الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

حتى في كازينوهات القمار!

علم تحليل وتقييم المخاطر علم كبير وواسع، إلا أننا للأسف لم نحاول مجرد الاقتراب منه، رغم فوائده الجمة وضرورة استخدامه، خصوصا لدى القطاعات الخدمية الحساسة

لم أكن أصدق ما كان يعرضه مسلسل الإثارة الأميركي Vegas عن التقنيات المستخدمة في رقابة "كازينوهات" القمار في مدينة "لاس فيجاس"، لكنني وبعد أن وقفت بنفسي على شيء منها، أكاد أن أؤكد أن كثيراً من تلكم التقنيات صحيح 100%!
الأسبوع قبل الماضي كنت في "لاس فيجاس"، وكان أن قمت برفقة عدد من الزملاء بزيارة لإدارة الأمن والمراقبة في أحد "كازينوهات" وسط "لاس فيجاس"، وليست تلك الفنادق الضخمة التي تقع على شارع "ستريب" الشهير، وهذا الفندق وإن كان صغيراً مقارنة بتلك الفنادق هائلة الحجم إلا أنه يعد كبيراً بما فيه الكفاية لأن يكون مؤسسة ضخمة تحتاج إلى نظام رقابة ومراقبة صارم.
كانت البداية بجولة سريعة على مرافق الفندق المختلفة، وخصوصاً صالات القمار الضخمة، والتي ما إن تشاهد روادها حتى تحمد الله على نعمة الإسلام، الذي يحرّم بشدة ممارسة الميسر وما يتفرع منها، التي وإن كانت تسرق المال، إلا أنها - كذلك - تسرق الوقت وتسرق أيضاً الحياة الهائنة لمن يقع في براثنها، بالطبع تحدث "مدير الأمن والمراقبة" عن مرافق الفندق، وعن أهمية أن تكون صالات القمار في المنتصف، وأن تكون أول ما يقع عليه النزيل خلال دخوله وخروجه من الفندق، وأن تكون طاولات وأجهزة القمار مرتبة على شكل لولبي، مما يجعل النزيل يقضي أكثر وقت ممكن بين ممراتها الملتوية، مع ملاحظة أن تكسى أرضية الصالة بالسجاد، وذلك لامتصاص الأصوات وروائح التبغ!
المهم هنا وهو ما لفت نظري؛ هو تطبيق نظريات "تقييم المخاطر" بشكل علمي على مرافق "الكازينو"، إذ تمت دراسة الوضع الراهن، وتحديد أكثر المواقع خطورة سواء على مستوى الأمن أو مستوى الحفاظ على مكاسب الكازينو - وهو الأهم -؛ فملئت أركان الفندق بمئات الكاميرات الصغيرة، التي توثّق كل حركة وهمسة، إذ توجد على الأقل ثلاث كاميرات في الموقع الواحد، تسجل كل شيء من مختلف الزوايا. المثير هنا أن "مدير الأمن والمراقبة" أشار إلى أن مخاوفهم تتجه في البداية إلى "موزعي الورق" فهم الأكثر تلاعبا وسرقة لأموال الكازينو! ثم للمقامرين أنفسهم، خصوصاً في الألعاب التي تعتمد على العدّ وليس على الحظ فقط، إذ يقوم موظفو شاشات الرقابة - والتي تقع في مبنى منفصل عن الفندق - بالعمل على الملاحظة الدقيقة لكل شاردة وواردة على الطاولة، وبالذات حين عدّ الأوراق المالية وتوزيع "الفيش"! لأن الموزع يستطيع بخفة يده وذكائه أن يسرق شيئاً من الأموال أو "الفيش" على الطاولة، أو أن يتآمر مع المقامر نفسه، بأن يضع المقامر رهانه على رقم ما مثلاً، ويقوم الموزع بإكسابه المال دون أن يكون قد حالفه الحظ أصلاً! وغيرها من الحيل والألاعيب التي لا تنتهي أبداً، هذا الأمر قاد أكبر كازينوهات "لاس فيجاس" لمحاولة تجاوز هذه المخاطر بطريقة علمية مبتكرة، فكان أن قامت شبكة الفنادق ببناء قاعدة معلومات هائلة بأسماء وصور وعناوين أخطر المقامرين، ممن قد يسببون المتاعب للكازينوهات، سواء عبر الحيل والألاعيب، أو عبر التواطؤ مع الموزع، المثير في الأمر أن هذا النظام يستطيع التعرّف على هوية الشخص عبر قراءة تفاصيل وجهه والتأكد من عدم وجوده في هذه القائمة السوداء.
ولضمان أن تكون القائمة فعالة ابتكرت الفنادق فكرة "بطاقات العضوية"، والتي تمنحها لمن يسجل بياناته الشخصية في الفندق، كالاسم والصورة والعنوان وكافة المعلومات الديموغرافية، ثم يقوم المقامر بتحويل أمواله إلى البطاقة، ويتنقل بها بين طاولات الصالة، الأمر الذي يخفف من حالات السرقة و"النشل"، ويشجّع المقامر على المزيد من المقامرة نظراً لأنه لا يحس بملمس الأموال التي يفقدها، والأهم من ذلك أنه يساعد إدارة "الكازينو" على دراسة اتجاهات وميول رواده، مما يمكنهم من تطوير الخدمات وإعادة توزيعها بما يتلاءم مع اتجاهات المقامرين، بالإضافة إلى الاستفادة منها للتعرف على هويات المخالفين بكل سهولة، ولتشجيع المقامرين على تسجيل بياناتهم وإصدار البطاقة، تقوم بعض الفنادق بإضافة رصيد مجاني عند التسجيل قد يصل إلى إضافة 20% إلى رصيد البطاقة!
علم تحليل وتقييم المخاطر Risk Assessment علم كبير وواسع، إلا أننا للأسف لم نحاول مجرد الاقتراب منه، رغم فوائده الجمة وضرورة استخدامه، خصوصاً لدى القطاعات الخدمية الحساسة، ولك أن تتصور أن الغرب قد تجاوز تطبيق هذا المفهوم في الإدارات الحكومية والمشاريع التجارية ليصل إلى كازينوهات القمار!
فالمسألة ليست مجرد وجود شبكة هائلة من الكاميرات، وقدرة على التحليل والمراقبة، لكنها عملية قياس وتقييم للمخاطر المحتملة والذي يتجاوز مفهوم الكوارث الطبيعية كالحرائق والزلازل مثلا؛ً ليركز على المخاطر المحتملة في النشاط نفسه أو في مجموع العوامل المؤثرة على النشاط، وتطوير استراتيجيات لإدارة والتحكم بتلكم المخاطر مهما كانت، من خلال رسم السيناريوهات المختلفة وآليات التعامل السريع معها، والعمل على تجنبها أو على الأقل التخفيف من وقعها. فهل نطمح يوماً ما أن نجد إدارة المخاطر وقد أضحت جزءاً أصيلاً من كل كيان إداري لدينا؟ أم سنبقى في دائرة التنظير والحديث عن التجارب الدولية الناجحة فقط!

عبدالرحمن السلطان        2014-12-25 11:35 PM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات           |   0 عدد التعليقات :

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.