الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

ملتقى الشراكة العالمية معا ضد الإرهاب

محاربة التطرف المؤدي إلى الإرهاب بوسائله وأدواته المختلفة، يكون بوأده قبل أن يولد وينمو، وقبل أن يكون مشروعا فكريا أو منهجا سلوكيا مسيطرا، وذلك خلال اجتثاث جذوره الفكرية المادية الممنهجة

في قمة استثنائية إسلامية عربية خليجية-أميركية، وبقيادة حكيمة وإدارة رشيدة من ملك الحزم والعزم، وبتنظيم مؤسسي مدروس، استضافت مملكة الإنسانية أكبر تجمع لكوكبة من زعماء وقادة إسلاميبن وعرب، يمثلون 55 دولة إسلامية عربية، ككتلة لها وزنها السياسي والاقتصادي والاستراتيجي والأيديولوجي الدولي، مع زعيم الدولة الأم للرأسمالية الغربية والقطب الأقوى في الساحة الدولية، كلاعب أساس في التأثير على مجرى العلاقات الدولية والواقع الاقتصادي والسياسي الذي نعيشه في عالمنا اليوم.
هذا ويعدّ عقد القمة العربية الإسلامية-الأميركية، استمرارا لجهود المملكة ومساعيها الدؤوبة في تحقيق الأمن والسلام العالمي، وذلك انطلاقا من مبادئ ديننا الحنيف بما يدعو إليه من علاقات مودة ورحمة وتسامح، تجمع شعوب العالم في أُخوة وإنسانية، ينعكس التعاون بينها على رخاء عام وأمن واستقرار وتقدم شامل، تنعم به جميع الأقطار تحت مظلة الإنسانية السامية، خلال شراكات واستراتيجيات هادفة ومثمرة.
وحيث إن برنامج القمة زخر بكثير من التحالفات والاتفاقيات المهمة والحساسة، سواء على المستوى المحلي الوطني أو المجتمع الدولي، خلال ما شهدته الساحة الوطنية من عقد اتفاقيات استثمارية مهمة لمصالح متبادلة تخدم التنمية وتوجهاتها في ضوء رؤية 2030، وبما تضمنته من اتفاقيات عسكرية وصحية وتعليمية وتقنية وصناعية مختلفة، إلى جانب ما استهدفته من تطوير وتدريب لكوادر بشرية بما يتيح نحو 75 ألف وظيفة، هذا إضافة إلى ما تبنته القمة من التأسيس لتحالف استراتيجي لدول الشرق الأوسط، وبمشاركة لكثير من الدول، بما يهدف إلى تحقيق الأمن والاستقرار في منطقة تشهد صراعا إقليميا حادا تغذيه تنافسات دولية ومصالح تتقاطع مع مكون بشري يزخر بتقسيمات طائفية ودينية وعرقية مسيّسة، في منطقة تمثل فيها المملكة القلب الجغرافي والاقتصاد النابض، والقائد الديني الروحي والقدوة السياسية للعالم الإسلامي، بما تستحقه من مكانة ووزن استراتيجي إقليمي ودولي، وذلك باعتبارها حامية وخادمة للحرمين الشريفين من جهة، وراعية لجميع القضايا والهموم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تعانيها دول العالم العربي والإسلامي، وبما تضمه من شعوب مختلفة، وذلك خلال ما تقدمه من دعم مادي ومعنوي من منطلق استشعار المسؤولية لواجبات ومبادئ التعاون الإسلامي، سواء على المستوى الإنساني والاجتماعي خلال ما تحتضنه من مؤسسات إسلامية ومنظمات تهدف إلى خدمة قضايا العالم الإسلامي برمته، والممثلة في: رابطة العالم الإسلامي، ومنظمة التعاون الإسلامي، والبنك الإسلامي للتنمية، إضافة إلى المنظمات الدعوية والإغاثية المختلفة التي تهدف إلى خدمة الإسلام والمسلمين، هذا إلى جانب ما تتحمل مسؤوليته ضمن برنامج عمل صندوق التنمية السعودي، الذي يسهم في كثير من المشروعات التنموية في دول العالم الإسلامي، والتي تُقدم كهبات أو كقروض ميسرة طويلة الأجل، ومن جهة أخرى فإن الرياض تمثل المقر الرسمي للأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية.
بيد أن موضوع الإرهاب والتطرف احتل مكانا بارزا من اهتمامات المؤتمر، بل ومن كلمتي القيادتين الرئيسيتين في المؤتمر، لكونه يمثل العائق الأهم أمام مسيرة التنمية، بما يصاحبه من تحديات وما يتطلبه من تجنيد وتوظيف لأموال وكوادر بشرية ضخمة لمواجهته والتصدي له، وبما ينجم عنه من ضحايا ودمار وتخريب كنتيجة لإفرازاته وتداعياته، هذا إلى جانب كونه الأداة الأساسية التي تهدد أمن المنطقة وتهز استقرارها، من خلال ما يستهدفه «الإرهاب» من استقطاب وتجنيد لشبابنا وفلذات أكبادنا، لخدمة أجندات خارجية معادية، وبما يعود بالدمار والخراب لهم ولأوطانهم، فيكونون معاول هدم بدلا من أن يكونوا عوامل بناء وتنمية.
ولعل من أحد أهم منجزات المؤتمر وثمراته العامة، تتويجه بمبادرة مملكة الإنسانية في إطلاق مركز «اعتدال» لمكافحة الفكر المتطرف، ليكون منبرا دوليا ومرجعا أُمميا لمحاربة الإرهاب والتصدي له بكل أشكاله على مستوى جميع دول العالم، وذلك إيمانا بأهمية المملكة ووزنها السياسي وثقلها الاستراتيجي الإقليمي والدولي، وبفاعلية دورها الإنساني والاجتماعي الرائد في مكافحة الإرهاب والتصدي له، من خلال تحمل مسؤوليتها في تصحيح مفهوم الإرهاب والإثبات بأنه ظاهرة ليس لها دين أو ملة أو جنسية، والذي تبلور فيما سجلته المملكة من إنجازات ونجاحات متتالية في مكافحة الإرهاب المحلي والإقليمي والدولي؛ بما أهّلَها لأن تكون مرجعا أمنيا لدول كبرى متقدمة، نتيجة لمصداقيتها المشهودة وريادتها المهنية في ذلك المجال، والذي استنزف منها كثيرا من الجهود والموارد المادية والبشرية.
ومما تجدر الإشارة إليه، أن مركز «اعتدال» يمثل مؤسسة فكرية أمنية تهتم بتوفير المعلومات والبيانات باستخدام أفضل مستحدثات التقنية، وبإنتاج الدراسات والأبحاث ذات الصلة، وبتحصين الشباب ومحاربة التطرف ونشر مبادئ الوسطية والاعتدال وتعزيزه، لمكافحة الإرهاب ومواجهة الفكر المتطرف ودحضه، وسيضطلع المركز بتحصين الأسر والمجتمعات بصفة عامة، والتي يشمل فيها جميع دول العالم للتصدي لقضايا الإرهاب ومكافحته، وذلك استشعارا من المملكة لمسؤوليتها الدينية كراعية وخادمة للحرمين الشريفين، وكحاضنة لقضايا الأمة الإسلامية، وكرائدة في مكافحة الإرهاب وتحدياته، وكجزء من مسؤولياتها الإنسانية والأخلاقية نحو المجتمع الدولي في حفظ الأمن والاستقرار العالمي، والاهتمام بمعالجة أسباب الإرهاب كظاهرة عالمية لتطويق جميع أسبابه ووسائله والبيئات الحاضنة له، وكنموذج لدولة ترعى الدين الإسلامي بمبادئه وأخلاقياته السامية، وتحرص على تنفيذ شرائعه بما يحفظ الحق الإنساني لكل مواطنيها وسكانها بمختلف طوائفهم وأعراقهم ودياناتهم، وبما يكفل لهم العيش الآمن والتنمية الشاملة المستدامة.
ولعل من أهم ما يستهدفه المركز في برنامجه المعني بمكافحة الإرهاب والتصدي له، هو تجفيف كل منابع الإرهاب واجتثاث جذوره الفكرية والمادية، والتي تلعب دورا أساسا في تمويله وضمان ديمومته، وذلك خلال احتواء الفئة المستهدفة التي تمثل جهة استقطاب لقوى الإرهاب وداعميه بأساليب متقدمة وواعية ومدروسة تناسب العصر وآليته وفعالياته، والذي يتحقق بالتوعية والضبط لوسائل التواصل الاجتماعي وغيره في منحاها السلبي، وكل المغذيات الفكرية التي تعدّ الوسيلة والأداة المهمة التي يتسرب منها الفكر المتطرف الذي تولد عنه الإرهاب بمختلف أشكاله.
وختاما، فإن محاربة التطرف المؤدي إلى الإرهاب بوسائله وأدواته المختلفة، يكون بوأده قبل أن يولد وينمو، وقبل أن يكون مشروعا فكريا أو منهجا سلوكيا مسيطرا، وذلك خلال ضبط جميع ما يتصل به وبمسبباته، واجتثاث جذوره الفكرية المادية الممنهجة، والتي يتم تسريبها وتشربها من بعض المناهج التعليمية والفكرية المتطرفة، أو خلال بعض الدعاة المتشددين والتكفيريين، ويكون بضبط ومراقبة الخطب في المنابر ومضمون الحلقات الدينية المشبوهة، وخلال استبعاد ونبذ كل أشكال التمييز العرقي والديني والمذهبي، بما يسهم في تحقيق عدالة اجتماعية ومساواة شاملة، وذلك يتطلب تفعيلا واحتواء رسميا منظما، وتوعية مجتمعية عميقة، وإعلاما هادفا موجها، لتصحيح مسارات فكرية منحرفة، ومعالجة توجهات دينية وفكرية متطرفة، إضافة إلى المسارعة لحل ومعالجة ما تشكله الضغوط المجتمعية والاقتصادية المختلفة على الشباب ونفسياتهم من آثار سلبية، كبيئات ضاغطة وظروف حاضنة للإرهاب وأسبابه، وذلك بالتركيز على متطلبات الشباب وحاجاتهم واهتماماتهم المادية والجسمية والنفسية، إلى جانب مراعاة تطلعاتهم وطموحاتهم الذاتية في تحقيق وجودهم بما يعزز وطينتهم وانتماءهم، وبما يكفل استيعاب جميع تلك الطاقات والقدرات الشابة الطموحة، وتوجيهها نحو الاتجاه الصحيح البنّاء، بما يعود بالنفع عليهم وعلى مجتمعاتهم وأوطانهم.
ومما لا شك فيه، أن إدارة تحدياتنا بأنفسنا، وتعاون وتكامل جهودنا الوطنية والإقليمية، بما يتلاءم مع مصالحنا وظروفنا ومبادئنا الإسلامية السمحة، كفيل بالقضاء على الإرهاب والتطرف واجتثاث جذوره الهدامة، بما يعود بالأمن والاستقرار والنماء لدول المنطقة وشعوبها.

عبلة مرشد        2017-05-24 12:52 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات           |   0 عدد التعليقات :

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال