الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

القضاء ونزاهة وكائنا من كان

ليعلم الجميع: أن لا حواجز أمام عمل الهيئة، ولا حصانة لأي قطاع من قطاعات الدولة في مواجهة قضايا الفساد، سواء القديم منها والحديث، وليحسب أي مسؤول حسابه قبل أن يقدم على معارضة الهيئة

إن المملكة العربية السعودية فيما يعرض لها من قضايا الفساد الإداري أو المالي كسائر دول العالم الأخرى؛ ولذلك حرصت الحكومة، أيدها الله، على إعداد الاستراتيجية الوطنية لحماية النزاهة ومكافحة الفساد، ومن ثم عرضها على مجلس الشورى بحسب الاختصاص التشريعي، ثم إقرارها بالأمر السامي الكريم ذي الرقم (43) المؤرخ في 1/2/1428.
وكانت قضايا الفساد المالي والإداري - قبل ذاك- مفرقة في عدد من الدوائر الحكومية؛ مثل: ديوان المراقبة العامة، ودوائر التفتيش في كل وزارة أو مصلحة من المصالح العامة، والمباحث الإدارية، وكان التنسيق بين العديد من الوزارات والمصالح يأخذ وقتاً كبيراً ليتحقق واقعاً ملموساً، مما يمكن ذلك التأخير الفاسدين -خصوصاً الوافدين منهم- من الإفلات قبل إحكام السيطرة عليهم.
ورغبة من القيادة الحكيمة في توحيد الجهة المسؤولة عن قضايا الفساد أسست الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد بالأمر الملكي الكريم ذي الرقم أ/65 المؤرخ في 13/4/1432، وكان تأسيسها إنجازاً كبيراً على المستويين المحلي والعالمي؛ لتكون ضابط ارتباط يجمع الدوائر المعنية بالتحري أو بالضبط أو التحقيق، وتتحرك خلالها بسلاسة وانسيابية تمنع من إخفاء الأدلة أو هروب أطرافها.
لقد أظهرت القيادة جديتها في إنشاء وتفعيل الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد بما اشتمل عليه الأمر الملكي الكريم من أشد عبارات التأكيد وأقواها في خمسة مواقع؛ بانطلاقه أولاً من حكم آية في كتاب الله عز وجل هي قوله تعالى {ولا تبغِ الفسادَ في الأرض إن الله لا يُحب المفسدين}، ثم بربط الهيئة بالملك مباشرة، ثم بالأمر بالإسراع في إعداد تنظيم الهيئة خلال 3 أشهر من تاريخ الأمر الملكي هذا، ثم بالنص على شمولية مهام الهيئة كافة القطاعات الحكومية، وآخرها التأكيد بألا يستثنى من ذلك كائن من كان.
عقب ذلك أوضح تنظيم الهيئة اختصاصاتها وضوحاً لا يشوبه غموض وبيَّنه بياناً لا يعتريه إجمال، ففي الفقرة الثالثة من المادة الثالثة جاء ما نصه [وللهيئة الاطلاع على مجريات التحقيق ومتابعة سير الإجراءات]، ثم في الفقرة العاشرة من الاختصاصات ورد أن للهيئة [متابعة مدى قيام الجهات المشمولة باختصاصات الهيئة بما يجب عليها إزاء تطبيق الأنظمة المجرِّمة للفساد المالي والإداري، والعمل على تعزيز مبدأ المساءلة لكل شخص مهما كان موقعه].
ثم في الفقرة الثانية من المادة الخامسة من التنظيم جاء ما نصه: [على الجهات المشمولة باختصاصات الهيئة والجهات الخاصة المتعاقدة معها تزويد الهيئة بكل ما تطلبه من وثائق وبيانات ومعلومات تتصل بأعمالها]، ثم في الفقرة الثالثة من المادة الخامسة ورد أن على تلك الجهات [تمكين منسوبي الهيئة من تأدية مهامهم، وتزويدهم بما يطلبونه من وثائق وأوراق أو نسخ منها].
هذه هي الهيئة كما أرادها الملك، وتلك اختصاصاتها كما أجمعت عليها السلطتان التشريعية والتنفيذية من سلطات الدولة تجاه التعامل مع الهيئة في تنفيذ مهامها.
لقد شاء الله للهيئة أن تنشأ من عدم، فمكثت في تكوين هيكلها، وإعداد كوادرها مدة 5 سنوات حتى اليوم، وتحمل مسؤولوها النقد اللاذع والجارح أحياناً لقاء تأخر ظهور أثرها، وعندما أرادت الهيئة ممارسة اختصاصاتها بشكلٍ فاعل -وبحسب ما جاء في أداة تكوينها- ظهر أمين عام المجلس الأعلى للقضاء ليستثني منسوبي القضاء من اختصاص الهيئة؛ غافلاً عن كل تلك التأكيدات التي اشتمل عليها الأمر الملكي الكريم، مما يضع أكثر من علامة استفهام حول هذا الموقف.
ما كان لأي دائرة أن تتمنع من أداء واجبها تجاه اختصاصات الهيئة، وما كان لأي كائن من كان أن يستثني نفسه أو تابعيه من التلبث عن تلبية طلبات الهيئة، خصوصاً من السلطة القضائية التي هي سلطة الدولة وسطوتها في وجوه الفساد والفاسدين.
لا ينبغي أن يمر تمنع الأمانة العامة للمجلس الأعلى للقضاء دون تأنيب ولا تأديب؛ حتى لا تستساغ تلك المواقف من جهاز ثانٍ يرى أن له خصوصية من نوع آخر.
وليعلم الجميع: أن لا حواجز أمام عمل الهيئة، ولا حصانة لأي قطاع من قطاعات الدولة في مواجهة قضايا الفساد، سواء القديم منها والحديث، وليحسب أي مسؤول حسابه مرات ومرات قبل أن يقدم على معارضة الهيئة فيما هو من اختصاصها المنصوص عليه في تنظيمها، أو في استراتيجيتها الموكول تنفيذها إليها؛ حتى لا يشعر أحد أنه فوق المساءلة لأي اعتبار، وحتى لا يغيب عن أحد أنه واقع تحت المساءلة بلا أدنى شك متى استحق ذلك.
بدون ذلك سيكون لكل قطاع تأويل، ولكل مسؤول ملاذ، ولكل فاسد مهرب، فلا تجد الهيئة من تطبق عليه نظامها إلا الضعفاء، فنهلك جميعاً كما هلك الذين من قبلنا ممن "إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد"، كما صح ذلك عن الصادق المصدوق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

ناصر الداوود        2016-02-07 1:46 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 12 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • أقدر للجميع مشاركاتهم، وأربأ بالمعارضين أن يقفوا في صف الفساد وأهله. قلت ولازلت وسأبقى على القول: لا حصانة لقاضٍ ولا لدبلوماسي ولا لوزير في أيٍ من قضايا الفساد. ولا يضر القضاة أن تطلب الهيئة مستنداً في قضية فساد بلغت العيئة وترى لزاماً الاطلاع عليها لمصلحة القضية، ولا ينال ذلك من حصانتهم ولا استقلالهم إلا في أذهان المخدوعين بالشعارات البراقة، أو من يخشون من أشياء تظهر للهيئة فلا يقدرون على تداركها. كنت أرجو لو كان الاعتراض من غير المؤسسة القضائية. لتحفظ ماء الوجه أمام الناس. ناصر بن زيد بن داود
  • المتمعن في قرار الهيئه يجده مصيبا وهو ينص على: ١-عدم منع الهيئة من ممارسة صلاحيتها في كامل الجوانب المالية والإدارية و٢-منعها من ممارسة صلاحيتها على الجوانب القضائية الفنية (الدعاوى والأحكام) لعدم امتلاكها الأهلية الفنية ولوجود جهات قضائية متخصصة في الإشراف على هذا الجانب وهي محاكم الاستئناف والمحكمة العليا والتفتيش القضائي. وهذا فيه أخذ لأصل استقلال القضاء وحفظ للقضاء من التدخل وهو قرار في محله من وجه نظري مع تقديرنا للكاتب الذي سكت قلمه مؤقتا عن نقد المجلس في العهد البائد عادل
  • يا للعار أن تكون تلك الكتابة لقاض سبق أن عمل في القضاء وكنت أظنها لمعقب سابق في جهة حكومية ويالخراب الديار التي يشكك فيها في نزاهة القضاء ويجعل لهيئة أخرى مسؤولية تقييم أعمالهم !!! حنانيك يا رجل ولا يأخذك حنقك على أحد أن تهدم بيتك ولم أقرأ إساءة لسلطة القضاء كتلك التي لفظها قلمك عبدالسلام
  • لماذا يا د. ناصر الداود تسرد مواد تنظيم مكافحة الفساد وتنسى - وانت ابن القضاء البار سابقا- نصوص استقلال القضاء في النظام الأساسي للحكم ونظام القضاء وغيرهما.. فكلها تمنع كائنا من كان من التدخل في أعمال القضاة وأحكامهم وأنه لا سلطة لأحد عليها إلا سلطان الشريعة وسلطة مرجعهم وهو الملك وتحته المجلس الاعلى للقضاء إعمالك بعض الأنظمة وإهمالك بعضها يدل على خلل في تقصي الحقيقة ولا يقبله اهل الدراية والتخصص القانوني صريح العبارة
  • في تصوري أن الكاتب بعيد عن مبدأ فصل السلطات ، ولذلك لم يُفرّق بين الرقابة على الأجهزة التنفيذية الممنوحة للهيئة ، وبين مبدأ المساءلة والمحاسبة في السلطة القضائية الموكول لجهاز التفتيش القضائي ،، ولا يعني كون الهيئة في سياقها لا تتجاوزه أن تكون السلطة القضائية مُطلقة العنان ، فهي تخضع في أعمالها لرقابة من نوع خاص لم يُعهد بها فيما سبق تشكيل الهيئة إلى ديوان المراقبة ولا إلى هيئة الرقابة ولا إلى المباحث الإدارية ،، أرجو أن نستحضر الموضوع من جميع جوانبه ،، رياض
  • مع إقراري بضعف أداء مجلس القضاء من وقت تولي الرئيس السابق له, إلا أنني أدرك. أن هناك تصفية حسابات من بعض القضاة المفصولين سابقا, وتعاميهم ع قضايا الفساد في الحقبة السابقة. واقعي
  • سبب رفض مجلس القضاء لتدخل نزاهة هو أن أحد قيادات مجلس القضاء تحوم حوله الشبهات في استخراج صكوك على رؤوس الجبال في الباحة إبان عمله السابق وقد فتح تحقيق لكن لسبب ما أقفل الموضوع .. نحتاج نزاهة أن تعيد الكرة لمتابعة مثل هذه التحقيقات والتأكد ألا فساد اداري ومالي حولها .. ناصح
  • بسم الله ... والعمل على تعزيز مبدأ المساءلة لكل شخص مهما كان موقعه]. !!! و كأنني سأصدق هذا الكلام ! مواطن يراقب
  • طيب اذا مانع امين مجلس القضاء فأين الوزير ؟؟ معلماتي
  • وزارة العدل السابقه مكنت نزاهه من طرفيه لكل المحاكم وكتابات العدل ومنعت من التدخل في القضاء والنتيجة أعلن رئيس نزاهة السابق في مؤتمر صحفي أن وزاره العدل أفضل جهاز حكومي في التعاون معها أما اليوم فالعكس تم منع نزاهه بذريعه استقلال السلطه القضائيه وبالمنطق نقول هل يعني ذلك انه لامراقبه عليها وتفعل ماتشاء لقد انتقد شيوخ القضاء من يدعون العصمة لغير الانبياء وهم ان شاء الله لايدعون ذلك لانفسهم فليكونوا اكثر ثقه بانفسهم كما هم ان شاء الله محل ثقه النزاهة والشفافية
  • نعم ورب الكعبة لقد قلت القول الحق (( فنهلك جميعاً كما هلك الذين من قبلنا ممن "إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد"، كما صح ذلك عن الصادق المصدوق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. )) شكرا لك أخي فضيلة القاضي - ناصر الداوود . سعيد منصور القحطاني
  • رائع . لكن ما قولكم إذا ضعفت الهيئة عن صلاحياتها بسبب تخويفها بحجة استقلال القضاء !! وهي لاتتدخل فيه . لكن تراقب نزاهته وترفع عنها للقاضي الأول وهو في التكييف الأسلامي ولي الأمر دون أن تتدخل في الأحكام أو تُسيِّر القضاء هذا هو التكييف الشرعي والقانوني للموضوع = التكييف الدستوري . على نزاهة أن تكون قوية ومعها الشريعة والقانون فقيه دستوري

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال