الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

"جوته" في الرياض!

لماذا لا تستضيف إحدى مدننا الكبيرة فرعاً لمعهد "جوته" المتميز، يكون نافذة لشبابنا للاطلاع على ثقافة لم تأخذ حقها من الانتشار في مجتمعنا؟ كما هو الحال في المعهد السعودي الفرنسي في الرياض وجدة، التابع للسفارة الفرنسية

قد يكون البعض لم يسمع باسم الفيلسوف والكاتب "يوهان فولفجانج فون جوته"؛ ولكنه قد يكون الاسم الأكثر شهرة لأحد أهم المعاهد الثقافية المنتشرة عبر قارات العالم، إنه "جوته".. الروائي والمسرحي والفيلسوف والدبلوماسي الألماني الشهير.
يعد "جوته" أحد أهم أدباء ألمانيا عبر التاريخ، فلقد ترك إرثاً أدبياً هائلاً للمكتبة الإنسانية، وكان له أثرٌ ملحوظ في المشهد الثقافي ليس فقط للناطقين بالألمانية أو اللاتينية، بل حتى لغات العالم أجمع، فلا تزال أعماله الخالدة متربّعة على قائمة القراء وعلى أرفف المكتبات، ذلك لأنه لم يكن مجرد شاعرٍ عابر، يسجل ما تجود به قريحته، بل تجاوز الآداب وعلومها إلى العلوم الأخرى، كالرياضة، والرسم، والموسيقى، والتصوير، وامتدت دراسته إلى الطب والهندسة وعلم النبات، والحقوق، كما تبحّر في اكتساب اللغات، فلقد تعلم اللاتينية واليونانية، والإيطالية والفرنسية والإنجليزية والعبرية والعربية، التي درس منها أشعار "المتنبي" و"أبي تمام" و"المعلقات" التي ترجم بعضها إلى لغته الأم عام 1783، مما جعله يهيم باللغة العربية وأدبها، ليقول عنها مدحاً نقل عنه: "ربما لم يحدث في أي لغة هذا القدر من الانسجام بين الروح والكلمة والخط مثلما حدث في اللغة العربية، وإنه لتناسق غريب في ظل جسد واحد"، الأمر الذي قاده للتعرّف على نبينا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وجعله يقول عنه إنه المثل الأعلى للإنسانية.
أبدع "جوته" الكثير من القصائد والروايات، وأهمها بالطبع رواية "آلام فرتر"، التي كانت نتاج قصة حبه العاصف لخطيبة أحد أصدقائه، ثم ملحمته الشعرية الأكثر انتشاراً: "فاوست"، التي صدرت في جزئين اثنيين، فصلت بينهما 26 عاماً، وهي معالجة شعرية مسرحية للحكاية الشعبية الألمانية عن الخيميائي "يوهان فاوست"، الذي يبرم عقداً مع الشيطان، بأن يهبه الحياة الشابة وأن يقوم بخدمته وتحقيق شهواته مقابل أن يستولي الشيطان على روحه بعد مماته، مشروطاً ببلوغه قمة السعادة، ورغم هذه الحكاية سبق وأن ظهرت - ولا تزال - في أعمال عديدة لكتاب ومسرحيين بكافة اللغات، إلا أن "فاوست" جوته تعد الأفضل والأكثر عمقاً بمفرداتها الرائعة، ومعالجتها الدرامية لجوهر الحياة الحقيقي.
ونظراً لما قدمه "جوته" للثقافة الألمانية اتخذت الحكومة الألمانية قراراً بإطلاق اسمه على المعهد الثقافي، الذي أنشأته لنشر الثقافة الألمانية في العالم منذ عام 1951، هذا المعهد الذي يهدف إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية محددة هي: تعزيز تعلم اللغة الألمانية بالعالم، تشجيع التعاون الثقافي الدولي، إيصال الصورة الشاملة عن ألمانيا، بواسطة تقديم معلومات عن ثقافتها ومجتمعها وسياستها، وبالرغم من أن المعهد بدأ في بناية صغيرة بمدينة ميونخ خلفاً للأكاديمية الألمانية؛ إلا أنه توسع تدريجياً، ليبلغ عدد فروعه حتى العام الماضي 159 فرعاً في ثمانين بلداً حول العالم، كان آخرها هذا العام في جمهورية "بورما"، التي انفتحت على العالم للتو!
يعمل معهد "جوته" على وضع المعايير المعترف بها في تعليم وتعلم اللغة الألمانية كلغة أجنبية، وبالطبع يعقد المعهد دورات محلية وخارجية لتعلم اللغة الألمانية، وينتج المواد التعليمية ويدرب المعلمين، بالإضافة إلى إسهامات في البحوث العلمية ذات العلاقة باللغة الألمانية، كما أن المعهد يهتم بمراقبة اتجاهات المشهد الثقافي الألماني، ويشجع التعاون الثقافي الألماني في الدول التي ينشط فيها المعهد، عن طريق تنظيم الفعاليات المختلفة، والمشاركة في مختلف المهرجانات والمعارض في مجالات: السينما، الرقص، الموسيقى، المسرح، الأدب، الترجمة، بالإضافة إلى تأسيس مكتبات شاملة ومراكز معلومات متخصصة في الشأن والأدب الألماني، ورعاية منتديات النقاش وإنتاج الوسائط الإعلامية المتنوعة، والتي تهدف في نهاية الأمر إلى رسم صورة معاصرة عن جمهورية ألمانيا الاتحادية، وتعزيز الحوار الدولي.
فلماذا لا نسعد يوماً أن تستضيف إحدى مدننا الكبيرة كالرياض أو جدة أو الدمام فرعاً لهذا المعهد المتميز؟ يكون نافذة لشبابنا للاطلاع على ثقافة لم تأخذ حقها من الانتشار في مجتمعنا، كما هو الحال في المعهد السعودي الفرنسي في الرياض وجدة، التابع للسفارة الفرنسية، أو المركز الثقافي البريطاني التابع للسفارة البريطانية، رغم أن هذين المركزين لا يزالان يراوحان مكانهما الضيق ضمن دائرة تقديم خدمات تعليم اللغة الإنجليزية والفرنسية فقط، مع بضعة نشاطات ومنافسات نادرة، بينما من المفترض أن يقدما ما يقدم فروعهما في الدول الأخرى، من لقاءات شبابية، وبرامج ثقافية، وعروض سينمائية، ونشاطات فلكلورية، وغيرها من المجالات الفنية، التي يفترض أن تقدمها مراكز ثقافية ذات خبرة طويلة وتجربة عالمية، كما هو الحال في معهد "جوته"، والتي تقوم السفارة الألمانية بالرياض ببعض واجباته على استحياء، من تنظيم معارض فنية متخصصة، مثل معرض "آثار الزمن" الذي عرض مجموعة صور ضوئية عن الولايات الألمانية الجديدة "ألمانيا الشرقية سابقا" قبل وبعد الوحدة الألمانية، والذي نظم في بهو السفارة خلال شهر أبريل الماضي، أو عقد بضع مناسبات ثقافية أخرى، كعروض الأفلام الألمانية الكلاسيكية أو المستقلة.
ولعل مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني يأخذ زمام المبادرة في ذلك، ويكون هو الجهة المشرفة على مثل هذا المراكز الثقافية، والتي تعد أحد أهم وسائل الحوار الثقافي والاجتماعي بين الشعوب، وهي الطريقة السريعة لمزيد من التسامح والتعرف على الآخر. وأن يكون لدينا في مختلف مدننا مراكز إشعاع ثقافية ذات خلفيات ثقافية مختلفة تزيدنا علماً وثقافة، وليس فقط معهد "جوته" الألماني، بل وحتى معهد "ثيربانتس" الإسباني، التابع لوزارة الخارجية الإسبانية، وهو المتخصص في تعزيز وتعليم اللغة الإسبانية وثقافتها، وهي الآن إحدى اللغات المقدمة في العالم أجمع.
كم هو يوم رائع ذلك اليوم الذي يقع فيه ذلك الشاب السعودي المثقف في حيرة من أمره، فلا يعرف أن يقضي أمسيته، بين أندية أدبية محلية، أو مراكز ثقافية عالمية.. هنا نستطيع القول إننا وضعنا خطوتنا الأولى على درب خيارات الثقافة الشاملة للجميع.
 

عبدالرحمن السلطان        2014-07-18 1:21 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات           |   0 عدد التعليقات :

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.