الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

جامعات.. بلا طعم ولا لون

الجامعات شعلة الثقافة الحقيقية، وهي من يقود أي مجتمع إلى خطواته القادمة، فمتى يأتي اليوم الذي نرى فيه الجامعات السعودية وقد تحولت إلى مؤسسات مستقلة؟ قادرة على اتخاذ قراراتها بنفسها

ما الذي يفرق بين الجامعة الأم – جامعة الملك سعود- وبين جامعة "المجمعة" الناشئة؟ ما الذي يمكن تمييزه بين جامعة الملك عبدالعزيز – أول جامعة أهلية بالمملكة- وبين جامعة "طيبة" المولدة من رحمها؟ بالطبع لا شيء يذكر سوى احتواء الجامعات الكبرى على تخصصات أوسع، بحكم قدم تلكم الجامعات واتساع مساحتها، لكن السؤال الأهم هل هناك اختلاف في مستوى التعليم، أو على الأقل في المخرجات من الطلاب والطالبات؟ سؤال أعتقد أن الغالب الأعم في جوابه سيقر بتقارب المستوى والمخرجات، نظرا لأن المدخلات وظروف التدريس متشابهة بين الجميع بشكل واضح، وكأنما يدرس الجميع في جامعة واحدة!
في الغرب وعندما يقرر خريج الثانوية العامة دراسة تخصص ما فإنه يقرن هذه الرغبة بجامعة محددة أو على الأقل قائمة من الجامعات البارزة في هذا التخصص، فمن يرغب بالقانون فإن جامعة "هارفرد" هي وجهته، أما من يرغب بالعلوم الطبية فجون هوبكنز هي الهدف، أما من يفكر بعلم النفس فعليه بجامعة "ستافورد"، وهلم جرا في مختلف التخصصات، سواء كانت صحية أو علمية أو حتى إنسانية، بينما لا يمكن تطبيق هذه الفكرة على جامعات المملكة! لأنها ببساطة تقدم نفس البضاعة وبنفس المحتوى كذلك.
للأسف جنى التوقف القسري لقطار التعليم العالي حتى قبل عقد من الزمان الكثير على مستوى الجامعات، وحولها مع مرور الزمن إلى نسخ متشابهة من بعضها! وبالذات من الجامعات الأولى كجامعة الملك سعود والملك عبدالعزيز، ذلك أن النظام الحالي ومن خلال مجلس التعليم العالي لا يحفز أو على الأقل لا يشجع على التركيز على تخصصات محددة، بحيث تستطيع الجامعة الواحدة بناء الخبرات وتطوير القدرات، والأهم تحسين مميزاتها التنافسية في هذا التخصص، كما يحدث حاليا في جامعتين اثنتين في المملكة، وبالمناسبة كلاهما خرجا من رحم غير وزارة التعليم العالي، وهما جامعة الملك سعود بن عبدالعزيز للعلوم الصحية، التي أنشأتها ولا تزال تديرها الشؤون الصحية بوزارة الحرس الوطني، حيث توجد ميزة نسبية في الجامعة وهي ارتباطها بمستشفيات الحرس الوطني في الرياض وجدة والأحساء، واستفادتها الكاملة من الكوادر الصحية الممارسة في هيئة تدريسها، أما الجامعة الأخرى فهي جامعة الملك عبدالله للعلوم والتكنولوجيا، التي أنشأتها ولا تزال تديرها شركة أرامكو السعودية، بحيث تركز الجامعة على مجموعة تخصصات علمية محددة، يجعلها ذات ميزة تنافسية واضحة.
أما حينما تعود للجامعات السعودية الأخرى، وخصوصا الحكومية التي تكاثرت خلال السنوات الأخيرة بشكل سريع؛ فإنك تجد التشابه وتطابق البرامج هما القاسم المشترك، فكم من كلية صيدلة في المملكة تدرس نفس المنهج الدراسي بالضبط، وكم من كلية هندسة بتخصصاتها الدقيقة قامت بنسخ خطط دراسية لجامعات سعودية أخرى بالقلم والمسطرة، وكأنما توقف قطار الإبداع، بل إنك لتكاد تجد أغلب الأقسام والتخصصات بذات الاسم والمحتوى، دون محاولة تطوير أو إضافة شيء متميز، حتى لو كان مرتبطا بالبيئة المحلية لمجتمع الجامعة، وللأسف كان هناك توجه قديم بحصر تخصصات محددة في جامعات محددة ولكن يبدو أنه توقف، كما حدث بتأسيس كلية الطب البيطري في الأحساء أو كلية علوم البحار في جدة، ولكن العبرة بالمحتوى والتميز العلمي وليس فقط بحصر تأسيس تلكم التخصصات في جامعات محددة، فضلا عن محاولة توحيد الدرجات العلمية الممنوحة من قبل الجامعات السعودية، فما الذي يمنع من فتح باب التفكير وابتكار تخصصات جديدة، بحيث يمكن الجامعة من الاستفادة من خبرات أعضاء هيئة تدريسها ومن احتياجات مجتمعها المحيط، فضلا عن تحولها إلى قبلة الدارسين والباحثين في هذا التخصص الجديد، مما يمنحها ميزة إضافية، سوف تكون بلا شك إضافة معتبرة للجامعة نفسها ومجتمعها المحيط كذلك.
أما المشكلة الأكبر فهي غياب قوائم ترتيب الكليات والتخصصات في الجامعات السعودية Ranking، رغم توافر بيانات يمكن من خلالها قياس قوة المخرجات ومهنيتها، فمثلا في مجال التخصصات الصحية يمكن قياس قوة المخرجات بنسبة نجاح خريجي كلية محددة في اختبار معادلة الشهادة الجامعية في الهيئة السعودية للتخصصات الصحية، وبالذات في تخصصات الصيدلة والطب البشري وطب الأسنان والعلوم الطبية المساعدة والتمريض، وكذلك باختبارات الهيئة السعودية للمهندسين لتخصصات الهندسة والعمارة والتخطيط، وكذلك الهيئة السعودية للمحاسبين القانونيين لتخصصات المحاسبة والمالية، والتخصصات الإنسانية بواسطة اختبارات قياس الكفاءة في التربية والتعليم، وهلم جرا لأغلب التخصصات الأخرى، مما يجعل خريج الثانوية العامة ومن ورائه والداه قادرين على تحديد الوجهة الأفضل للدراسة، عطفا على نتائج خريجي تلكم الجامعة، بالطبع مع إضافة المعايير الأخرى كنسبة عدد أعضاء هيئة التدريس إلى الطلاب، ونسبة البحوث المقتبسة في المجلات العلمية، وغيرها من معايير القياس المتنوعة، فمتى يأتي اليوم الذي نشاهد فيه نتائج اختبارات مزاولة المهنة، لنستطيع من خلالها معرفة الكليات المتقدمة من تكلم التي تخرج مجرد أرقام إضافية لسوق العمل، دون أي اهتمام بالجودة. والمهنية، ولعلي أتذكر قبل سنوات حينما أصدرت الهيئة السعودية للتخصصات الصحية هذه الأرقام مرة واحدة، ولكنها تراجعت بعد اعتراض إحدى الجامعات الناشئة، التي لم ينجح أحد من خريجيها في امتحان مزاولة المهنة!
الجامعات أيها السادة ليست مجرد فصل دراسي وأستاذ يحمل شهادة الدكتوراه في تخصص محدد، بل هي شعلة الثقافة الحقيقية في كل مجتمع متحضر، وهي من يقود أي مجتمع –وبالذات الدول النامية- إلى خطواته القادمة، ذلك أن الجامعة وبأبحاثها المبتكرة وتخصصاتها الجديدة هي من يرسم طريق المستقبل لأي مجتمع، فمتى يأتي ذلك اليوم الذي نرى فيه الجامعات السعودية وقد تحولت إلى مؤسسات مستقلة؟ قادرة على اتخاذ قراراتها بنفسها، ودون أن تكون مجرد رجع صدى لجامعة أخرى أو مجرد إعادة رديئة لتجربة أخرى في جامعة شقيقة، فالجامعة أكبر من أن تكون مجرد مدرسة ثانوية تدرس نفس المنهج الذي يدرس في الثانويات الأخرى ولا تقدم شيئا مختلفا عن الآخرين.. ملخص الحديث: نريد جامعات سعودية مختلفة، نريد كل جامعة بطعم ولون مختلفين..

عبدالرحمن السلطان        2014-05-18 12:27 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 3 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • فكرة إلى مقام وزارة التعليم العالي... أبو عصام
  • أوافقك الرأي استاذ عبدالرحمن لأني درسن نفس التخصص في جامعتين بالسعودية ولم يكن هناك أي فرق يذكر مجرد اختلاف مسميات المواد والمحتوى واحد. احمد
  • بعض الجامعات لدينا من المفترض أن تكون الدراسة فيها بحثية في معظمها لأن الدراسة الجامعية تعتمد على البحث العلمي وليس على مذاكرة منهج والاختبار ومن المفترض أن يكون بكل جامعة مركز بحث علمي. مجرد رأي

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.