من تحديات.
عندما تم تصنيف فنلندا كأفضل دولة في مجال التعليم، لوحظ أنها لم تقم باستيراد المدارس أو الفكر الأميركي وغيره حتى تصل إلى هذه المكانة، بل قامت بطرح فكر تربوي جديد بالتعاون مع كليات التعليم وأساتذتها للتوصل إلى هذا النموذج المتميز. توجد العديد من الأسباب التي أدت إلى تواضع كلياتنا في تقديم مثل هذه المخرجات الفكرية، من أهم هذه الأسباب هو الاكتفاء بأداء أدوار محددة مقتصرة بشكل كبير على سد الاحتياج الوظيفي في القطاع الحكومي، وبعدها أيضا عن ساحتها التطبيقية، أي المدرسة، بشكل بناء يفيد الطرفين.
بالنسبة للدور الذي تلعبه كلياتنا مقارنة بغيرها في العالم، فإن الأخيرة تقوم بالتأثير على سياسات الدولة في كل ما يتعلق بالمدرسة، كما أنها في كثير من الأحيان تقوم بتطوير الأنظمة التعليمية في المنظمات العالمية ضمن مبادرات المجتمع الدولي. التخصصات التي تشملها كليات التعليم المتميزة تعكس توقعات الدولة منها، فهي تتجاوز إعداد المعلمين بشكل كبير، وتمتد لتتضمن التخصص في الإصلاح المدرسي، التعليم الدولي المقارن، تعليم الأقليات العرقية وذوي الدخل المحدود في المدن ووضع سياسات التعليم في الدولة. توجد أيضا تخصصات وبرامج قد لا تخطر على بالنا أبدا مثل طرح برامج ماجستير ودكتوراه في قياس أثر الجامعات الغربية التي تفتح أفرعا لها في كافة أنحاء العالم، مثل سلسلة الجامعات الأميركية التي تزداد طولا وخصوصا في العالم العربي. عندما لا تعد كليات التعليم لدينا المتخصصين في هذه الجوانب من التعليم وتقتصر على طرق التدريس فقط، يصبح من الصعب على رجال الدولة اتخاذ القرارات السليمة في ما يخص تطوير القطاع أو كيفية الاستثمار في بناء المدارس الجديدة.
أيضا، تشكل العلاقة المتوترة بين الكلية والمدرسة أهم العقبات التي تحد من دور التعليم العالي في أداء الدور المتوقع منه. فعندما نفصل الكلية عن المدرسة بشكل كبير، يقل التواصل بين الطرفين وتختلف التوقعات وآليات العمل التي يفترض أنها مشتركة وتخدم نفس الطالب. هذا الفصل يضرب بالجودة المقدمة للطالب عرض الحائط تماما كما لو فصلنا كليات الطب عن المستشفيات! توجد حاليا بعض المبادرات في مراحلها الأولى للإصلاح بين الطرفين عن طريق عقد شراكات بين وزارة التربية والتعليم وكليات التربية لكن حاليا الطالب وحتى الدولة تدفع ضريبة هذه الفجوة. فعلى سبيل المثال، قام مشروع الملك عبدالله لتطوير التعليم العام بطرح مشروع المعلم الجديد التأهيلي والذي يهدف لتأهيل المعلم حديث التخرج من مؤسسات الإعداد التربوي لأن إعداده يعتمد على النظرية أكثر من التطبيق. فلو وجدت قنوات للتواصل بين الطرفين، لما قامت مؤسسات الإعداد التربوي هذه بتخريج قوى عاملة لا تناسب توقعات المدرسة. المركزية التي تم تغليف مدارسنا بها من قبل وزارة التربية تساهم أيضا في وضع المزيد من الحواجز لأية جهة خارجية تمد يد العون لتطوير المدرسة، هذه المركزية قامت بطريقة غير مباشرة بالتأثير سلبا على كليات التعليم ومسؤوليتها تجاه المدرسة. والمحزن أنه تم إغفال الدور المهم للكلية في تطوير التعليم لدى مبادرات الدولة مثل مشروع (تطوير) بدون التذكر بأنه لا توجد دولة في العالم تميزت مدارسها بدون تميز كلياتها التي تمثل جودتها جودة المدارس بشكل مباشر.
إصلاح التعليم كان يجب أن يتم من خلال إعادة هندسة القطاع وإعادة تعريف دور كافة ذوي الشأن (مثل الكليات) بالنسبة لرؤية الدولة المستقبلية للمواطن السعودي. يقول روبرت جون ميهان، وهو أحد الرواد في إصلاح التعليم الأميركي إن "الإصلاح أو التغيير الحقيقي للتعليم لن يتحقق إلا عندما يتم إشراك كافة ذوي الشأن في خلق وإيجاد النظام الجديد". عندما لا يتم تفعيل دور كليات التعليم كمجدد في الفكر، يصبح من المغري لرجال الأعمال والقطاع الخاص استغلال النماذج العالمية بعد وضعها في قالب تجاري يناسب ما يعتقد المجتمع أنه يريده ويحتاجه مع عقد بعض الشراكات الأجنبية للإشراف والعمل عن قرب لفترة موقتة. المشكلة أنه عندما لا يتم تفعيل الدور الطبيعي لكليات التعليم، يصبح من الصعب على المستثمرين في القطاع وأولياء الأمور ومديري المدارس وحتى الدولة اتخاذ القرارات الملائمة، ولهذا يصبح الاستيراد أو الارتجال من أحد أفضل الخيارات المطروحة دوما.
يجب على كليات التعليم العمل لكسب مصداقيتها مرة أخرى في المجتمع مع إتاحة الفرصة لها من قبل الدولة لتطبيق دورها الطبيعي في التطوير والتغيير. حل الدور سابقا على المدرسة الأميركية والبريطانية، الآن نتحدث عن المدرسة الفنلندية، فهل سيأتي دور السعودية كنموذج عالمي يقتدى به؟

سارة زيني        2013-09-16 1:31 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 2 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • قام خادم الحرمين باستقطاب استاذ سنغافوري لرئاسة جامعة الملك عبدالله ... هذا ما نحتاجه لتطوير تعليمنا ... واي شيئ آخر سيبقينا في حقل التجارب. عبدالمنعم السنغافوري
  • هو ليس من الخيال .. ولا المستحيل .. وانما يتطلب تطوير منهجيه واليه جديده للسياسات التعليميه..وان نؤمن بان الطالب هو اغلي مانملك ..فلنجعل منه استثمارا ناجحا للمستقبل ثامر المزبد

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال