الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

تصريحات دوري أم مكافحة فساد

المأزق الكبير لجهود مكافحة الفساد يتمثل في كيفية دفع تلك الجهود باتجاه حصرها في التشهير

أتعجب حقا من أولئك الذين يَرَوْن أن التشهير ليس حلا للفساد؛ والواضح أن التصريحات النارية أصبحت موضة هذه الأيام. فأحد أعضاء مجلس الشورى الموقر قال قبل أيام، «إن التشهير ليس علاجا للمشكلة، وليس مطلوبا في الوقت الراهن، إذ إن الأهم هو قيام نزاهة بعملها»! ويخرج تصريح آخر من قبل شيخ مفتٍ يقول فيه «إن للمفسد مسؤولا يعاقبه»، فالحل بنظره يكمن في نشر التوعية بين الناس، وتحذيرهم من الفساد وعواقبه الدنيوية والأخروية!
التشهير ليس مطلوبا في الوقت الراهن، وكأن الفساد اُكتشف للتو! وكون هيئة نزاهة ومسؤوليها لم يقوموا بواجبهم الأساسي ويعملوا على مكافحة الفساد منذ سنين، فهذا لا يعني أن الأمر وليد اللحظة.. هم فقط يحاولون الخروج بأقل الخسائر، وتأتي الآن لتقول «التشهير ليس مطلوبا في الوقت الراهن»، فأقول الحل الوحيد لدينا هو «التشهير»، فهو آخر حلول الردع، ونحن وصلنا إلى آخر الحلول!
ويأتي الآخر فيقول «الحل يكمن في نشر التوعية بين الناس»، وكأننا لم نستنفد جميع الطرق، بما فيها التوعية والحديث عن الفساد ومخاطره. فمنذ زمن ونحن نسمع عن الفساد وانتشاره ونتائجه إلى جانب تحذيرات خبراء قانونيين ومستشارين بشأن تلك القضية، فأي توعية هذه التي ستتخذ حلا للفساد!
نحن تعدينا مرحلة الترغيب والترهيب (المخفف). تلك أساليب يتخذها المبتدئون في الفساد، الذين يصفون شكل فسادهم بالانتشار فقط! فهي لا تنطبق على أناس أصبحت قضية الفساد لديهم تهدد الاقتصاد. بل أصبحت تشكل أكبر مهدد للتنمية حين قامت بتحويل إمكانيات الوطن من تحقيق المصلحة العامة للجميع إلى تحقيق مصالح شخصية لحفنة فاسدين.
الفساد إما أن يكون فسادا أصغر وهو ذاك الذي يرتبط بالأفراد وما يخلفه من نتائج تؤثر على شخصه فقط، أو أن يكون فسادا أكبر وهو الذي يتعلق بمجموعات، وتؤثر عواقبه على شريحة كبيرة من الناس، وهذا ما يرنو إليه فساد البعض لدينا بالحرف.
وبالاطلاع على التجارب العالمية الرائعة في مكافحة الفساد نجد على سبيل المثال التجربة السنغافورية كأهم التجارب التي كافحت الفساد بالتشهير، فلم تنجح المشاريع الاقتصادية العملاقة والتنموية هناك إلا بعد مواجهة الفساد، وبدأ ذلك بخفض مستويات البيروقراطية والفساد الإداري، في الستينات صنفت سنغافورة كواحدة من أسوأ الدول فسادا، لكنها نجحت في أن تنتقل للمرتبة الرابعة في أقل الدول فسادا في مؤشر منظمة الشفافية العالمية خلال عقدين من الزمن فقط، ويرجع التغير السنغافوري لتفعيل قانون مكافحة الفساد وقانون إعلان الأموال والممتلكات، إذ يلزم كل مسؤول حكومي أن يقدم بيانا كل عام عن حجم أمواله واستثماراته في البنوك والمؤسسات. وتقوم هيئة الفساد المستقلة هناك بالتحقيق في قضايا الفساد الحكومي والخاص، وإعطاء سلطات واسعة لأعضاء دائرة التحقيق في الممارسات الفاسدة، في الكشف عن الجرائم ومراقبة التغييرات التي تطرأ على حياة الموظفين، وحرمان المتورط منهم من الترقية الوظيفية والتشهير به، لينتهي مستقبل الفاسدين ويسدل المجتمع الستار عليهم.
خطر الفساد أكبر من خطر الإرهاب، ولا خلاص إلا مع التحرر منه، والمأزق الكبير لجهود مكافحة الفساد يتمثل في كيفية دفع تلك الجهود باتجاه حصرها في التشهير. 

سارة العكاش        2017-04-07 12:07 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 3 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • عادل: قرية في النيبال عانت من فساد مستشر كالسرطان،ولكنها أخيرا عثرت على الحل الشامل!@خالد:تكفى ماهو؟@عادل:فجأة حدث زلزال قلبها فوق تحت!@خالد:عفارم عليك خوش حل! احمد سليمان
  • "شجرة العائلة" تتكون من شجرة واحدة تتفرّع أغصانها لكن للفساد كم هائل من الأشجار لا تعد ولا تحصى ..لقد تشابكت أغصانها وأصبح من المستحيل أن تجد لها فكاكا! احمد سليمان
  • أما ان يكون كل العالم لا يفهم او "نحن" لا نفهم للتشهير بالمفسدين! أو ان "كثرتهم" تغطي مساحة هائلة من الاقارب،الاصدقاء، الجماعه،شركاء النسب..عيال العم،أبناء العم ..توم! احمد سليمان

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال