الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

أميركا تكسر صمت النووي الإسرائيلي

ألمح أوباما صراحة بموافقته على الإفراج عن التقرير النووي السري لإسرائيل، بهدف إحراج الكيان المحتل، كي يوقف نتنياهو انتقاداته المتكررة للموقف الأميركي من برنامج طهران النووي

"إسرائيل لا تؤكد ولا تنفي امتلاكها لأسلحة نووية. وفي الواقع، رفضت الحكومة الإسرائيلية أن تقول أي شيء واقعي حول الأنشطة النووية الإسرائيلية، وشجَّعت المواطنين الإسرائيليين، سواء بالقانون أو بالعرف، على الالتزام بالصمت، وقد فعلوا ذلك، من خلال الرقابة الحكومية والرقابة الذاتية لوسائل الإعلام. ويعرف هذا الموقف بالتعتيم النووي، أو بالعبرية، أميمت". (أفنر كوهين ومارفن ميلر، مجلة "فورين أفيرس" الأميركية، سبتمبر/أكتوبر 2010).
في الأيام التي سبقت اليوم الثاني من أبريل الجاري، أي عندما بدأ التغريد من مدينة لوزان السويسرية بالكلمات الشهيرة، "لدينا صفقة" من قبل جميع أطراف مجموعة (5+1) المختصة بالمفاوضات النووية مع إيران، برزت قصتان رئيستان في الصحافة عن إسرائيل، الأولى أن الحكومة الأميركية كشفت في فبراير الماضي الوثائق السرية الخاصة ببرنامج تطوير القنبلة النووية الإسرائيلية. والثانية، أن هذا الحليف "الأقرب" للولايات المتحدة في الشرق الأوسط قد حُرم من إحاطته بما يجري في المفاوضات الأميركية مع إيران بشأن برنامجها النووي، مما جعل إسرائيل تطلق حملة تجسس ضد الأميركيين. كلا القصتين هما في الواقع "أسرار مكشوفة"، ولكن  الأكثر سخرية نكران أنه لم يسبق لهما مثيل.
قد يقول ساخر إن "الجميع" على علم بالبرنامج النووي السري لإسرائيل، وذلك أمرا لا يهم. أو أن أوباما أمر -أو على الأقل- ألمح بقوة بموافقته على الإفراج عن التقرير النووي السري بهدف إحراج إسرائيل كي توقف انتقاد نتنياهو للعلاقات الأميركية الإيرانية المتعلقة بالنووي، وهو كذلك أمر لا يهم. الحقيقة هي أن كل رئيس أميركي منذ نيكسون (1968-1974) التزم بمبدأ "التعتيم النووي"، كما وصف ذلك المحللان أفنير كوهين ومارفن ميلر في مقالهما المشار إليه أعلاه.
أما بالنسبة إلى إسرائيل، فإن هذا المبدأ مقدس. وإذا كان أي شخص يشك في ذلك، فعليه أن يُلقي مجرد نظرة على معاملة ومصير الخبير النووي الإسرائيلي، مردخاي فعنونو، الذي تم اختطافه إلى بلد أجنبي بعد أن كشف برنامج إسرائيل النووي للصحافة البريطانية في 1986، حيث اختطف فعنونو، بوحشية من جانب بلده، وزُج به في السجن 18 عاما أمضى منها 11 عاما في الحبس الانفرادي. ومنذ الإفراج عنه في 2004، تعرَّض فعنونو للمضايقة والمطاردة ثم أعيد اعتقاله، وحرمانه من كل حرية "طبيعية" يتمتع بها مجتمع "ديموقراطي". ولذلك، يجب دراسة أهمية كشف الحكومة الأميركية للأبحاث النووية الإسرائيلية. لماذا حدث ذلك؟ هل كان مجرد نزوة لفظية من رئيس تسعى مطامحه الخاصة للحصول على صفقة مع إيران؟
وفقا للمراسل الصحفي الروسي فلاديمير بلاتوف، الخبير في شؤون الشرق الأوسط بمجلة "نيو ايسترن آوت لوك" الروسية، فإن الوثيقة السرية الصادرة عن وزارة الدفاع الأميركية بعنوان (تقييم التكنولوجيا الحرجة في إسرائيل وحلف شمال الأطلسي "الناتو") هي عبارة عن تقرير من 386 صفحة، أعده معهد وزارة الدفاع للتحليلات في 1987، أي قبل فترة وجيزة منذ كشف مردخاي فعنونو عن أسرار البرنامج النووي الإسرائيلي لـ"صنداي تايمز" اللندنية. ويحتوي التقرير، وفقا لبلاتوف، على تقييم لقدرات إسرائيل الفعلية في ذلك الوقت لإنتاج أسلحة نووية. تؤكِّد الدراسة أن مختبرات إسرائيل السرية، المشاركة في تطوير القنبلة الذرية كانت مساوية لمختبرات الأبحاث النووية الرئيسية في الولايات المتحدة: لوس ألاموس، ولورانس ليفرمور وأوك ريدج الوطنية. ويشار إلى أن الجزء الذي تم اختياره من التقرير كان في حدود 130 صفحة، تشمل وصفا دقيقا للترسانة النووية الإسرائيلية اليوم.
وتتظاهر إسرائيل بـ"رباطة الجأش" إزاء صدور التقرير، لأن بنيامين نتنياهو يرى أن الإفراج عن سرية النووي الإسرائيلي بمثابة خطوة يائسة من قبل أوباما لإنقاذ "إرثه" الوحيد، المتمثل في صفقة نووية مع إيران، وأن المعلومات غير دقيقة وقديمة جداً. لكن المؤسسات الإسرائيلية تدرك أن هناك شيئا في غاية الأهمية يتعلق بتقرير 1987 وهو ذروة انعدام ثقة أميركا في علاقتها مع إسرائيل بسبب قضية التجسس الشهيرة التي قام بها جوناثان جاي بولارد، الصهيوني المولود في الولايات المتحدة الذي كان يشغل وظيفة مدنية في البحرية الأميركية. في 1985، أُلقي القبض على بولارد، عندما كان يقوم بمحاولة يائسة للدخول عبر بوابة السفارة الإسرائيلية في واشنطن للحصول على اللجوء بعد أن اتضح أنه جاسوس لإسرائيل سرق معلومات حساسة من الولايات المتحدة، ولذا فإنه لا يزال قابعاً في السجن حتى اليوم لأفعاله الخائنة. ولم تفلح ضغوط نتنياهو على البيت الأبيض والكونجرس، واللوبي الإسرائيلي في أميركا، لإطلاق سراح بولارد. لأن جرائمه المحرجة جعلته نزيل السجن حتى يومنا هذا.
يمكن للمرء مقارنة الغضب بين المسؤولين العسكريين الأميركيين والاستخبارات حول قضية تجسس بولارد، وبالسخط المستمر حول إغراق إسرائيل لسفينة المراقبة البحرية الأميركية "يو إس إس ليبرتي" في 1967، خلال حرب الأيام الستة بين العرب وإسرائيل. وقتها، هاجمت الطائرات الإسرائيلية السفينة التي كانت تبحر في المياه الدولية في البحر المتوسط، وأدى قصف سلاح إسرائيل الجوي بالنابالم وهجماتها المتكررة بزوارق الطوربيد إلى مقتل 34 عسكرياً ومدنياً أميركياً، وإصابة 171 آخرين ودمار السفينة.
لدى المؤسسات العسكرية والاستخباراتية الأميركية ذاكرة قوية تُشكك في تأكيدات السياسيين الأميركيين السطحية عن صداقة وولاء إسرائيل المخلص للولايات المتحدة. وما من شك في أنه كان من مصلحة إسرائيل الوطنية معرفة ما يدور في المفاوضات بين أميركا وإيران بشأن البرنامج النووي بكل ما هو متاح رسمياً، لكن أن يحدث ذلك عبر التجسس فيُعد بمثابة "عض اليد التي تطعمك". أما مسألة قبول التسوية عبر تفاوض مجموعة (5+1)، التي تُحد من تطور البرنامج النووي الإيراني وتفرض على إيران التوقيع على "البروتوكول الإضافي" الصارم من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فتجري المناقشة حولها داخل المؤسسات الأمنية الوطنية في إسرائيل، علماً أن هذه المؤسسات ليست سعيدة بتحدي نتنياهو للولايات المتحدة، وتعتبر كشف تطوير إسرائيل للقنبلة النووية في وقت مبكر مسألة خطرة.

ميشيل ستاينبرج        2015-04-13 12:47 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات           |   0 عدد التعليقات :

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال