الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

إجازة السنة الكاملة!

قد لا يتشجع الكثيرون لقبول مثل فكرة العطلة الطويلة جداً، لكن مجرد التفكير في محاولة أن تهرب من واقعك "الروتيني" سوف يجعلك تشعر بالسعادة، ولو لمدة خاطفة

معظم الناس يقضون أول 24 سنة من حياتهم في التعليم، حتى الحصول على الدرجة الجامعية، ثم يهدرون الأربعين عاماً التالية وراء قضبان الوظيفة، وما يرافقها من نكدٍ وشقاءٍ ومللٍ، حتى يتقاعد الفرد بعد ذلك لمدة قد تتجاوز خمسة عشر عاماً في أحسن الظروف، وقد أصيب بجوقة متنوعة من الأمراض المزمنة والعلل، تكدر عليه صفو التقاعد والراحة، ولكن ماذا لو استطاع الإنسان تقديم سنوات تقاعده مبكراً، بحيث يحصل عليها مفرّقة خلال سنوات شبابه وصحته، وليس جملة واحدة في نهاية المطاف؟
هذا بالفعل ما خرج به الفنان المبدع "ستيفان ساغمايستر Stefan Sagmeister "، حينما لاحظ قبل سنوات أن استمراره بالعمل في نفس نشاطه الفني لمدة طويلة جعله يشعر بالسأم والملل، بل أدى إلى أن تظهر منتجاته الفنية متشابهة بشكل ما، وبنفس الروح تقريباً. لذا فكّر بأخذ إجازة تفرّغ طويلة من عمله اليومي، وكان أن تطورت الفكرة لتمسي مدتها سنة كاملة، نعم أثني عشر شهراً من الإجازة، هرباً من كل شيء. وبالفعل قام "ستيفان" بإغلاق أستديوه الفني في "نيويورك"، ونشر رسالة اعتذار طريفة على موقعه الإلكتروني يقول فيها: "نحن نعمل على مجموعة تجارب لمدة عام كامل، وسوف نعود إلى العمل في سبتمبر القادم، أرجو الاتصال بنا حينئذ"!
فكّر "ستيفان" أليس من الممكن أن نأخذ خمس سنوات فقط من سنوات التقاعد، ونقوم بتوزيعها مقدماً بين سنوات العمل، وهي السنوات التي يصل فيها الإنسان إلى قمة عطائه الذهني والجسدي، بحيث نحصل على إجازة وراحة طويلة يبلغ مقدارها سنة كاملة كل سبع سنوات متتالية! يكون أثرها متعدياً الإنسان بذاته إلى محيطه الوظيفي ومحيطه المجتمعي، بدلاً من أن يكون أثر الإنسان خلال مرحلة تقاعده على حفيد واحد أو حفيدين فقط على حدٍ قوله، فكانت البداية قضاء إجازة طويلة في مدينته "نيويورك" لكنه لم يجد الإلهام الذي ينشده، نظراً لأنه لم يخرج من محيطه البيئي الذي عاش فيه منذ طفولته، لذا قام "ستيفان" في المرة الثانية بحزم حقائبه بعيداً، إلى جزيرة "بالي" في "إندونيسيا"، وذلك للاستمتاع بالمناظر الطبيعة البكر، فضلاً عن كونها جزيرة يمتهن أهلها صناعة الحرف اليدوية، وهو ما يتقاطع مع عمله كمبدع أعمال فنية، وعلى الفور وبعد وصوله بفترة قصيرة واندماجه مع المجتمع المحلي؛ تدفقت الأفكار كما الإلهام، وبالطبع كان إنتاجه الأول طباعة "طاردة للبعوض"! ثم وبسبب كثرة مهاجمة الكلاب الضالة له خلال تريضّه الصباحي؛ خرج بمجموعة سلسلة قمصان قطنية مطبوع عليها 99 صورة كلب مختلف، مع رسالة تهكمية قصيرة على ظهر كل قميص! كما بدأ هناك تصميم وصناعة أثاث جديد ليستخدمه في أستديوه الخاص بعد عودته، وكانت فرصة لا تعوض للاستفادة من الخامات المحلية والفلكور الشعبي في تصميم الكراسي والدواليب وغير ذلك، كما صنع طاولة قهوة تحتوي على عدد مهول من البوصلات، وصنع معها أكواب قهوة تحتوي على قطب مغناطيس مخفي، مما يجعل عقارب البوصلات تتحرك بشكل محموم في كل اتجاه متى وضعت الأكواب فوقها! أو الكرسي الثرثار، الذي صنعه من الخوص على شكل كلمات وحروف، كل هذا وغيره جعله يدهش بشكل لا يصدق من قدرة الإنسان الفرد على تجاوز توقعاته من نفسه، لقد اعتقد "ستيفان" أن أفكاره الإبداعية نضبت أو على الأقل أضحت متشابهة، لكن هذه التجربة الفريدة قادته لاكتشاف آفاق جديدة، ولتعلم أساليب مبتكرة في التصميم والإنتاج، والخروج بصورة مختلفة لمواد تقليدية، كما خرج بمجموعة هائلة من الأفكار والمشاريع كانت كافية ليعمل عليها خلال السنوات السبع التي تلت إجازته! كما حدث لتصميمه الهوية الفنية لمجمع "كازا دي ميوزكا" في البرتغال، الذي أظهره بطريقة فنية مبتكرة ومختلفة عن الآخرين وغيره من المشاريع التي رفعت من أسعار أتعابه، وعادت عليه بعائدٍ مادي أضخم، فضلاً عن قضائه وقتاً ممتعاً وتسجيل ذكريات لا تنسى.
والغريب أن هناك تجارب قريبة من فكرة "ستيفان"، بل هناك من يأخذ خمس أشهر إجازة متواصلة كل عام، بعد أن يكون اجتهد لمدة سبع أشهر متواصلة، كما الطاهي الشهير "فيران أدريا Ferran Adria"، الذي يدير مطعمه الفاخر "إلبوللي ElBulli" شمال برشلونة، ويستقبل ضيوفه فقط خلال خمسة أشهر من السنة، يستطيع خلالها استقبال 8000 شخص فقط، بينما عدد الطلبات يتجاوز 2.2 مليون طلب حجز، لكنه مؤمن بمبدأ الراحة والتركيز على اكتشاف وتطوير أطباق جديدة يعمل عليها هو وفريقه خلال سبعة الأشهر!
أما المثير في الأمر فهو أن اختيار سبع السنوات جاء متوافقاً مع ارتباط الرقم سبعة بمفهوم الحضارات القديمة لدورات حياة الإنسان، ذلك لأن الرقم سبعة بحد ذاته يرمز إلى الكمال، كما تؤمن بذلك شعوب الشرق الأقصى، وكما ورد في حضارات الإغريق والفراعنة، وشعوب ما بين النهرين، بل ذهب بعضهم إلى حد تقديس الرقم سبعة، وكانوا ينسبونه إلى الشمس وقوى النور، وكذلك فعل العرب، فصنفوا قصائدهم على سبع طبقات، كما ظهر ذلك في "جمهرة أشعار العرب"، فضلاً عن الجذر "سبع" من أغمض الجذور معناً، كما "سبع" و"شبع"، و"سبغ"، فالمعنى الأصلي للجذر "سبع" هو "الكفاية" و"التمام" و"الامتلاء"، فيصبح من الطبيعي أن تكون مدة سبع السنوات مناسبة للاكتفاء من عمل معين والانطلاق إلى أفق جديد، وللذين لا يقتنعون إلا بلغة العلم والأرقام فإن "ستيفان" يقول إن مدة هذه الإجازة الطويلة كلها لا تتجاوز 12.5% من مجمل حياته، وبمقارنتها بمجموع ساعات الفراغ الشخصية في الشركات "السوبر" ناجحة تجدها أقل بكثير، إذ إنها تبلغ مثلاًَ 15% في شركة 3M أو 20% في "Google" وغيرها، والتي بالتأكيد أدت إلى ظهور بعض من أعظم الأفكار والمبتكرات، لكن "ستيفان" يؤكد بشدة على ضرورة التخطيط المبكر للاستفادة من هذه الإجازة الطويلة، فالأمر ليس مجرد قضاء وقت في الاستلقاء والتأمل، كما حدث معه في أول إجازة طويلة قضاها بدون تخطيط، بل من الضروري وجود جدول أعمال تلتزم به، ليساعدك على حسن استغلال هذه الفترة في تنمية معارفك ومهاراتك، وتوليد الأفكار والمشاريع، ذلك لأن هذه الإجازة في نهاية الأمر ليست أسبوعاً أو أسبوعين فقط، بل إنها سنة كاملة من عمرك.
قد لا يتشجع الكثيرون لقبول مثل هذه الفكرة الجامحة لعطلة طويلة جداً، لكن مجرد التفكير في محاولة أن تهرب من واقعك "الروتيني" سوف يجعلك تشعر بالسعادة، ولو لمدة خاطفة، لكن الشاهد هنا هو: ضرورة أن تتحول الإجازة إلى إجازة حقيقية، يستطيع من خلالها الإنسان أن يجدد نشاطه ويشحذ منشاره من جديد، لا أن تكون الإجازة بحاجة إلى إجازة بعدها! فقط حاول أن تأخذ إجازة بأطول ما تستطيع ولن تندم على ذلك، وكل إجازة وأنتم سعداء ومسرورون.

عبدالرحمن السلطان        2014-02-26 1:18 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 5 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • مقال ينقلنا الى فكرة جديدة وتجارب عالمية ناجحة لقد أصبت اخي عبدالرحمن في طرحك للموضوع. ومن واقع تجربة هنا قد نحتاج الى اجازه اطول من غيرنا بحكم حجم الضغوط التي تحاصرنا. ابو فارس
  • إجازه سنه؟!! من راح يعطيني إجازه سنه كل الأمثله الي ذكرت يديرون عملهم الخاص، طبعا هذا غير التكلفه العاليه الي يمكن تصرف الي جمعته في سبع سنين عشان هالسنه. عادل
  • مقالة رائعة أخي عبدالرحمن وتذكرني بمن هم يعملون في القطاع الحكومي ويجمعون إجازاتهم لعدة سنوات. لازال الكثير منا لايعرف ماذا يعمل في الإجازة ولايخطط لها جيدا، وحتى أنه لايعرف ماذا يفعل في إجازة نهاية الأسبوع فما بالك بالإجازة الطويلة. أعجبتني جدا فكرة إجازة السنة كل سبعة أعوام وأتمنى الحصول عليها فعلا. سلطان السنيد
  • أكثر من يحتاج هالفكرة هم الرسامين والفنانين عموماً إبراهيم العسمي
  • الفكرة حلوة بس تطبيقها استاذ عبدالرحمن تحتاح فلوس وان الواحد ما يكون متزوج بعد عبدالإله

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال