الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

التعليم منهج حياة وغذاء معرفي

الأحداث والظاهرات المشينة إلى مجتمعنا وقيمنا وديننا وموروثنا الحضاري لا تُعالج بقرارات سريعة ومفاجئة وارتجالية، دون إخضاعها لدراسات مستفيضة وتحقيق ميداني لجميع الأطراف

عَرف الإنسان التعليم منذ عصور ما قبل التاريخ، حيث كان البالغون يقومون بتدريب الأطفال واليافعين على المهارات المختلفة التي تساعدهم على الحياة، ويتضمن ذلك إكسابهم الخبرات بالتجربة العملية، حيث كان التعليم في تلك العصور يتم شفاهة، لعدم اختراع الكتابة آنذاك، وكانت تنتقل القصص والروايات الأسطورية وغيرها من جيل لآخر، دون أن تكون هناك سجلات مكتوبة أو كتب تحفظها، وإنما تُنقل بالتلقين والتجريب العملي، فكانت تحمل القيم والأخلاق التربوية والتعليمية التي يُراد غرسها في مدارك الجيل الجديد من الصغار، ليحملوا بدورهم الراية والأمانة لمن يأتي بعدهم من بني الإنسان الذين استخلفهم الله في أرضه وحملهم الأمانة التي أبت الجبال أن تحملها.
 ومن هذا المنطلق يعتبر التعليم أساس الحياة العلمية والعملية والمنهاج المعرفي الذي به نتلمس طريقنا وأسلوبنا وتفكيرنا في الحياة، فمن خلاله وبوسائله المختلفة تنتقل المعلومات والأفكار والاتجاهات والمهارات، ويعرّف التربويون التعليم بأنه العملية التي «يُبنى» من خلالها الفرد عقليا لمحو الأمية في المجتمع، بما يسهم في تطور الحضارة ونماء المجتمع، وتُقاس درجة تطور المجتمعات بنسب المتعلمين بها، وقد أشار ابن خلدون الذي يعتبر من أحد أوائل من تحدثوا عن مفهوم التعليم في مقدمته الشهيرة إلى أن البشر يأخذون معارفهم وفضائلهم من التعلم والتعليم، والذي يكون تارة بالمحاكاة وأخرى بالتلقين المباشر.
 إذن فالتعليم هو الوعاء المعرفي الذي من خلاله نتلقى ونستقي أمور ديننا ودنيانا على اختلاف تعقيداتها وبمختلف مستوياتها ودرجاتها العلمية وتباين مضمونها المعرفي وما يلحق بها من مهارات مُكتسبة وأفكار مُلهمة وإبداعات خلاقة. ومن هنا تتبلور أهمية التعليم في التأثير على بنائنا المعرفي والسلوكي، وبما يمكن أن يسهم به في تشكيل شخصياتنا وتوجهاتنا وتنمية قدراتنا واستثمارها في الطريق الصحيح، وبما ينعكس إيجابا على الفرد ذاته بداية وعلى أسرته ومجتمعه الذي يحتضنه بجميع ما لديه من إمكانات وقدرات ومواهب وقيم، والتي تشمل في مجملها موروث المجتمع الحضاري ونتاج تربيته الأسرية وخلاصة وإفرازات تعليمه الذي تلقاه بجميع مضمونه وطرقه، والتي يعكسها الفرد كسلوك ونهج حياة وقيم ومبادئ توجه تصرفاته وتعاملاته في شتى المجالات.
 وبالإشارة إلى ما تم تداوله مؤخرا حول تمزيق طلاب مدرسة ابتدائية لكتبهم المدرسية وتناثر الأوراق العلمية بكامل ما تتضمنه من علوم ومعرفة في الطرقات حول المدرسة ومن قبل «عدد كبير من الطلاب»، إذ لم تكن الحالة شاذة أو تقتصر على عدد قليل من الأفراد، وذلك على أثر الانتهاء من الاختبارات، هذا بالإضافة إلى ما تم تداوله قبلها بأيام قليلة من خلال تصوير فيديو كذلك لعمليتي هروب من نوافذ المدرسة وعبر مواسير المياه إلى الساحة ومنها لخارج المدرسة عبر السياج، وذلك لطلاب المرحلة الثانوية من مدارس في مدن كبيرة في المملكة، وقد سبقته حالات مماثلة تكررت منذ عام 2011، و2012، و2015،و 2017 في مدن مختلفة من وطننا الغالي، وذلك تجده في شبكة الإنترنت عند البحث عن «هروب طلاب ثانوية من المدرسة»، يضاف إلى ذلك الكثير من السلوكيات المنحرفة المختلفة التي لم تُسلط عليها الأضواء ولم تلقفها كاميرا تصوير أو تعليق مراقب، والتي نجدها ونسمع عنها بين الطلاب والطالبات على اختلاف مستوياتهم التعليمية والمدارس التي تجمعهم، بل وتجدها كذلك حتى عند طلاب الجامعات وطالباتها وبطرق وأساليب قد تكون مختلفة بعض الشيء، وقد يضاف إليها أنواع متطورة من السلوك المستهجن وغير المقبول اجتماعيا وفكريا ودينيا، والذي إن نَمَّ على شيء جميعه فإنما يُنم عن خلل كبير وضعف في مدى استيعاب الطلاب لمنظومة من القيم والأخلاقيات التي لم تنجح جميع المقومات المجتمعية البناءة، في ترجمتها إلى سلوك فعلي وممارسة حقيقية وتأصيل لاتجاهات مجتمعية سوية ومقبولة اجتماعيا، سواء على مستوى الفكر أم التصرف والسلوك أو حتى العادات والقيم التي توجههم، بل ويمتد ذلك إلى الدين وبما يتضمنه من عبادات وسلوكيات تربوا عليها ونشؤوا في كنفها، سواء في ظل كيان أُسري ومُجتمعي يحترمه ويقدس توجيهاته، أو من خلال ما يتم تلقينه لهم من علوم الدين المختلفة بتفاصيلها التي لا يوجد نظيرها في بلد آخر، والتي تبدأ من مراحل التعليم الأولى وحتى التخرج من الجامعة، وللأسف لم يُفلح ذلك جميعه في زرع قيم الدين الصحيح بمبادئه الراقية ومنهجه القويم في إخراج جيل يترجم تلك القيم إلى سلوكيات وأفعال.
 ولعله من الإنصاف أن نذكر أن ذلك لا ينطبق على جميع أفراد المجتمع، فالناس ليسوا سواسية، ولكن مما يجب التنويه له أن وجود ظاهرات مثل تلك وتكرار حدوثها يؤكد بأنها ليست ظاهرة منفردة أو نادرة، بما يستدعي ويستحق الوقوف عندها بالتأمل والتفكير في أسبابها، وما هو الخطأ الذي كان وأدى إلى مثل تلك التصرفات الهوجاء، والتي لا ترتقي بأي شكل من الأشكال إلى قيم ومبادئ مقبولة اجتماعيا وحضاريا، وبما لا يتناسب مع ما ننشده من تطلعات طموحة وتنمية شاملة.
 والتساؤل المطروح هنا حقيقة والمعني به على وجه الخصوص وزارة التعليم من خلال رعايتها لنظام التعليم، باعتباره الهيكل المؤسسي الذي يحتضن كافة أفراد المجتمع، وبما يتضمنه من مناهج، ومدرسين، وطرق تدريس، وإدارة مدرسية، وبيئة مدرسية، وطلاب وطالبات، ومشرفين تربويين، ألم يلفت انتباه الوزارة بمسؤوليها كقيادات عليا وقيادات ميدانية في المناطق والمدن والمدارس منذ سنوات هكذا سلوكيات وغيرها؟! مما لا شك فيه أنهم يعلمون بذلك لأن القاصي قبل الداني علم وشاهد بعض تلك الظاهرات في وسائل التواصل والإعلام المختلف؛ إذن التساؤل الأكبر والأهم ما هي ردة الفعل أو الإجراء الذي اتخذته الوزارة إزاء هكذا حوادث وبعد تكرارها؟! هل قامت الوزارة بتكليف المختصين والباحثين بإجراء دراسات علمية ميدانية لتقصي أسباب تلك الظاهرات على اختلافها؟ وهل راجعت الوزارة نظمها التعليمية وطرق التدريس القائمة على التلقين الأجوف؟ وهل طورت من طرق التدريس المطبقة بما يحقق التطلعات المستهدفة؟ وهل تابعت تطبيق التعليم بالمحاكاة والتطبيق الميداني من خلال دروس عملية لقيم مجتمعية؟! وهل اهتمت الوزارة بتهيئة البيئة المدرسية الملائمة لتكون جاذبة للطلاب والطالبات، بدلا من أن تكون طاردة لهم؟! وهل وُضعت استراتيجيات جديدة وأُسس إدارية وآليات مستحدثة بناء على تلك الظاهرات لإنهائها تماما؟ وليس الحد منها؟!. أليس ذلك دافعا لأن تتبنى الوزارة فكرة تضمين مقرر «أخلاقيات الحياة أو المجتمع» ضمن المقررات المطلوب دراستها؟ وذلك لأهميته البالغة في تأصيل اتجاهات وسلوكيات وقيم مطلوبة دينيا واجتماعيا وعمليا.
 ومما يجدر التنويه له أن مثل تلك الأحداث والظاهرات المشينة إلى مجتمعنا وقيمنا وديننا وموروثنا الحضاري لا تُعالج بقرارات سريعة ومفاجئة وارتجالية، دون إخضاعها لدراسات مستفيضة وتحقيق ميداني لجميع الأطراف من جهة، والبيئة الحاضنة والمحيطة من جهة أخرى، لأن أي اتهام سريع ومحاكمة متعجلة للجهة أو الطرف ذي الصلة، هي في الحقيقة جائرة ولا تنطوي على رؤية صائبة أو عُمق إداري أو معرفي في رصد لأصل المشكلة بما يسهم في علاج مثل تلك الظاهرات التربوية والاجتماعية في آن واحد.
 

عبلة مرشد        2017-05-16 11:38 PM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات           |   0 عدد التعليقات :

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال