الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

الزائد أخو الناقص

من الضروري إعادة صياغة النمط الاستهلاكي للمجتمع السعودي وتحجيم انتشار مظاهر الإسراف الذي أضر كثيرا باقتصاد المملكة

إن موضوع الإسراف في الطعام من باب التوجيب، والذي أصبح ملاصقاً لمصطلح (الهياط)، لايزال قيد التوعية للحد من أضراره على الصعيدين الفردي والمجتمعي. وربما شبعت الغالبية من هذا الحديث لكثرة تكراره والإطناب فيه في كل محفل، ولكن الآن الأمر تغير، بل يحتاج إلى إكسترا تحذير، فبعد الاطلاع على المؤشرات والأرقام المخيفة لمستقبل الطعام في السعودية. أصبح من الواجب أخذ القضية بجدية أكثر ووضعها في عين الاعتبار.
لم أدرك حجم خطورة الموقف إلا بعد معرفة الحقائق حوله، فمع انتشار ظاهرة التبذير والإسراف في الطعام، خصوصاً في السنوات الأخيرة؛ وصلت قيمة الفاقد والهدر الغذائي في المملكة إلى «49.833» مليار ريال سنوياً حسب الورقة المقدمة من وزارة الزراعة في ورشة الحد من الفقد والهدر الغذائي.
كما أظهرت نتائج حديثة أصدرتها مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات؛ أن السعودية تحتل المرتبة الأولى عالمياً في الهدر الغذائي بنحو 250 كيلوجراماً للفرد الواحد سنوياً، وهذا يعطي مؤشرا على ضرورة دراسة وسن قوانين لمكافحة التبذير وإصدار عقوبات رادعة على المبذرين بفرض غرامات وما إلى ذلك، «فمن أمن العقوبة أساء الأدب».
يؤسفني حقاً فهم بعض الجماعات المقلوب لثقافة التوجيب والجود، والأكثر أسفاً عندما يطلق عليهم (أهل الكرم والجود)! يتسابقون في مناسباتهم بإظهار السخاء المعكوس على أنه كرم حاتمي، فشرهة الضيف بالنسبة لهم فوق كل اعتبار. «الشرهة» التي جعلها بعض الناس فوق الدين وأسرفوا خوفا منها ودفاعا عن ذواتهم في غياب فضيلة الكرم الحقيقي.
وليمة عشاء، تتخيم تايم، يفاجأ المدعو بصحن حاشي مقدم له خصيصا يكفي لعائلة كاملة مع احتمالية توزيع الفائض منه. ناهيك عن الأطباق الجانبية الموضوعة فقط للديكور، وكأنهم يقولون ألم تسمع من قبل بأن «الهياط» والمبالغة في التوجيب من صفات الكرم؟ بل سمعنا أن الزائد أخو الناقص. ولتدعيم الموقف تجد الداعي يعيد ويكرر في الجملة المعهودة (حياك الله على قل الكلافة)!
وإليك السيناريو الرهيب الحاصل بعد الانتهاء من تلك الوليمة.. خلف الكواليس:
مشهد مستفز، رمي الولائم كاملة في حاويات النفايات.
دعوة لوليمة أخرى على السريع، وسلسلة هياط أخرى لا تنتهي.
ليسامحني أصحاب فخامة الولائم وممارسي «الهياط»، أرى ذلك شكلاً من أشكال التخلف.
لذلك ولهذا أقول، إن تبني الأفكار التي تسهم في حفظ النعمة والتقليل من الهدر، أمر إلزامي في الوقت الراهن. فما دام الحديث عن الإسراف في الأموال والنفقات، فإنه ستكون له آثار سلبية على الجانب الاقتصادي لا محالة. ونحن حالياً نسعى جاهدين لمعافاة اقتصادنا لا لإضعافه. ولهذا فإنه من الضروري إعادة صياغة النمط الاستهلاكي للمجتمع السعودي وتحجيم انتشار مظاهر الإسراف الذي أضر كثيرا باقتصاد المملكة خصوصا فيما يتعلق بالأمن الغذائي.
وبهذا الصدد فقد أعجبتني فكرة نقل بنوك الطعام إلى السعودية، والتي قام بها مجموعة من رجال الأعمال، جزاهم الله عنا خيرا. فأطلقوا فكرة جمعية خيرية للطعام «إطعام»، وكانت فكرة رائعة، فقد أسهمت منذ انطلاقتها في حفظ أكثر من مليوني وجبة. إلى جانب الحملات التوعوية التي قامت بها في مختلف المناسبات، والتي تحرص على التذكير بأهمية نشر ثقافة حفظ النعمة في المجتمع، والتغلب على مظاهر البذخ ورمي الفائض من الطعام وإعادة توزيعه على المستفيدين، وإيصال رسالة ثقافة حفظ النعمة.
أبارك هذا الإنجاز وإقامة أول مؤتمر دولي لإطعام، ومن الإحسان المشاركة في دعم هذا النوع من المشاريع الخيرية التي تعود على الوطن والفرد بالفائدة. فشكرا لأصحاب الفكرة والقائمين عليها وجميع من شارك في دعمهم من الكُتاب والمؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على وجود شريحة كبيرة من المجتمع ممن يحملون هذا القدر من الوعي الذي يساعد على تحسين أوضاع البلاد والارتقاء بالمجتمع إلى أفضل مما كان. 

سارة العكاش        2017-04-16 12:06 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات           |   0 عدد التعليقات :

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال