الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

"أنزور" يكذب لأن الساحة فارغة!

بقدر ما أخطأ "أنزور" بالعرض غير المحايد لمرحلة مهمة من تاريخنا السعودي؛ بقدر ما كنا نحن السبب في فتح المجال له ولغيره بعد أن تركنا الساحة فارغة ليتحدث ويقدم تاريخنا من وجهة نظره هو

ما الذي يجعل مخرجاً شهيراً مثل "نجدت إسماعيل أنزور" ينتج ويخرج فيلماً سينمائياً عن المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن –رحمه الله-؟ أقل ما يقال عنه أنه تعريفٌ غير أمين لهذا الزعيم العربي الفذ، وتوثيقٌ غير محايد لملحمة نشأة أهم وحدة عربية في التاريخ الحديث.
قبل أشهر قليلة بدأ المخرج السوري "أنزور" حملة دعائية ضخمة لفيلمه الجديد "ملك الرمال" King of the sands بلغت ذروتها بالعرض الأول للفيلم في مدينة "لندن"، عشيّة الذكرى الثانية عشرة لأحداث الحادي عشر من سبتمبر، وكأنه يحاول الربط بين تلكم الأحداث الإرهابية والمملكة!
هذا الفيلم يعتمد في قصته الأساسية على رواية مسيرة تأسيس المملكة، على يد الملك عبدالعزيز، مستلهماً خروجه من الكويت حتى دخول العاصمة الرياض، ثم توالي ضمّ مناطق المملكة تباعاً، كما يتناول الفيلم المكون الأساس لتأسيس هذه البلاد على العقيدة السلفيّة، فضلاًَ عن أن الفيلم يظهر مؤسس هذه البلاد بصورة لا نعرفها، وبأسلوب يحاول التأثير على حاضرنا بالنيل من عظمائنا! وغنّي عن القول إنه في سبيل انتشار أوسع، خصوصاً في العالم الغربي استقطب "أنزور" للعمل معه في هذا الفيلم نجوماً غير عرب، كالممثلين الإيطاليين "ماركو فوشي" و"فابيو تستي"، والممثل البريطاني "بيل فيلوز"، كما أنه اعتمد "الإنجليزية" لغة رئيسة للفيلم.
والحقيقة أن ظهور مثل هذا الفيلم يضطرنا للتوقف أمام مشهدين اثنين: الأول هو أن أسلوب الاعتماد على كوادر أدبية وفنية غير سعودية في شيء يخصنا لا يجدي نفعا والأولى التركيز على أبناء وبنات بلادنا من المبدعين، فـ"نجدت" هذا نهل مراتٍ عديدة من أموالنا، حينما أنتج وأخرج الأوبريت الأهم في المملكة "الجنادرية"، ليس مرة واحدة فقط، بل مرتين اثنتين متتاليتين! الأولى أوبريت "أنشودة العرب" للدكتور غازي القصيبي عام 1422هـ، والثانية أوبريت "خيول الفجر" للشاعر عبدالرحمن العشماوي عام 1423هـ! وكأنما لم يدرك حقيقة ما كان يعمل عليه، حيث عاد بعد سنوات قليلة ليشوه تاريخنا، الذي تغنى به ومجّده "هو" أكثر من مرة!!
بيد أنه لم يقف عند هذا الحد، بل إنه حاول الاسترزاق على مآسينا بشكل فجّ حينما أخرج مسلسلاً تلفزيونياً سطحياً بعنوان "الحور العين" عام 2005، عن التفجيرات الإرهابية الآثمة التي وقعت في مجمع المحيا بالرياض، هذا المسلسل الذي لم يحظ بمشاهدة تذكر، فشل في جذب الجمهور، لكنه نجح في ملء جيوب المنتج، ولعلي هنا أشير فقط إلى طرفة عن هذا المسلسل تفصح عن تفكير هذا المخرج الذي لا يعترف إلا بلغة المال، إذ لم يتجاوز عدد الممثلين السعوديين فيه عدد أصابع اليدين، بينما كان عدد الممثلين من أبناء جلدة المخرج أضعافاً مضاعفة، رغم أن أحداث المسلسل يفترض أن تقع في مدينة الرياض السعودية! ناهيك عن المعالجة السطحية لقضية معقدة.
أما المشهد الثاني هنا، وهو الأهم فهو أننا لا نزال مقصرين جداً في موضوع توثيق تاريخنا بشكل عصري، وأمجاد تأسيس وحدتنا الفريدة، ولا يمكننا أن نلقي باللوم على الآخرين بهذا التقصير المتواصل، إذ إن قصة تأسيس المملكة والمصاعب التي واجهت هؤلاء الرجال تعد عناصر جاذبة للإنتاج السينمائي، على مختلف الصعد، لما تحتويه من قصص وأحداث مليئة بالدراما والعبر، فمثلاً كل رجلٍ من الشجعان الأربعين الذين رافقوا المؤسس خلال مغامرة فتح الرياض يحمل قصة، ناهيك عن قصص ضمّ مناطق المملكة الأخرى، وقصة اكتشاف النفط، وقصة دخول التلفزيون، وغيرها من التحولات الكبرى بالمملكة، فضلاً عن القصص الإنسانية المتعددة للملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن، ولأبنائه الملوك من بعده، ونحن إن لم نقم بواجبنا تجاه تلكم القصص المليئة بالأحداث؛ فسوف يستغل الآخرون هذا التقصير ويقومون هم بذلك، وحتما سوف تعرض الأحداث من وجهة نظرهم! صحيح أن دارة الملك عبدالعزيز وغيرها من الجامعات والمراكز البحثية قامت بجهودٍ تستحق التقدير، من خلال طباعة الكتب والتوثيق الشفهي لتاريخنا، ولكن يبقى للأفلام السينمائية والمسلسلات التلفزيونية أثرها الأكبر، والأسهل وصولاً وانتشاراً لدى العامة، خصوصاً جيل الشباب، داخل المملكة وخارجها.
لقد استطاع "نجدت أنزور" التسويق لفيلمه بوسائل شتى، لكنه اعتمد في الأساس على نهم الكثيرين وخصوصاً من غير السعوديين لمعرفة المزيد عن تفاصيل حياة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن –رحمه الله-، نظراً لندرة الأفلام الوثائقية والدرامية عن هذا الزعيم العربي، فضلاً عن إطلاقه الشائعات حول تدخلات من هنا وهناك، رغم أن البعض يكاد يجزم أن "أنزور" لا يزال يحاول مساومة المملكة قبل عرضه تجارياً، علّه يحصل على ملايين الدولارات قبل عرضه، إذ تشير التقديرات إلى أن الفيلم لن يستطيع تغطية تكاليف تصويره من مداخيل العروض السينمائية فقط، فهو يحاول أن يتكسب من تقصيرنا بطريقة تجعلني أعود بك عزيزي القارئ إلى سؤال عنوان المقال، لنصل إلى الإجابة؛ إنه بقدر ما أخطأ "نجدة أنزور" بالعرض غير المحايد لمرحلة مهمة من تاريخنا السعودي؛ بقدر ما كنا نحن السبب في فتح المجال له ولغيره ليتحدث ويقدم تاريخنا من وجهة نظره هو، بعد أن جعلنا الساحة فارغة له ولغيره، والله المستعان.

عبدالرحمن السلطان        2013-11-13 11:57 PM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 2 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • نجدة أنزور هدفه هو المال فقط, لأنه حتى الأن لم يعرض الفيلم تجاريا!!!!! abo salem
  • الاستثمار في شبابنا المبدع هو الأهم والأفضل على المدى الطويل أبو حسام

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال