الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

سجدة شكر

من المهم ألا ننسى أن ‏البشر يعيشون في كوكب واحد، ومراقبة تصرفاتنا وتقييمها أجدى من متابعة ما يعتقده الآخرون عنا! ربما نحن من نسيء لأنفسنا أو وطننا وثقافتنا دون وعي!

لفت نظري ما قالته سمو الأميرة ريما بنت بندر، خلال حديثها الأخير في مسك، حول أهمية التواصل
بين البشر في تعديل الإنسان لسلوكه وثقافته، وذلك خلال إشارتها إلى أن الإنسان يتغير سلوكه خلال التواصل مع الآخرين، وبالتالي يعمل عقله على التعرف على المقبول وغير المقبول، ويحدد خلال هذا التقييم الطريقة التي يريد أن يقدّم بها نفسه.
الحقيقة أن حديث الأميرة تزامن مع موقف تناقلته الحسابات الطلابية، غابت فيه -كما أظن- هذه المهارة التي تحدثت عنها سموها في مسك.
في المقطع المتناقل، اختار أحد الخريجين أن يقف على المسرح ليفرش العلم الأخضر الممهور بلفظ الجلالة على الأرض المخصصة لمسيرة الخريجين، ويسجد شكرا لله على توفيقه في دراسته، معطِّلا بذلك مسيرة الخريجين وراءه، ومكرّسا الرأي القائل بفوضويتنا، وافتقاد بعضنا اللياقة في الأماكن العامة.
لا بد أن نقف هنا ونقول: يا عزيزي الخريج لقد أخطأت، فالأعلام ابتداء لا تفرش أبدا على الأرض، مهما كانت النية، بل ترفرف فوق الرؤوس، وتُحمل فوق الأعناق، هذا لأي علم، ناهيك عن علم المملكة الذي تزينه عبارة التوحيد، والذي لا يُنكّس لأي سبب كان.
وإن كان القصد تطبيق السنّة، فأظن التطبيق خاطئا كذلك، فالرسول عليه الصلاة والسلام كان يسجد عند سماعه الخبر السار للمرة الأولى، ولا أظن أي خريج يحضر حفل التخرج دون معرفة أنه سينادى لاستلام شهادته من على المنصة.
لم تنتهِ القصة هنا، بل تناقلت الحسابات الطلابية مقطع الطالب، وكأن ما قام به تصرف مقبول، وبأن الحضور صفقوا له على هذا التصرف الذي ينمّ عن اعتزاز بالهوية وافتخار بالدين، وهذا غير دقيق،
فقد اعتاد الطلاب والحضور التصفيق في هذه المحافل احتفالا بالخريجين، ومشاركة لهم في إنجازاتهم وفرحتهم، خصوصا أن منهم من لا يرافقه أحد بسبب اغترابه للدراسة، وبُعده عن ذويه. لذلك، فتصوير التصفيق للطالب على أنه انبهار أميركي باعتزازه بهويته تضليل لا يليق، في حسابات تزعم أنها تظهر حقيقة الإنجازات السعودية!
أعتقد أننا بعد أكثر من عقد من الزمان على بداية برنامج الابتعاث الحالي، يجب علينا أن نتوقف عن تجهيل بعضنا بعضا، وزرع بذور الأفضلية غير المستحقة، فالإنجازات الحقيقية للطلاب تكون في المعامل والمختبرات والمحافل الخاصة بالجامعة، في النشر العلمي، وفي الابتعاد عن شبهات الانتحال العلمي والأدبي، في نقل المعرفة وتوطين العلم بعد الحصول عليه من الجامعات الراقية، تحقيقا لطموح الوطن من برنامج الابتعاث.
عندما أبديت رأيي في المقطع، تواصلت معي إحدى الأخوات الكريمات مبدية تأييدها للطالب، ومبررة هذا بأن سجوده هو لإظهار الدّين الحق، وأقل ما نعمله هو عدم الاعتراض عليه، وأن اعتراضي لن ينفعني يوم لا ينفع مال ولا بنون!
لكنني أظن أن تصرفه يظل غير مقبول، حتى لو قام به في جامعة محلية، وأظن أيضا أن أدب المنظمين الأجانب منعهم من منعه، وهو حق لهم، وربما لو ارتجل تصرفا كهذا في جامعة محلية دون إعداد، لكانت النتيجة مختلفة، وربما ترك له تصرفه ذكرى غير سعيدة في حدث سعيد.
لا بد أن ندرك أن من منافع الابتعاث العامة، تأهيل الشباب والشابات ليكونوا مواطنين عالميين، قادرين على تمثيل بلدانهم ونفعها ونفع العالم أجمع. وخلال سعينا إلى العلم علينا أيضا أن نسعى جادين إلى اكتساب مهارات اللياقة العامة في محافل العلم، خصوصا الجامعات، احتراما للهوية التي نحملها، والوطن الذي نمثله، والدين الذي نسأل الله أن يحيينا عليه ويميتنا عليه.
وإذا كانت الدول الخارجية -والجامعات تحديدا- تحترم ديننا وتخصص لنا المصليات المحمية بالبطاقات الممغنطة، وتوفر الخيارات الصالحة للمسلمين في المطاعم والمقاهي، فأقل ما نعمله هو أن نخصص وقتا كافيا للتعرف على بروتوكول المناسبات ونتقيد به، مواكبةً للعالم الذي نعيش فيه.
إن التواصل مع الآخر لا يعني ذوبان هويتك في هويته، بل يعني إعمال عقلك وتفكيرك في تقييم ما تراه، ورسم شخصيتك التي على أساسها سيكوّن البشر صورة ذهنية عن كل ما تمثله كشخص، من دين وبلد وثقافة.
من المهم ألا ننسى أن ‏البشر يعيشون في كوكب واحد، ومراقبة تصرفاتنا وتقييمها أجدى من متابعة ما يعتقده الآخرون عنّا! ربما نحن من نسيء لأنفسنا أو وطننا وثقافتنا دون وعي!
 

نادية الشهراني        2017-05-25 11:54 PM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات           |   0 عدد التعليقات :

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال