الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

حتى لا يهدر الدم!

على الرغم من تناقض عبارة "كاد المعلم أن يكون رسولا" وبعدها عن واقعنا، لكنها صحيحة بشكل استثنائي بالنسبة لمحمد برناوي، فمن الجميل ذكر وسائل الإعلام له بكل خير، وتكريمه من قبل المجتمع

بعض العبارات الجميلة التي تكرر دوما، تفقد جزءا من جمالها وروحها عندما تعاد على الأذن كثيرا بدون أي تطبيق، أو عندما نطبق العكس تماما مما تدعو إليه. تزين مدارسنا بهذه العبارات من رأسها لأخمص قدميها، وأكثر هذه العبارات شعبية وتكرارا هي: "كاد المعلم أن يكون رسولا". وهنا يجب أن نتوقف قليلا ونفكر، ففي مجتمع حال معلمه أي شيء سوى أنه مكرم، فإن مجرد سماع هذه العبارة يشعر أي مهتم بالتعليم بالألم الشديد. هذه العبارة ربما من الأفضل أن نضعها في متحف لأنها من الآثار القديمة التي تذكر للبكاء على الأطلال أو قد نستخدمها في درس التاريخ لأنها حتما من الماضي.
"كاد المعلم أن يكون رسولا"، عبارة أصبحت تشعرنا بالمزيد من الغصة بعد مقتل المعلم الفاضل محمد برناوي -رحمه الله- في جازان، فهذا المستوى العالي من التناقض لا يعلم الطلاب سوى أن التناقض مقبول وأن الكلام الجميل يستخدم للحفظ ولتزيين الجدران. ربما نسي التعليم أن الواقع وما يدور حول الطالب هو ما يعلمه وليس العبارات الجميلة التي يحفظها والتي اغتالها التناقض والتكرار.
بعيدا عن مدى بشاعة هذه الجريمة التي لا يمكن لأي قلم أن ينصف ضحيتها، يجب علينا التفكير في سبب وقوعها والدرس الذي نخرج به حتى لا يهدر دم هذا المعلم بدون أي تغيير في النظام أو في إيجاد لجنة طارئة تدرس الحادثة إلى ما شاء الله. هذه الجريمة كانت ستقع لا محالة لو نظرنا لتدرج الأحداث في المدارس السعودية. فابتداء من الشغب وعدم احترام المعلم، انتقلنا إلى تهديده وابتزازه، ثم إلى تخريب ممتلكاته وكسر سيارته حتى انتهينا بقتله في المدرسة. السؤال الذي يطرح نفسه هو، ما الذي قامت به وزارة التربية والتعليم كسياسة رسمية تعمم على كافة المدارس للتعامل مع العنف؟ المشكلة لا تقتصر على التعدي على هذا المعلم، لكن كثقافة عنف قبلناها رغما عنا واكتفينا باستهجانها قولا فقط بدون أي ردة فعل لكبحها قبل أن تصل إلى هذا الحد من البشاعة. من بداية ظهور حوادث التعدي على المعلمين وتكسير سياراتهم وتهديدهم بالسلاح، ما الذي قامت به الوزارة حتى تمنع استفحال المشكلة؟ ما هي الطرق التي تم اتباعها للتعامل مع هؤلاء الطلاب بطريقة تربوية؟ كيف يمكن أن نصمم المدرسة بطريقة تحتويهم ولا تستفزهم؟
هذه المشاكل التي تخص التعدي على المعلمين ليست جديدة على مجال التعليم، فهي موجودة في أكثر من بلد حول العالم. أغلبها مقتصرة على المناطق الفقيرة والتي تنتشر بها المخدرات والبطالة وينعدم فيها الدعم الأسري للطالب. فلماذا لم تتم الاستفادة من التجارب السابقة في محاربة العنف في هذه المدارس؟
توجد الكثير من الممارسات التي أثبتت نجاحها علميا والتي طبقت في مدارس تعتبر ظروفها أكثر صعوبة وتعقيدا من مدارسنا بكثير، حيث تتعدد أسباب العنف بسبب تعدد الأديان والطوائف واللغات والأعراق المختلفة في الحرم المدرسي الواحد. لماذا انتظرت وزارة التربية والتعليم حتى حصلت هذه الجريمة لاستيعاب وجود مشكلة؟ المخيف أنه لو مرت هذه الحادثة بدون أي تنديد أو تغيير، فالرسالة التي قد تصل للطلاب بأنه من الممكن قتل طالب لمعلمه، تماما كما مر تكسير السيارات مرور الكرام بدون أي حماية لأصحابها المعلمين.
الهيبة المفقودة تعد من العوامل الأخرى التي أثرت على تردي وضع المعلم. ربما أختلف مع الكثيرين من زملائي في قطاع التعليم، لكني أرى أن هذه الهيبة لا يمكن المطالبة بردها بأي شكل من الأشكال، فهي ليست مرتبة في السلم الوظيفي وليست عبارة عن مستحقات مالية ننتظر صرفها. هي ليست مشكلة بحد ذاتها، بل تعتبر نتيجة وأحد أعراض مشكلة أساسية في تدريب المعلم وفي الظروف التي يعمل بها. فمن المشاكل التي أدت لضياع الهيبة تدريب المعلم الذي لم يستقبل أفضل خريجي المرحلة الثانوية والذي لم يدربهم على استيعاب الطالب السعودي في القرن الواحد والعشرين. المباني المتهالكة والمستأجرة والفصول المتردية، القوانين والسياسات التي لا تشرك المعلم في صناعة أي قرار يخصه من أسباب ضياع الهيبة أيضا. استخدام السلطة أو ترديد عبارات الهيبة إجبارا لا يؤدي إلى احترام الطلاب للمعلم، فالاحترام والهيبة نتيجة مكتسبة تتحقق بناء على الثقة المتبادلة بين الطرفين، بدون أي إجبار أو ممارسة لأي سلطة. لكن واقعيا عندما يرى الطالب أن المعلم ضعيف في صفه وعندما يقرأ في وسائل الإعلام عن مشاكله وحقوقه المسلوبة، فأي احترام وأي ثقافة يمكننا أن نتوقعها؟
على الرغم من تناقض عبارة "كاد المعلم أن يكون رسولا" وبعدها عن واقعنا، لكنها صحيحة بشكل استثنائي بالنسبة لمحمد برناوي الآن. فمن الجميل ذكر وسائل الإعلام له بكل خير، وتكريمه من قبل المجتمع، وحضور كبار الشخصيات لجنازته، وأن كافة احتياجات أسرته ستلبى الآن... لكنه للأسف اضطر لأن يطعن ويتوفى حتى يحصل على كل ذلك.

سارة زيني        2013-10-07 12:50 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 1 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • في الصين رواتب المعلمين تتساوي مع رواتب الاطباء وتعتبر الاعلي من بين جميع الوظائف الاخري. جميل جمال

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال