الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

الوزارة الجديدة لا نريدها كالقديمة

دمج وزارتي التربية والتعليم العالي إن طبق بشكل جذري فمواطن الاستفادة كثيرة، كإعداد الطلاب للنمو بشكل متدرج بين المؤسستين، وإجبار التعليم العام على رفع جودة المخرجات التي سيستفيد منها التعليم العالي وسوق العمل

من جملة الأوامر الملكية الجديدة التي أحدثت دويا عاليا وتكهنات كثيرة كان دمج وزارة التعليم العالي ووزارة التربية والتعليم.
حداثة الساحة التعليمية الجديدة وكمية التغييرات لا تسمحان إلا ببعض التوقعات هنا وهناك، فلا يمكن أن يجزم أي شخص بنتائج هذا الدمج منذ الآن. يجدر القول إن مجال التعليم معتاد على التغييرات الكثيرة (جدا)، فلا توجد وزارة مثل التربية والتعليم من حيث تجربة وتطبيق المبادرات والبرامج مع استحداث مؤسسات جديدة مثل "تطوير" و"موهبة" وطرح مناهج مطورة، ونظامين دراسيين جديدين ونظام التقويم المستمر ثم نظام اختبارات لتصحيح نتائج التقويم المستمر، ودمج ذوي الاحتياجات الخاصة، وذلك كله خلال عشر السنوات السابقة فقط. بالرغم من تعودنا على التغييرات السريعة والهائلة، إلا أن هذا الدمج الحالي كبير ومعقد، وربما يتعثر ويكلفنا الكثير إن لم يتم تطبيقه بشكل دقيق ومدروس.
حقيقة لا توجد وزارتان يجب أن تدمجا مثل وزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي، حيث إن الخارج من التعليم العام داخل في التعليم العالي، والعاملون في مجال التدريس يعودون ليصبوا في مدارس وزارة التربية والتعليم مرة أخرى. العلاقة بديهية ومنطقية لكن لسبب ما لطالما كانت ضعيفة ومتوترة ولم تنتج لنا سوى المزيد من اختبارات التعليم العالي، مع فرض حصانة السنة التحضيرية على جميع الطلاب لحماية الجامعة من مخرجات المدرسة.
الدمج إن طبق بشكل فعلي وجذري فمواطن الاستفادة منه لا تعد ولا تحصر، ابتداء من سد فجوة المدرسة والجامعة، وإعداد الطلاب للنمو بشكل متدرج وسلس بين المؤسستين، وربما إلغاء السنة التحضيرية وتخفيف الاختبارات الانتقالية وإجبار التعليم العام على رفع جودة المخرجات التي سيستفيد منها التعليم العالي وسوق العمل لاحقا.
بالنسبة للعاملين في مجال تطوير المدرسة، فسيتم التأكد من تدريب المعلم بشكل تطبيقي أكثر. سيقوم أعضاء هيئة التدريس بعمل أبحاثهم في المدارس كما ستتاح لهم الفرصة لقياس جدوى وجودة البرامج والمناهج الحالية بشكل علمي. سيقوم معلم الصف بالاستفادة من خبرات أستاذ الجامعة في علاقة احترافية يتم تبادل الاستفادة فيها بشكل واضح. ومن أهم وأبرز ما يمكن الاستفادة منه انتهاز هذه الفرصة في خط سياسات مدرسية فعالة مع إمكانية تجديدها بشكل مرن بناء على التغذية الراجعة التي تقدمها مؤسسات التعليم العالي دون الخوف من التعدي على حدود الغير.
كل هذه الفوائد رهن نجاح الوزير الجديد في إنشاء وزارة جديدة تدمج وتزاوج فعليا وليس سطحيا بين عمليات وثقافة عمل وزارتين رفضتا التعاون والتواصل لعقود طويلة. التحدي أصعب مما نتصور، لأن التغيير المفروض كبير للغاية في بيئتين طالما اتسمتا بالتقليدية والعمل على مستوى عال من البيروقراطية. ربما يجب على الوزارة الجديدة الاستفادة من التجربة السابقة في دمج رئاسة تعليم البنات تحت مظلة وزارة المعارف عام 2000 وتفادي الأخطاء السابقة التي ربما أخرت من "اندماج" الرئاسة مع وزارة المعارف بشكل فعلي.
ما نريد أن نتأكد من تفاديه هو الوقوع في فخ "الدمج الصوري"، أي أن المبنى الواحد ذا الباب الواحد والشعار قد يضم مؤسستين داخليتين تعملان بانفصال تام ودون أي تواصل! وما نريد بالتأكيد تحقيقه هو "الدمج الجذري" بحيث يتم فعليا اندماج الوزارتين لتخرج لنا وزارة التعليم الجديدة الفارضة لثقافتها ونظام حوكمتها المستقل الداعم للإنتاجية. بالتأكيد تصبو الدولة لتحقيق الهدف من هذا القرار الذي لا يتوقف على حدود الدمج بحد ذاته، بل للخروج بآلية تنظيمية جديدة تدعم سياسة الدولة في تطوير التعليم والرفع من مستوى الكوادر الوطنية. الأمر السامي بإنشاء الوزارة الجديدة التي تتضمن التعليم العالي والعام ليس هو الغاية بل مجرد وسيلة يفترض أن تسهل تحقيق أهداف الدولة في الاستثمار في القوى البشرية بشكل أفضل.
لتحقيق ذلك وخصوصا عند فهم تاريخ التعليم السعودي، يجب التأكد من اتباع استراتيجيات التغيير الناجحة والمثبتة في علم إدارة التغييرChange Management. من بعض ما يمكن القيام به التأكد من نشر أهمية هذا الدمج لدى جميع أوساط العاملين في الضفتين، ووضع خطة وأهداف واضحة للتغيير، مع دراسة أفضل السبل للتوفيق بين الثقافتين لإنجاز الأعمال التي تحقق الرؤية الجديدة، وإنشاء فريق من المؤثرين على مستوى الإدارة لنشر الممارسات الجديدة، والتأكد من رفع الروح المعنوية وتشرب الموظفين لأسلوب العمل الجديد الذي يتم تثبيته تدريجيا مع مرور السنوات. بالإضافة إلى ذلك، يجب أن يضمن الوزير، أعانه الله، تحقيق قصص نجاح قصيرة ومتوسطة المدى لإثبات مصداقية الرؤية الجديدة مع التخلص من كافة العقبات التي قد تتمثل في تغيير الإجراءات واللوائح أو الموظفين.
هذا الدمج بالتأكيد سيصبح حالة كلاسيكية تدرس في مجال التعليم وعلم إدارة التغيير، بحيث يجب أن تؤخذ كافة العوامل والعناصر من أكبرها إلى أصغرها في الحسبان. مع العلم أن كل حركة تؤثر في ملايين الطلاب والمعلمين والموظفين. أتوقع أن بداية الدمج بين الوزارتين ستكون صعبة ووعرة، خصوصا إذا اتسم الطرفان بالصعوبة والتعقيد، لكن في حال تعثر هذا الدمج؛ فللأسف لن يدفع الثمن سوى أطفالنا وشبابنا على مدى الأجيال القادمة.

سارة زيني        2015-02-05 2:15 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات           |   0 عدد التعليقات :

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال