الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

جغرافيا تقود إلى نوبل للآداب

يعتقد الكثيرون أن الحصول على "نوبل" للآداب يستلزم أن تكون أعمال الأديب مليئة بالمقعر من الكلام ومتخمة بالرموز والأسرار، بيد أن الانطلاق من الواقع الحقيقي والإغراق في التفاصيل المحلية أصدق وصفة للفوز بالجائزة

"سلمى لاغرلوف" روائية سويدية شهيرة، أو نقل إنها إحدى أهم الكاتبات السويديات، وأول من حصل منهن على جائزة "نوبل" للآداب قبل ما يزيد على مئة عام، العجيب في الأمر أن "سلمى" كانت نتاج بيئة ريفية بسيطة، ولم تكتب بلغة معقدة أو رموز لا يفهمها أحد! فما سر حصولها بجدارة على "نوبل" للآداب؟
ولدت "سلمى" عام 1858 في قرية جبلية بمقاطعة "فارملاند" شمال السويد على الحدود مع النرويج، وكان ترتيبها الخامس بين ستة أطفال، ونظرا لولادتها بعيب خلقي في الورك أصيبت بالشلل لفترة من الوقت، ولكن رغم تعافيها فقد ظلت تعاني عرجا بسيطا استمر معها، وكان السبب في تركها الدراسة النظامية في المدارس وبقائها في المنزل فترات طويلة، كانت تقضيها في القراءة المتواصلة، والجلوس الطويل مع كبيرات السن والإصغاء لقصصهن وموروثهن الشعبي.
غير أنها سافرت إلى العاصمة ستوكهولم للعلاج وللدارسة في كلية المعلمين التي تخرجت منها معلمة للتعليم العام، وهناك تابعت الحركة المسرحية النشطة، وأظهرت ميلا لنظم الشعر تقليدا لوالدها الذي يهوى الشعر، ثم بعد أن صارت معلمة في "لاندسكرونا" كتبت أول روايتها: ملحة "جوستا برلنج" عام 1891 التي استطاعت نشرها بعد أن شاركت بفصولها لأول مرة في مسابقة أدبية، ففازت بعقد نشر الرواية، والحقيقة أن الرواية تناولت مسقط رأس "سلمى" بأسلوب شعري لطيف، يؤكد النقاد أنه ساعد على إحياء الإنتاج الرومانسي في الرواية السويدية نهاية القرن التاسع عشر.
ثم توالى بعد ذلك نشر الروايات المتكئة على رصيد قصصي شعبي غني، ولغة شعرية بسيطة دون تكلف، فكان أن نشرت المجموعة القصصية "العلاقات الخفيّة"، ثم حصلت على منحة من العائلة المالكة والأكاديمية السويدية للسفر إلى بلدان عديدة، مما مكنها من كتابة قصص وروايات تتداخل فيها الحكاية مع عنصر الجغرافيا والمكان، كنشرها رواية "معجزات المسيح الدجال" بعد زيارتها لإيطاليا، أو روايتها "بيت المقدس" بعد زيارة فلسطين ومصر.
غير أن القصة الأساسية لنجاح "سلمى" ووصولها إلى كل بيت، قبل أن تصل إلى مقر الأكاديمية السويدية حيث جائزة "نوبل"، كانت قد بدأت فصولها منذ أن التحقت بعملها التعليمي، فلقد لاحظت "سلمى" عدم إلمام الطلاب بجغرافية بلادهم، وعدم معرفتهم بمعالمها الشهيرة، والأسوأ من ذلك أن الكتب المقررة كانت تزيد الطين بلّة، لكنها وبعد مرور عشر سنوات تركت التعليم للتفرغ للكتابة، بيد أن هيئة المعلمين الوطنية لم تتركها، إذ كلفتها عام 1902 بتأليف كتاب جغرافي جديد لمدارس التعليم العام بالسويد، وافقت "سلمى" على هذه المهمة كونها مدركة لأهمية هذا المشروع، واستغرق الأمر منها ثلاث سنوات لإنجاز الكتاب، قضتها بحثا وزيارة لأنحاء مملكة السويد كافة، ودراسة لحيوانات ونباتات البلاد، وتعمقا في عادات وتقاليد المجتمع، وأساطيره وموروثه الشعبي، لتمزج كل هذا وتعيد طرحه عبر قصة الفتى "نيلز هولقيرسون"، ذلك الطفل الذي عوقب نتيجة سوء معاملته للحيوانات أن حوله قزم المزرعة إلى قزم كذلك! ليستطيع حينئذ فهم لغات الحيوانات ويتحدث معها، وبعد سلسلة من الأحداث والمطاردات ينتهي به الأمر مسافرا على ظهر إوزة ضخمة عبر أراضي مملكة السويد، وخلال رحلته يتعرف عن قرب على مقاطعات البلاد وتضاريسها وأساطيرها بأسلوب مشوق، ووصف أسر قلوب الطلاب والطالبات على الفور، والمثير في الأمر أن رواية "نيلز هولقيرسون ورحلته الرائعة عبر السويد" لم تنجح فقط في المدارس، بل على المستوى الوطني، وترجمت – أيضا - إلى أكثر من ثلاثين لغة منها اللغة العربية حتى إن بطل الرواية الفتى "نيلز" ظهر على خلفية العملة السويدية فئة العشرين كرونا، بينما ظهرت الأديبة "سلمى" نفسها على الوجه الأمامي للورقة المالية!
وغني عن القول إن هذا العمل الفريد من نوعه تحول إلى عدة أفلام سينمائية، وظهر على شكل مسلسل رسوم متحركة حقق الكثير من الانتشار الدولي، ولكن بعد إعادة معالجة القصة وجعلها تغطي أبرز معالم العالم.
وهكذا بعد مسيرة طويلة من الإبداع والإنجاز كان لازما على الأكاديمية السويدية أن تلفت إلى مواطنتها المبدعة، وأن تجعل من "سلمى" أول كاتبة من بلد "نوبل" تحصل على جائزته في الآدب، وأن تنظم لعضوية الأكاديمية بعد سنوات قليلة، بعد أن كرمت في حيثيات أسباب منحها الجائزة والتي جاء منها: "سمو أفكارها المطروحة بأعمالها الأدبية التي أحيت التأمل والسمو الروحي بشخصيات أعمالها المكتوبة"، وهو ما كان جليا في معظم أعمالها ذات البعدين التاريخي والجغرافي في آن واحد.
يعتقد الكثيرون أن الحصول على جائزة "نوبل" للآداب يستلزم أن تكون أعمال الأديب الفائز مليئة بالمقعر من الكلام ومتخمة بالرموز والأسرار، بيد أن الانطلاق من الواقع الحقيقي والإغراق في التفاصيل المحلية هي أصدق وصفة للفوز بنوبل، و"سلمى" خير شاهد على ذلك، التي استطاعت بلغتها البسيطة ومحاولتها ردم هوّة الجغرافيا الوطنية أن تكسب شرف "نوبل" للآداب.
فكم من مبدع ومبدعة يتهيب "نوبل" للآداب؟ ويكاد يحرم نفسه منها فقط لأنه يعتقد أنها بعيدة المنال وصعبة الوصول! بينما واقعها أبسط مما نتصور.

عبدالرحمن السلطان        2015-02-25 12:29 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات           |   0 عدد التعليقات :

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال