الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

كلمة سر أسطورة "ستيفن كينج"

يدرك "ستيفن كينج" أن الإصرار هو سلاحه الأساسي، فهو اليوم، ورغم تجاوزه عامه الـ66، وتضاعف رصيده بمقدار عشرة ملايين دولار أسبوعيا، إلا أن نشاطه الأدبي ما يزال يتّقد، وما يزال يبهر جمهوره بإصدارات جديدة

ليس هناك في الحياة المهنيّة لكاتب روايات الرعب الشهير "ستيفن كينج Stephen King" أي كلمة سر أو شيء آخر! بل إنها الكلمة التي يضجر الكثيرون بالحديث عنها، وبالذات حين مناقشة عوامل الإبداع والنجاح في أي مجال ما؛ والكلمة بكل بساطة هي: "الإصرار"! بالطبع مع وجود الموهبة والحس المهني. قبل سنوات وخلال وقت ضائع في أحد المطارات اشتريت كتيبا مخفضا لـ"ستيفن كينج"، جذبني غلافه وموضوعه، وكونه مختلفا عما ينشره هذا المبدع ذو الإنتاج الضخم، فلم يكن رواية أو قصة؛ بل كتيبا يستجمع فيه ذكرياته العائلية ومراحل دخوله معترك نجاحه الأكبر وهي الكتابة بالطبع، لذا حمل الكتيب عنوان: "حول الكتابة On Writing" الصادر عام 2000، والطريف في الأمر أن "ستيفن" وفي مقدمة الكتاب يقول وفي حس ساخر قلما نقل عنه: أن حجم هذا الكتيب جاء صغيرا؛ لأن أغلب الكتب التي تتكلم عن الكتابة ومهارات متخمة بالترّهات والأحاديث الفارغة، وكتيبه ليس مختلفا عنها، لذا جعله أقصر لتكون الترّهات أقل!.
استعرض "ستيف" في كتابه جذوره الأولى، وولادته عقب الحرب العالمية الثانية لعائلة مليئة بالمشاكل، مما جعل والده يغادر المنزل و"ستيف" لم يتجاوز الثانية من عمره، وذلك بحجة "أنه ذاهب لشراء علبة سجائر"! لكنه بالطبع لم يرجع، لتصبح والدته هي كل عائلته هو وأخيه المتبنى "دافيد"، لذا انكب منذ صغره على المجلات المصورة وقصص الخيال العلمي، التي كانت تعيش عصرها الذهبي، بوجود كثير من الشخصيات الخارقة والأفكار الجديدة، بيد أنه يشير في كتيبه إلى حادثة أثرت بشكل كبير على فهمه للموت وخوفه من المستقبل، وهي دهس قطار لأحد أصدقائه، مما جعله يفقد الكلام لعدة أيام، تلك الحادثة حفرت عميقا في وجدانه، رغم عدم إدراكه لمفهوم الموت في لحظتها، إضافة إلى انبهاره المبكر بقصص كاتب الرعب الأميركي "هوارد لافكرافت".
كان "ستيفن" يقضي وقته في كتابة القصص وتجربة أفكار متنوعة، ويصّر على قراءتها بصوت عال أمام والدته، حتى إنه وخلال مرحلة الدراسة الثانوية كان يشارك في كتابة مقالات لنشرة كان يطبعها أخوه "ديفيد" بواسطة جهاز طباعة قديم، لكنه يتذكر قيامه ببيع قصص على أصدقائه ألفها بناء على أفلام سبق أن شاهدها، لكنه توقف عند ذلك بعد أن اكتشف أحد معلميه ذلك وأجبره على إعادة أموال أصدقائه! لكنه يشير إلى أن أول قصة نشرت له كانت بعنوان: "كنت سارق القبر المراهق" في إحدى مجلات القصص المصورة غير المعروفة، وهو لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره!
لكنه استمر في إصراره على الكتابة خلال دراسته الجامعية للأدب الإنجليزي، فكان يكتب زاوية شبه ساخرة في نشرة حرم الجامعة، ورغم تخرجه بشهادة تؤهله للعمل كمعلم، لم يجد وظيفة مناسبة، مما اضطره للعمل في وظائف متعددة، بيد أنه في النهاية استطاع الحصول على وظيفة معلم، ولكنه براتب منخفض، قبل بها على مضض، واستمر يعمل ليل نهار بالكتابة وتطوير قصصه دون نتيجة ملموسة، حتى كاد يقع في إدمان الحكول لولا وقوف زوجته "تابيثا سبروس" معه، وهي الفتاة التي تعرّف عليها في مكتبة الجامعة، وكان لها أثر أكبر على حياته من مجرد إيقافه عن إدمان الحكول.
ففي عام 1973 كان "كينج" يكتب رواية بعنوان "كاري Carrie" عن فتاة غريبة الأطوار تمتك قدرة تحريك الأجسام عن بعد، لكنه فجأة ألقى بمسودة روايته في سلة المهملات؛ لأنه لم يكن راضيا عن تقدمه في الكتابة، لكن زوجته استعادت الرواية وأقنعته بإكمالها من جديد، وبعد فترة من إرسال الرواية إلى مجموعة من الناشرين؛ رد الناشر "دابولداي وشركاه" بالموافقة على النشر، وأرفق شيكا بقيمة 2500 دولار! مما جعل "كينج" وزوجته يقفزان من الفرح والسرور جراء هذا المبلغ الكبير الذي يصلهما لأول مرة، لكن المثير في الأمر أن الرواية بعد نجاحها الساحق حققت لمؤلفها: 400 ألف دولار فقط من حقوق الطبع وحدها! وهنا دائما ما يستذكر "كينج" بمزيد من الفخر اتصال ناشره عليه، ليخبره أنه بإمكانه الآن التفرغ للكتابة وترك مهنة التدريس إلى الأبد!.
بالطبع لم يركن "ستيفن كينج" لهذا النجاح الهائل، بل استمر وبسرعة مذهلة في إنتاج روايات متتالية، تتجاوز رواية واحدة في العام الواحد، وكل رواية لا يقل حجمها عن مئات الصفحات، وكل منها يتميز بفكرة مختلفة وحبكة مشوقة، لكن أمه أصيبت بسرطان الرحم مما اضطره إلى العودة إلى منزلها والعيش معها حتى وفاتها، وكان سعيدا أنها استطاعت ـ رغم ألمها ـ قراءة أول رواية ناجحة من إبداع ابنها التي رعته وحدها دون زوج.
المثير في الأمر أن إصرار "ستيفن" كان ينبع من قدرته على استلهام أفكار رواياته من الظروف والأماكن التي يمر بها، كما في رواية "مقبرة الحيوانات الأليفة" التي استلهمها من تجربة شخصية له عندما شاهد مقبرة حقيقة للحيوانات الأليفة في ولايته "ميين"، أو رواية "البريق" التي تتحدث عن كاتب مجنون يقضي الشتاء مع عائلته في فندق مهجور، التي استوحاها من إقامته القصيرة في دينفر بولاية كولورادو، وتحولت إلى فيلم سينمائي ناجح من بطولة النجم "جاك نيكلسون"، بالطبع لم يعجبه الفيلم كعادة كثير من الروائيين، فأصر على أن يقوم هو بإخراجها بنفسه، فقام بتعلم الإخراج ليظهرها على شكل مسلسل تلفزيوني قصير لم يكتب له النجاح، فعاد بقوة من جديد إلى الميدان الذي يعرفه بقوة وهو الكتابة. وهكذا وبعد توالي نجاحه الروائي أضحت شركات الإنتاج السينمائي تتسابق لإنتاج أفلام مقتبسة من رواياته المدهشة، التي زادت في النهاية من شعبيته، حتى صار النقاد والجمهور يلقبون "ستيفن كينج" بملك الرعب، رغم كثرة وتعدد مؤلفي روايات وقصص الرعب والإثارة.
يدرك "ستيفن كينج" أن الإصرار والاستمرار هو سلاحه الأساسي في الحياة، فهو اليوم ورغم تجاوزه عامه الـ66، وتضاعف رصيده بمقدار عشرة ملايين دولار أسبوعيا، فقط من إعادة طباعة رواياته، وتعرضه إلى حادث شبه مميت قبل سنوات؛ إلا أن نشاطه الأدبي ما يزال يتّقد ويتشعل، وما يزال يبهر جمهوره الواسع بإصدارات جديدة ومتنوعة، وما يزال يؤمن أن في جعبته الكثير ما دام إصراره مستمرا.

عبدالرحمن السلطان        2014-02-21 1:03 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 2 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • أبحثوا عن قصته بعد حادث الشاحنة , لأن اشترى الشاحنة التي صدمته ثم قام بحرقها أمام الجميع في تصرف غريب ومرعب مثل رواياته أنس
  • روايات جميلة ومشوقة ومنها مترجم للعربي ابومجاهد

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.